مستقبل المقاومة الفلسطينية
الدكتور عبد الستار قاسم
تدعو تطورات الأوضاع في فلسطين والمنطقة عموما إلى التساؤل حول مستقبل المقاومة الفلسطينية: هل ستستمر هذه المقاومة أم لا؟ هل ستكون ذات زخم وديمومة فيما إذا استمرت؟ أم أن القوى المعيقة كبيرة وعديدة ستجعل من المقاومة مجرد تمنيات لا ترجمة لها على أرض الواقع؟ تساؤلات عدة يطرحها أكاديميون وسياسيون، وأناس عاديون يحاولون قراءة الأمور وفق تجاربهم البعيدة عن مقيدات المناصب والحسابات الشخصية.
جزء لا بأس به من الشعب الفلسطيني قد ألقى السلاح في مواجهة الكيان الصهيوني، وجزء من هذا الجزء يقف بحزم ضد من يحمل السلاح ويقوم باعتقاله على اعتبار أنه يهدد الأمن الوطني الفلسطيني؛ بلدان عربية عدة تقف ضد المقاومة وتقول إنها عبثية وتشارك في الحصار المضروب عليها؛ دول أوروبية وغير أوروبية تحاصر المقاومة وتراقبها وتحرض ضدها وتقدم الأموال لمن يعمل على الوقوف بوجهها. هذا ناهيك عن الحرب المدمرة التي شنها الكيان الصهيوني على غزة. القوى تتكالب على المقاومة بهدف تدميرها وإنهائها، فهل ستصمد هذه المقاومة وسيكون لها مستقبل؟
للإجابة عن التساؤلات، أقسّم المقاومة أولا إلى قسمين: الداخلية والخارجية، ومن ثم نبحث في عوامل القوة والضعف لكل منهما، ثم ندمجهما في بوتقة واحدة للتوصل إلى تقييم نهائي.
المقاومة الداخلية والخارجية
تنقسم المقاومة الفلسطينية إلى جزأين وهما الداخلية المتمثلة بفصائل وقوى فاعلة على الساحة مثل حماس والجهاد الإسلامي وألوية الناصر صلاح الدين ولجان المقاومة الشعبية؛ وقوى شبه فاعلة مثل سرايا جهاد جبريل وكتائب أبو علي مصطفى؛ والخارجية مثل قوات الجبهة الشعبية-القيادة العامة وفتح الانتفاضة، وقوات بعض التنظيمات الفلسطينية في مخيمات لبنان. المقاومة الداخلية الموجودة على أرض فلسطين هي التي تتمتع باحتكار العمل المقاوم في أذهان الناس حاليا، لكن يجب ألا يغيب عن الأذهان بأن قوى الخارج تشكل طاقة كامنة موجودة يمكن أن تعمل بنشاط عندما تدعو الضرورة.
المقاومة الداخلية هي التي تصنع الحدث الآن، وهي الموجودة في أتون المعركة، وهي التي تشكل قاعدة الثبات والاستمرار في هذه المرحلة. أما المقاومة الخارجية، وعلى الرغم من استعدادها القتالي المتواصل، فما زالت حبيسة توازنات داخلية عربية واعتبارات دولية ذات علاقة مباشرة بالحكومة اللبنانية والصراع بين سوريا والصهاينة. المقاومة الداخلية تقع دائما تحت طائلة الهجوم الصهيوني والداخلي، في حين أن المقاومة الخارجية تتلقى ضربات تحذيرية بين الحين والآخر. وفي كل الأحيان، لا يغيب عن الذهن أن الخارجية عبارة عن امتداد للداخلية والعكس صحيح.
