تدمير اليمن
الدكتور عبد الستار قاسم
إذا دخل الأمريكيون قرية أهلكوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة، وحولوهم إلى متسولين مستعطين ينهكهم نزيف الدماء والصراعات الداخلية. الأمريكيون في اليمن منذ سنوات طويلة، ونفوذهم فيها يتصاعد يوما بعد يوم، بل أصبحوا يتدخلون في كل صغيرة وكبيرة في البلاد، ويتصرفون على أنهم حكام البلاد الحقيقيين. وهذا التدخل لا يتم إلا بمباركة وانحناء أهل البلاد، أو قادة البلاد بالتحديد الذين لا يشذون عن نظرائهم الملوك والرؤساء العرب الذين يطوعون الشعوب لتكون مطية لمن امتطى.
تعاني اليمن من أزمات اقتصادية واجتماعية وثقافية وفكرية وسياسية منذ سنوات وذلك لأسباب داخلية وخارجية، ولم يكن لدى النظام الحاكم إلا تقديم الوعود بتحسين الأحوال وتحقيق الإصلاح. وعلى شاكلة الأنظمة العربية، اهتم النظام بصورة أساسية في إطالة أمد بقائه في الحكم والتربع على خيرات الناس، تاركا الشعب يئن من الفقر والتخلف والعصبية القبلية وتخدير القات. لقد احتكر النظام السلطة وجند أجهزة الأمن للتجسس على أهل البلاد، تاركا الآخرين يعيثون بالأرض الفساد. وتبعا لذلك، ظهرت في البلاد أزمات حادة كان على رأسها:
الأزمة مع الحوثيين الذين خاضوا حروبا مع الجيش اليمني، وما يزال التوتر قائما بينهم وبين الحكومة في صنعاء. كان من المفروض أن يتمتع النظام الحاكم بالحكمة الكافية لحل المشكلة بأسرع وقت ممكن حتى لا تتفاقم الأمور إلى أبعاد طائفية أو مذهبية، وتحدث شروخا اجتماعية يصعب أن تندمل. صحيح أنه على الحوثيين أن يخففوا من طلباتهم، وأن يرتضوا بحل مقبول من الطرفين دون المس بوحدة اليمن، لكن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق النظام الذي يملك أسباب القوة من مؤسسات وجيش وقدرة على اتخاذ القرار المركزي. وكان على النظام أن يعرف أن الحرب مكلفة، وشعب اليمن غير مؤهل اقتصاديا للإنفاق على حروب.
ولم يطور مفهوما للتوزيع العادل، ونشر التنمية بصورة متوازنة في مختلف أنحاء البلاد. ومن حيث أن جنوب اليمن لا يتمتع بقدرات تأثيرية مشابهة لبعض القوى في الشمال، فقد كان الإهمال من نصيبه بصورة أكثر من غيره. يتحرك الجنوب على مدى سنوات لتحسين الأوضاع السياسية والحصول على أسهم أفضل في المشاركة في صناعة القرار، لكن النظام يركب رأسه كما تفعل الأنظمة العربية الأخرى.
وأخيرا انفجرت الأزمة مع القاعدة، وها هي تتبلور بصورة أكثر حدة ودموية مع الأيام. هل سيبحث النظام اليمني عن أساليب ووسائل وطنية تجنب البلاد والعباد معاناة الصدام والقتال؟ لا.
تتمثل المشكلة الكبيرة في التدخل الأمريكي ومن والاهم في المنطقة من الأنظمة العربية. أمريكا ليست معنية بالإصلاح باليمن لأن في ذلك ما قد يساهم في رفع قدرة اليمن على اتخاذ القرار الحر. أمريكا تريد يمنا مفصلا وفق مقاساتها ورغباتها، وكل محاولة لتغيير الوضع القائم سلما أو حربا لا تقبله، ومستعدة للتدخل من أجل إحباطه. ومن حيث أن النظام اليمني يحصل على أموال من الولايات المتحدة، فهو مستعد للتضحية بالبلاد والعباد، ومستعد لتأجير اليمن أو تجييرها لصالح الولايات المتحدة.
أمريكا ضد الحوثيين لأنهم يتلقون دعما من إيران، أو هكذا يقال؛ وهي ضد الحراك الجنوبي لأنهم عروبيون ويتطلعون إلى إحداث التغيير في الساحة العربية؛ وهي ضد القاعدة لأنها تنادي بالعودة إلى الإسلام وفق ما تراه، وتدعو إلى إنهاء السيطرة الأجنبية على البلاد الإسلامية. أي هي معادية لكل حركات التغيير في اليمن، أو معادية لمطالب مختلف الحركات، ومستعدة للحرب. ولهذا ليس مستبعدا أن تحول أمريكا اليمن إلى أفغانستان جديدة، وتبدأ مسلسل حرب جديدة يدفع ثمنه اليمنيون أولا، والسعوديون ثانيا.
يجب ألا نقبل بأفغانستان جديدة في اليمن، وألا نقبل بقصف الأمريكيين لأهداف في اليمن، ومن المفروض أن تسعى الحكومة اليمينة إلى حل مشاكلها مع أهل البلاد دون تدخل الأجنبي. وإذا كان لأمريكا ثارات مع القاعدة، فإن عليها أن تخلع شوكها بيدها دون أن تستعمل العرب لتحقيق غاياتها. وإذا كان للنظام اليمني أن يتعاون مع أمريكا ويسمح بالطيران الأمريكي بالعمل على أرض اليمن وفي أجوائها، فإننا بالتأكيد مقبلون على مأساة حقيقية وكبيرة لن تتوقف عند حدود اليمن الافتراضية.