وصاح المفسد: أريد إصلاحا

الدكتور عبد الستار قاسم

من محاسن الانتخابات أنها تعمل كَ كماشة تضغط على ذيل الفاسدين فيصرخون: “ما نريد إلا الإصلاح.” تفحصت شعارات كثيرة، ومختصرات لكلمات بثها مرشحون وتتبناها قوائم انتخابية، فترنمت على غيلان مجرمين يتحولون إلى حمائم مسالمين يتغنون بإصلاح الأوضاع ويعدون بتدارك ما قد ضاع. هؤلاء الذئاب الذين أذاقوا الشعب الفلسطيني مرّ العذاب ونهبوا الأموال واعتدوا على الأعراض وسجنوا المناضلين، وتعاونوا مع إسرائيل، وأقاموا حفلات السكر والعربدة يتحدثون الآن وكأنهم نعاج تجود ضروعها باللبن الوفير الذي يُسكب في فم ابن الفقير. الانتخابات سيف، كان يكفي أن تذكر هؤلاء الفاسدين بالسحّ الذي يغلي في بطونهم وحمى الخمر التي طوحت برؤوسهم.

نظرت إلى لا فتة ضخمة لرأس من رؤوس الحرمنة فوجدته قد قال عن نفسه أنه خير من تستأجر لأنه هو القوي الأمين. قلت في نفسي إن هذا الحرامي لم يكن ليقدر على طبع هذه اللافتة لولا أن أمعاءه قد أعيتها دماء الشعب الممصوصة؛ وبالتأكيد لم يكن له أن يخوض انتخابات لولا عهد الخسّة. أما آخر فكتب واعدا بأن العلاج سيتوفر للجميع عندما يفوز. قلت في نفسي إن هذا لم يكن ليتحدث عن العلاج لو لم يكن هو سارقه. لقد ساهم في نهب علاجات المرضى، ولم يخطر على باله مشكلة إلا تلك التي تصنعها يداه. وكتلة كتبت أن رأسمالها العدل، فتذكرت جهودها العنيدة في إفساد القضاء؛ وكتلة تكتب قائلة إنها ستوفر الأمن والأمان للمواطنين، ومن المعروف أن مؤيديها يجوبون الشوارع يهددون المواطنين ويعرضون أمنهم وممتلكاتهم لأخطار محدقة.

المضحك أن كتلة تتمرغ عند أقدام الأمريكيين تتحدث عن كرامة المواطنين. العديد من شخوص هذه الكتلة يحصلون على أموال أمريكية، وبعضهم يفتح دكاكين للديمقراطية والانفتاح، ويحتل مواقع متقدمة في السلطة الفسطينية لا يترددون في إصدار الوعود بتحقيق الكرامة. ربما يعنون بأن الكرامة ممكن أن تتحقق برقاب تدوسها نعال “المارينز”.

ما رأيكم أيها القراء بالزمن الذي تتحدث به داعرة عن الصدق والطهارة فتجد من الناس تصديقا؟ ليس عجيبا أن يتحدث نجس عن طهارة، هذا يحصل في كل مكان وزمان، لكن العجيب أن يعرف الناس بالأمر فيغمض عدد منهم العيون ويصدقون وكأنهم مغبونون. هؤلاء والله ليسوا بمغبونين؛ إنهم يعلمون ويعون، لكن مصالحهم أقوى من وصايا رب العالمين. من الناس، وراء بعض الشعائر والطقوس يختبئون، لكنهم في سلوكهم في جحد قاتم يغرقون. كم من فاسد ذكر الله نفاقا أمام الجماهير، وكم من منافق لفاسد سعوا دائما لإقامة التبرير.

ة نحو تصحيح بعض ما فسد، وإعادة حقوق على أصحابها قد ضاعت، والتحقيق في جرائم قد حصلت، والعودة بالشعب إلى بعض أخلاق قد دُمرت، ونسيج اجتماعي قد تمزق. ولهذا يبقى الصوت أمانة عظيمة يجب الوفاء بها. ومن أراد الوفاء بهذا الالتزام المقدس بما لا يتناقض مع الأمانة التي أودعها الله في الإنسان، فلينظر إلى تاريخ الشخص وماضيه؛ وإذا كانت كتلة فليتفحص ماضي عناصرها ليقرر من أي طينة قد جُبلت. وهنا لا أتحدث عن ماضي الطفولة أو ماضي الشباب الطائش، وإنما عن ماضي النضوج المنتج الذي يكون المرء فيه قد وعى أفعاله وأعماله.

هناك قوائم انتخابية تعمدت التغطية بمناضلين وبأسماء معروفة على مستوى اجتماعي، لكنها تنطوي في داخلها على رؤوس فساد ضخمة ستمثل يوما أمام محاكم الشعب الفلسطيني. وهناك قوائم تنطوي على أسماء تخدم الأمريكيين والإسرائيليين. وهناك قوائم تحمل أسماء الذين يحملون بطاقات حرية مرور من قبل إسرائيليين. حتى أن بعض المرشحين على صعيد القوائم والأشخاص يستعملون سيارات تحمل لوحات حمراء في حملاتهم الانتخابية. هؤلاء جميعا يصرخون الآن بأنهم يريدون الإصلاح؛ يمرون عن الناس فيسلمون ويبتسمون، وفي كلامهم الآن يتوددون. فقط بالأمس لم يكونوا في الشارع يترجلون، وكانوا عن دوائرهم غائبين ولأموال الناس ناهبين. الآن يحلفون بأنهم صادقون. لا، والله إنهم كاذبون. ذلك المعوج لن يصحّ فقد تيبس ، وذلك الضال لن يهتدي إذ فقد بصيرة.

سنحاسبهم وفق قواعد الحق والعدل. سيعود الشعب الفلسطيني واقفا، وسيتغلب على مآسي السنين العجاف. سنجمعهم يوما، وسيكون الحق فاصلا. أنا شخصيا قمت بجمع مواد كثيرة تدين عددا من الذين يخوضون الانتخابات، وسأتقدم بقضايا ضدهم بمجرد أن يقوم المجلس التشريعي القادم بإعادة ترتيب المحاكم وتعيين قضاة يخشون الله ويتعاملون بمساواة مع الجميع.

الآن هو الحساب المعجل. الانتخابات هي فرصة كل فلسطيني ليقول للخائن إن خيانته قد أودت به إلى السقوط، وإن الفساد قد أتى على رأس صاحبه. يجب ألا نتردد وألا نجامل. نحن نعلم من سرق ومن تاجر بقضية فلسطين، ومن استعمل الوساطات والمحسوبيات، ومن اعتدى على الناس وعرقل العدالة وتعاون مع اليهود الصهاينة. سنوات طوال قد مرت، وكانت سنوات فرز بين الناس، بان فيها الخبيث من الطيب، وظهر الوطني من غير الوطني، وصاحب الدين من تاجر الدين. غض الطرف مصيبة، ولا منجاة لهارب من حق وأداء أمانة.

ولنتذكر جميعا أن العائلة ليست مقدسة. بالتأكيد الترابط الاجتماعي محبب ويجب أن يكون، لكن ليس على الباطل؛ وكم من أخ لك لم تلده أمك. أنا أقف مع قريبي ومع صديقي عندما يكون على حق، أما عندما يكون على باطل وأنا أعلم فالحق يفصل بيني وبينه.

اقرأ بلغة English