عوامل كبح المقاومة
تعاني المقاومة الفلسطينية من العديد من الهموم والمشاكل والمعوقات التي تعمل ضدها وتؤدي إلى إضعافها وإصابتها بنوع من الضيق والإحباط أحيانا، أشرح أدناه بعضها:
أولا: التصدي الصهيوني المستمر، وهو عنصر لا مفر منه لأن الكيان الصهيوني هو الطرف الآخر في الصراع. تملك إسرائيل آلة عسكرية ضخمة ومدمرة، وتتصف بمستوى تقني متطور ومعقد، وهي قادرة على إلحاق أذى مستمر على مختلف الأوجه بالمقاومة الفلسطينية وقياداتها ومنشآتها وبناها التحتية والفوقية. هذا ليس عنصرا جديدا أو مستحدثا، إنما هو قائم منذ أن قامت إسرائيل، ويعود أيضا إلى عهد الحركة الصهيونية في ظل الانتداب البريطاني. تبعا للمواجهة، تأرجحت المقاومة الفلسطينية بين الصعود والهبوط، أصابها النجاح أحيانا، وأصابها الإحباط أحيانا أخرى، لكن المتتبع لمنحنى المقاومة الفلسطينية في علاقته مع التصدي الصهيوني يجد أن المقاومة قد تحسن أداؤها مع الزمن، وتطورت قدرتها على الصمود.
ثانيا: التحدي الفلسطيني الداخلي. شكل إعلان عرفات بنبذ الإرهاب عام 1985 في القاهرة نقطة تحول فلسطينية ازداد تأثيرها بعد قرارات المجلس الوطني الفلسطيني المنعقد في الجزائر عام 1988، وتفاقم بعد اتفاق أوسلو وما تبعه من اتفاقيات. نصت الاتفاقيات على التزام فلسطيني تجاه الأمن الإسرائيلي من خلال نصوص ملاحقة الإرهاب والإرهابيين، وأصبح لزاما على الفلسطيني أن يعتقل الفلسطيني دفاعا عن الأمن الإسرائيلي, يشاهد الفلسطيني يوميا تطبيق هذه النصوص، ويسمع الكثير من الحكايات عن أساليب التحقيق والتعذيب الفلسطينية لفلسطينيين متهمين بالعمل أو إمكانية العمل ضد إسرائيل. ومن أجل استمرار الفلسطينيين بالقيام بهذا العمل، تم ربط رواتب الموظفين لدى السلطة الفلسطينية بمدى إخلاصها في تطبيق الاتفاقيات مع إسرائيل، إلى درجة أن الشعب الفلسطيني أصبح رهينة أو أسيرا بيد الدول المانحة التي تتحكم إسرائيل وأمريكا بطريقة صرف الأموال التي تجمعها.
هذا التحدي الداخلي خطير جدا لأنه يعمل من الداخل، ويتمتع بقدرة كبيرة على جمع المعلومات عن المقاومة والمقاومين. صحيح أن إسرائيل تملك القدرات التقنية الكبيرة لجمع المعلومات، ولديها العديد من الجواسيس المخفيين، لكن هذا لا يوازي جيشا من الفلسطينيين ممثلا بالعديد من الأجهزة الأمنية يعمل على جمع المعلومات وملاحقة كل من يُشك بنواياه لمقاومة إسرائيل. هذا عنصر يضعف المقاومة بدرجة كبيرة جدا، ويضع عليها تحديات تنظيمية وتسليحية وتمويلية وأمنية كبيرة جدا تعرقل من كفاءتها بالعمل وتطوير أساليبها في المواجهة. على المقاومة أن تواجه إسرائيل، وأن تتدبر أمورها لتتجنب مثالب العنصر الداخلي، وأيضا الصراع المباشر معه.
ثالثا: مقاومة الأنظمة العربية وحصارها. أغلب الأنظمة العربية تعمل وفق متطلبات اتفاق أوسلو وتبعاته منذ زمن بعيد وقبل قيام السلطة الفلسطينية. أغلب الأنظمة العربية معادية لفكرة المقاومة، وهي فضلت في النهاية الاعتراف بإسرائيل وتطبيع العلاقات معها، والاستمرار في ملاحقة المقاومة إلى أن وصل الحد إلى درجة الحصار المطبق على كافة أشكاله وألوانه. وقد سبق لأنظمة عربية عدة أن وقفت ضد حزب الله في هجوم إسرائيل عليه عام 2006، وضد المقاومة الفلسطينية في هجوم إسرائيل على غزة 2008/2009، وهي تشارك بفعالية في مراقبة ومنع تهريب الأسلحة إلى لبنان وغزة، في حين أنها لا تحتج على تزويد إسرائيل بالأسلحة.
