الأرضية الأخلاقية للتقدم

الدكتور عبد الستار قاسم

ينشب جدل في كثير من الأحيان حول أخلاق العرب وأخلاق الغرب وعلاقتها بالتقدم. هناك من يقول إن الغرب بلا أخلاق والدليل على ذلك الإباحة الجنسية والتفكك الأسري، وإذا كان قد حقق إنجازات في المجالات المادية فذلك لأنه أخذ الكثير من المعايير الأخلاقية من المسلمين؛ منا نحن. فريق آخر يقول إن الأخلاق متأصلة عند أهل الغرب، وإن ما نعتبره نحن رذيلة ليس بالضرورة رذيلة لدى أهل الغرب، ويضيفون بأن أخلاقهم قادتهم إلى التفوق، وأخلاقنا نحن لم تفعل ذلك. هم تقدموا، ونحن ما زلنا نجر أذيال الهزيمة.

قد لا تكون أقوال وروايات التنوير المتبادل مفيدة في هذا المجال ذلك لأن الأمم تتفاعل تبادليا، وتتعلم من تجارب بعضها. لكل أمة نصيب في المساهمة في الحضارة العالمية، وتتذبذب قدرتها على العطاء انخفاضا وصعودا عبر الزمن. مثلما أفدنا العالم نحن في عصورنا الذهبية، هناك أمم أخرى قدمت للعالم في عصور نهوضها؛ ومثلما أخذ عنا أهل الغرب في الزمان الغابر، نحن نأخذ عنهم الآن.

تنهار جدلية المنحازين لرقي أخلاقنا في الوقت الحاضر أمام الحقيقة الموضوعية التي تواجهنا بقوة. نحن مهزومون أمام الغرب من النواحي العسكرية والعلمية والتقنية، ونحن لا نستطيع استغلال ثرواتنا بدون تقنية الغرب وخبرائه، ولا نستطيع توفير لقمة الخبز لأنفسنا إلا بالاستيراد من الغرب. حتى أن الكثير من مشاكلنا الداخلية لا تجد حلا لها إلا بتدخل أهل الغرب. الأمثلة التي تدحرنا نحو الصمت كثيرة. هذا لا يعني أن الغرب لا يعاني من مشاكل أخلاقية لها وقعها على الحياة، لكن المسألة لا تقاس فقط بما يعجبني وبما لا يعجبني، وإنما بالمسيرة الكلية لحركة التقدم المادي والمعنوي.

ي مختلف الميادين.

يتطلب التقدم قيما أخلاقية تتناسب مع الطموح. إنه يتطلب النشاط والحيوية والعمل الجماعي والتعاون المتبادل والحرص على الوقت والوفاء بالعهد والوعد والالتزام بالأمانة والدفاع عن الحقوق والقيام بالواجب وإقامة العدل، الخ. إنه لا يتحقق أبدا مع وجود قيم متدنية مثل الكذب والكسل والخيانة والنميمة وإهدار الوقت والاعتماد على الآخرين والرهبنة والكهنوتية. تحقق الأمم تقدما إذا قررت الاعتماد على سواعد أبنائها وتعزيز قيم العطاء، أما الأمم التي تختار الاعتماد على الآخرين والبقاء على فراش الاسترخاء والشهوة فتبقى مستغرقة في التخلف والذل والهزائم.

الأمر يمكن قياسه على شخص يريد تحقيق شأن علمي. إذا لم يتسلح هذا الشخص بالسهر والمثابرة ومتابعة القراءات فإنه بالتأكيد لن ينجز ما يصبو إليه. كسله يقضي على طموحه ويحوله إلى مجرد تمنيات. المعنى أن الإنجاز العلمي يتطلب أرضية أخلاقية واضحة المعالم، وهي سابقة على تنفيذ المشروع. عليه يمكن مثلا تفسير فشل الغالبية الساحقة من مشاريع وخطط التنمية الاقتصادية العربية. خطط كثيرة فشلت بسبب عدم الانسجام بين التطلعات المبنية داخلها وبين أخلاقيات الناس الذين من المفروض أن يقوموا على تنفيذها. تمت سرقة أموال كثيرة، وتوظيف أناس غير مهرة يخربون أحيانا ولا يعمرون، وهدر الوقت في نشاطات بعيدة عن مصلحة الخطة أو المشروع، الخ. وعليه أيضا يمكن تفسير الهزائم العسكرية العربية على الرغم من أن العرب لم تنقصهم المعدات والأعداد. هذا صحيح أيضا بالنسبة لمؤسساتنا العلمية المنتشرة بكثافة على طول الوطن العربي وعرضه. إسرائيل، وهي عبارة عن دويلة صغيرة، تنتج علميا أكثر بكثير مما تنتج البلدان العربية مجتمعة؛ علما أن ما ينتجه العلماء الصهاينة يتميز بنوعية عالمية ويتم تداوله على المستوى العالمي، وما ننتجه تحن يبقى في الغالب ضمن الدوائر المحلية.

مسيرة التقدم تتطلب أولا وقبل كل شيء الرقي الأخلاقي بما يعنيه من أخلاق منسجمة مع التطلعات والتزام بها ومحاسبة عليها. ركزنا في الكثير من جامعاتنا على كليات العلوم والهندسة والصيدلة على أمل أن نلحق بالتقدم العلمي في مجال العلوم الطبيعية، وأهملنا إلى حد كبير كليات الآداب والعلوم السياسية والتربية والشريعة. بالرغم من ذلك لم نلحق بالدول التي تكتشف وتخترع. كان من الأولى دعم الكليات الأدبية لأنها هي التي تحدث التغيير الأخلاقي المطلوب إذا شئنا لتعليمنا أن يكون أخلاقيا، ولأنها هي التي تمهد الأرضية الخصبة لنجاح جهودنا في مجال العلوم الطبيعية. لكن هل حكوماتنا تريد لتعليمنا أن يكون أخلاقيا؟ أين سيذهبون إن هم أرادوا ذلك؟

اقرأ بلغة English