أغلب الأنظمة العربية تتعاون مع الدول الغربية في الحصار المالي المضروب على غزة ومؤيدي فصائل المقاومة. حوالي 53% من أموال الدول المانحة التي تقرر صرف رواتب موظفي السلطة تأتي من دول عربية، والكثير من المعلومات الأمنية حول نشاطات الفلسطينيين خارج فلسطين يتم نقلها لأجهزة أمنية معادية للمقاومة. وواضح أن هذه الدول هي التي تضغط على الفلسطينيين من أجل الاعتراف بإسرائيل والالتزام بالاتفاقيات التي عقدتها منظمة التحرير مع إسرائيل.
رابعا: مناهضة قوى عالمية كبرى مثل إسرائيل وأوروبا وروسيا للمقاومة الفلسطينية. يُخيّل للمرء أحيانا أن كل العالم إلا من نفر قليل من الدول مثل فنزويلا وكوبا يقف ضد المقاومة الفلسطينية، وهو محتشد بكامل قواه وطاقاته ومقدراته للدفاع عن إسرائيل، ويرى المقاومة بحجمها الصغير أمام اختبارات صعبة وقاسية عليها أن تحقق فيها بعض الفوز.
خامسا: ثقافة الجمهور الفلسطيني. تأثر جزء لا بأس به من الشعب الفلسطيني بخاصة في الضفة والقطاع بالجو العام المترافق مع الاتفاقيات مع إسرائيل بحيث أصبحوا يدعون إلى الاعتراف بإسرائيل ووقف المقاومة، وأخذوا يؤيدون السياسات الأمريكية في المنطقة، ووصل الحد ببعضهم أنهم ابتهجوا للحرب التي شنتها إسرائيل على غزة، ومنهم من وزع الحلويات يوم استشهد سعيد صيام. هناك ثقافة تبلورت في الداخل الفلسطيني أهم معالمها كراهية الآخر الفلسطيني والقبول بالآخر الصهيوني، وهذا ما يجعل من عملية التعاون مع العدو عملية مبررة، والهجوم على المقاومة خدمة وطنية.
عوامل صعود المقاومة
مثلما هناك عوامل كبح، هناك عوامل عديدة تساعد المقاومة على النهوض والصعود والاستمرار أشرح بعضها أدناه:
أولا: إرادة التصميم والإصرار. هناك على الساحة الفلسطينية من يرفض تعريف السياسة الانهزامي والذي يقول بأن السياسة فن الممكن، ويقول بأن السياسة هي الإصرار على الممكن. نسبة عالية من الفلسطينيين ترفض الاتفاقيات مع إسرائيل وتصر على استمرار المقاومة على الرغم من علمها المسبق بأن التضحيات المطلوبة كثيرة وكبيرة. هذه نسبة تتمتع بإيمان صلب بما تصنع، وإرادة حديدية على المواصلة؛ وهي في الغالب ذات عقيدة إيمانية راسخة وثقة مطلقة بالله سبحانه وتعالى. وإذا نظرنا إلى الحروب تاريخيا، نجد أن الجندي المؤمن بقضيته ولا يلتفت لمصالحه الخاصة هو الذي يحسم المعارك.
ثانيا: العمق الشعبي العربي والإسلامي. تتمتع المقاومة الفلسطينية وكذلك اللبنانية بتأييد شعبي كبير على المستوى الشعبي العربي والإسلامي، وهو تأييد يشكل دافعا قويا لاستمرار المقاومة، ويشكل عمقا معنويا إنسانيا وماديا واقتصاديا، ويمكن أن يكون قوة ضغط على الأنظمة لكي تخجل على نفسها بعض الشيء. وواضح أن هذا العمق آخذ بالتجذر والنضوج تدريجيا إلى درجة أن بعض رجال الدين قد التأموا مؤخرا وعبروا عن أنفسهم جماعة وبتحدي، وأن بعض المتظاهرين العرب قد أبدوا شجاعة في مواجهة أجهزة الأمن التي تصدت لهم.
الإيرانية قفزات علمية وتقنية هائلة بخاصة في المجال العسكري، وهي ما زالت مصممة على شق طريقها نحو الاستقلال عن الغرب، وتطوير إرادة سياسية وأمنية خاصة بالمنطقة. قناعتي بأن إيران قد فلتت من العقال، والمجال مفتوح أمامها لمزيد من التطور والذي سينعكس إيجابا على المقاومة في لبنان وفلسطين.
رابعا: محور عربي يمكن أن يتوسع. بقيت سوريا لفترة من الزمن الدولة العربية التي يُشار إليها بالبنان على أنها الدولة “الشاذة” التي لا تلتزم بما يسمى أحيانا بالنظام أو الإجماع العربي، وكانت توصف أحيانا بالدولة المعزولة التي تعرقل الإرادة العربية. الآن سوريا ليست لوحدها، وكان ذلك واضحا في مؤتمر الدوحة الذي عُقد عقب توقف الحرب على غزة عام 2009، إذ حضرته دول مثل قطر والسودان والجزائر. هناك من بين الأنظمة العربية الآن من ممكن أن يدفع باتجاه دعم المقاومة، أو “كف شر الأنظمة” عن المقاومة، وكلما أثبتت المقاومة نفسها من المحتمل أن يزداد عددها.
خامسا: نمو القوة الإيرانية، وتنامي عدد الدول العربية المنحازة لصالح المقاومة سيعزز موقف المقاومة الفلسطينية الخارجية. فصائل المقاومة الموجودة بالخارج ستحظى بمزيد من الرعاية المالية والدعم التدريبي والتسليحي، وهذا بحد ذاته يعمل باتجاه دعم المقاومة الفلسطينية الداخلية. وربما إذا أزفت الساعة ونشبت الحرب على الحدود الشمالية الافتراضية أن تشارك هذه الفصائل بقوة في مواجهة إسرائيل.
تفاعل عوامل الكبح والصعود
هناك تنافر بين عوامل الكبح والصعود، والعلاقة بينهما في الغالب علاقة إلغاء وليس مجرد علاقة تحييد. ليس من المتوقع أن تلغي عوامل أضدادها تماما في هذه المرحلة الراهنة، لكن التأثير المتبادل سيبقى قائما، إنما لمحصلة تصب في النهاية لصالح المقاومة. فيما يلي ما أرى:
أولا: إسرائيل لم تعد قادرة عسكريا واستخباريا على القيام بما كانت تقوم به في السابق. خاضت حربا عمياء ضد حزب الله، ولم يكن لديها المعلومات عن عدوها، وفشلت في تحقيق أي من أهدافها؛ وخاضت حربا ضد خاصرة صغيرة المساحة ووجدت نفسها أمام مأزق عسكري حقيقي، فتوقفت واكتفت بادعاءات عن انتصارات. كذلك الأمر بالنسبة لأمريكا التي وجدت نفسها متورطة في العراق وأفغانستان، وعاجزة عن القيام بأي عمل حاسم في مواجهة إيران. إذا كانت الدولتان لم تعودا على ذات الأهبّة القديمة، فهل ستكونان في ظل أوضاع يحسن فيها أعداؤهما من قدراتهم؟ هيبة أمريكا وإسرائيل تأثرت بصورة كبيرة، في حين أن هيبة المقاومة والقوى المساندة لها تتعزز.
ثانيا: صمدت المقاومة اللبنانية والفلسطينية في وجه حملات إسرائيلية ضخمة، وبتواطؤ عربي وداخلي لبناني وفلسطيني، فهل من الممكن أن تتراجعا تحت ذات الضغط مستقبلا؟ إذا كانت المقاومة قد صمدت تحت ضغط بمقدار معين، فإن هذا الضغط سيضعف نسبيا في حال ازدادت قوة المقاومة، وقناعتي أن المقاومة تزداد قوة على الرغم من استمرار الحصار المشدد. المقاومة الفلسطينية قد أمنت لنفسها نقطة ارتكاز حقيقية بعد الحرب، وهي الآن أكثر قدرة على المبادرة واستجماع القوى وتدبير أمور التسليح.
ثالثا: تأثرت شعبية السلطة الفلسطينية سلبا بسبب الحرب على غزة، واكتسبت المقاومة احتراما متزايدا سواء على المستوى الفلسطيني أو العربي أو العالمي.
رابعا: حركة الوعي العربي الإسلامي في تصاعد، وهي حركة مع التاريخ وليست ضد التاريخ، وهي تتغذى على اللاوعي، أو هزال الإرادة الذي أدى إلى الاتفاقيات مع إسرائيل.
آنية وضع المقاومة
بصورة عامة، لا نستطيع التحدث عن مقاومة فلسطينية نشطة في السنوات الأربع الماضية من حيث أن العمليات الفدائية ضد أهداف إسرائيلية قد انخفضت بشكل حاد، وارتفعت نسبة الشهداء الفلسطينيين إلى القتلى الإسرائيليين إلى حوالي 15 إلى 1 بعد أن وصلت إلى حوالي 3 إلى 1. تراجعت العمليات العسكرية في الضفة الغربية وانطلاقا من القطاع، ولم نعد نرى العمليات الاستشهادية التي أربكت إسرائيل. يعود هذا إلى عدة أسباب أهمها بناء الجدار واستشراس السلطة الفلسطينية في ملاحقة المقاومين.
لكن المقاومة تعمل بهدوء كبير في الآونة الأخيرة سواء من ناحية التنظيم والتدريب أو من ناحية التسليح. يبدو أن المقاومة الفلسطينية قد تعلمت دروسا هامة من حزب الله أخذ يتغذى على التراث العرفاتي في التنظيم المكشوف والتباهي بالسلاح، وهذا ما يفسر ارتفاع حدة الملاحقة الإسرائيلية للمقاومة عبر العديد من الإجراءات مثل ارتفاع أعداد الحواجز في الضفة وتشديد الحصار على القطاع وازدياد وتائر الاعتفال الإداري. وواضح أن إسرائيل تتصرف ليس وفق الوتيرة اليومية لأعمال المقاومة، وإنما وفق تقديرها لأساليب المقاومة في الإعداد والاستعداد والخطورة المستقبلية الكامنة.
تعزيز نقطة الارتكاز
حققت المقاومة الفلسطينية في حرب الكوانين إنجازا كبيرا في تثبيت نقطة ارتكاز على الأرض الفلسطينية على الرغم من ضخامة الهجمة العسكرية التي تعرضت إليها. من المتوقع أن تبذل المقاومة جهودا كبيرة لتعزيز هذه النقطة استعدادا لأعمال حربية مستقبلية من قبل إسرائيل، وهي بالتأكيد ستعمل على تطوير أساليبها ووسائلها في التهريب. لن تركز المقاومة الآن على الرد على العمليات التي تقوم بها إسرائيل إلا بالدرجة التي توصل رسالة مفادها بأن المقاومة موجودة، وستفضل التركيز على المزيد من الإعداد، وعلى امتصاص الضربات غير المباشرة التي تواجهها.
نقطة الارتكاز هذه تتعرض الآن لهجمة من نوعين: ا- هجمة تشديد الحصار من قبل مصر وأنظمة الإعوجاج العربي الأخرى؛ ب- هجمة المصالحات الفلسطينية والعربية. تريد الدول العربية كسر ظهر المقاومة من خلال تجريدها من عناصر قوتها بما في ذلك لقمة الخبز، وتأليب الشارع الغزي ضدها على اعتبار أنها هي سبب تجويع الناس وهلاكهم وقتل أطفالهم. وتريد امتصاص المواقف المناهضة لإسرائيل وتذليلها من خلال المصالحات الجارية الآن والتي لا أراها إلا آلية جديدة لتحقيق ما عجزت إسرائيل عن تحقيقه من خلال الحرب. والأمر واضح، إذا لم تستطع دماء الأطفال والنساء التي سُفكت في غزة أن تأتي بالعرب بمن فيهم فلسطينيين إلى الصف الفلسطيني لمواجهة إسرائيل، فهل سيأتي زمن أموال الإعمار بهذا الموقف؟
أعتقد أن المقاومة ستصمد في وجه معطيات هذه المرحلة، وإذا كانت قد صمدت قبل الحرب على غزة، فإنها ستصمد بعد أن أفشلت الهجمة الإسرائيلية.
المقاومة في الضفة الغربية
وضع المقاومة في الضفة الغربية صعب جدا، والسلطة الفلسطينية تقوم بجهود متواصلة تحت إمرة دايتون و CIA لملاحقة كل من يُشك في نواياه ضد الأمن الإسرائيلي. وعلى الرغم من أنني لا أملك معلومات، لكن تحليلي هو أن المقاومة الفلسطينية وبالذات حماس قد اتبعت أسلوبا جديدا في الضفة الغربية من ناحية التنظيم، واستطاعت أن تقيم خلايا سرية يمكن أن تفاجئ الجميع في وقت تراه حماس مناسبا. حرضت حرب الكوانين بنتائجها عناصر كثيرة في الضفة الغربية، ووضعت السلطة الفلسطينية تحت إصبع الاتهام المباشر، ولا أظن أن هذا لن يفرز ردود فعل جديدة سواء على المستوى الشعبي أو على مستوى العمل السري.
حمّى المصالحات العربية
يشعر أهل الغرب وإسرائيل وأنظمة الإعوجاج العربي الآن بالخطر الداهم بعد صمود المقاومة في غزة. فشلت إسرائيل في لبنان، وفي غزة، فهل ستنجح في أوقات قادمة؟ قوة المقاومة عبارة عن ضعف للأنظمة العربية مما سينعكس سلبا على إسرائيل ومستقبلها وعلى مجمل المصالح الغربية في المنطقة، ولا بد من تجربة مختلف الوسائل لكبح هذا التطور. ولهذا بدأ الناس يسمعون الكلام الناعم من بعض الدول الغربية تجاه حركة حماس وسوريا وإيران، وأخذ بعض القادة العرب يتوددون لسوريا، على الرغم من أن لهجاتهم كانت قاسية قبل الحرب وخلال الحرب.
هذا التودد لن يثني سوريا، ولن يغري إيران. زمن الضعف الذي كان ينال بسهولة من إرادة المناهضين لإسرائيل لم يعد قائما، ولم تعد إسرائيل القوة المخيفة التي ترتعد منها الفرائص. إيران وسوريا تشعران الآن بالقوة، وهما ستبقيان ضمن رؤية علمية لكيفية مواجهة مختلف التطورات التفاوضية والحربية في المنطقة، وستستمران في الإعداد والاستعداد. لكن هذا لن تكون نتيجته حرب وشيكة تشنها سوريا وإيران.
من المتوقع أن يستمر الدعم لحزب الله والمقاومة الفلسطينية، وأن تكون المواجهة العسكرية مستقبلا من البوابة اللبنانية. وأظن أن التركيز سيكون على استفزاز إسرائيل لكي تشن حربا، والتي يمكن أن تكون نقطة تحولات تاريخية واسعة في المنطقة العربية الإسلامية. سوريا ليست في وضع يشجعها على السماح بأعمال مقاومة عبر الجولان، لكنها تستطيع رفع مستوى كفاءة المقاومة الفلسطينية في الخارج لتكون عونا حقيقيا في أي حرب قادمة مع إسرائيل.
خلاصة
الوضع العربي المقاوم مختلف الآن، وهو وضع يقض مضاجع كل مناوئيه. المقاومة العربية فلتت من عقالها، وكذلك القوة الإيرانية، والتاريخ لن يعود إلى الوراء. قد تُصاب المقاومة بانتكاسات، لكن مؤشرات بناء القوة تتجه إلى أعلى بصورة عامة. إسرائيل قوية عسكريا وتزداد قوة، لكنها تزداد ضعفا على المستويين الداخلي والخارجي مما يؤثر سلبا على كفاءة القدرة العسكرية. المنطقة العربية الإسلامية دخلت في مرحلة جديدة من الثأر للذات، والقوى الصاعدة تتميز بعقيدة صلبة وإرادة حرة لا يمكن أن تتخلى عنها أمام الإغراءات والوعود البراقة. ولهذا سيكون المستقبل للمقاومة، وستضطر الدول الغربية في النهاية أن تتعامل مع واقع جديد.