ليل الاقتتال ليس قصيرا
الدكتور عبد الستار قاسم
لا أحاول بهذا العنوان أن أكون منفرا وإنما محذرا. لقد حذرت مرارا وتكرارا منذ مؤتمر مدريد عام 1991 من الاقتتال، وقلت بأن الاقتتال الفلسطيني لا مفر منه وهو سيحصل. كثيرون لم يستمعوا، وبعضهم وجد في التحذير تندرا وقابله بالاستهزاء. لكن الاقتتال سرعان ما حصل بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وسرعان ما رأينا الأجهزة الأمنية تعتقل الفلسطينيين وتزج بعم بالسجون بناء على متطلبات إسرائيل. تم تنبيه الفصائل المختلفة حول هذا الموضوع والأمور المتوقعة، لكنها حقيقة انهمكت في التودد للسلطة، وبعضها كان يزور عرفات بحثا عن دعم مالي وعن وظائف. الحقيقة الموضوعية أمام مختلف الفصائل الآن التي ما زالت تجدف بعيدا عن المعالجة العلمية للوضع الفلسطيني، ظنا منها أن إعلانات وقف الاقتتال ستعيد الساحة الفلسطينية إلى السنين الخالية.
كلما ظن المراقبون أن الاقتتال في غزة قد ولّى إلى غير رجعة تفاجئهم الأحداث ويتبينون بأن حساباتهم كانت غير دقيقة. تهدأ غزة حينا وترتاح قليلا، ثم تندلع الاشتباكات بين فصيلي فتح وحماس. يخرج علينا قادة الفصيلين في وسائل الإعلام بتصريحات حول اتفاق بسحب المسلحين من الشوارع، وما ينهون مؤتمرهم أو تصريحاتهم حتى ينطلق الرصاص من جديد.
أين العلة؟ هل الشعب الفلسطيني على هذا القدر من الاستهتار بقدسية قضيته وبدماء أبنائه؟ الأسباب موجودة، كما أن الاستهتار بمصير الشعب وبتضحيات الناس ودموعهم وآلامهم قائم أيضا. فيما يلي الأسباب التي تؤدي إلى الاقتتال:
هناك أسباب واضحة وجلية تؤدي إلى هذا الاقتتال، ولو لم يكن بين فتح وحماس، لكان بين فتح وفصائل أخرى. يمكن إجمال الأسباب بالتالي:
أولا: اتفاقية أوسلو واتفاقية طابا التي تشكل شرحا لأوسلو تؤسسان لاقتتال فلسطيني. الاقتتال الفلسطيني مبني في الاتفاقيات مع إسرائيل لأنه يضع الفلسطيني ضد الفلسطيني، بل من شروط نجاح هذه الاتفاقيات هو مواجهة الفلسطيني للفلسطيني. تقول اتفاقية أوسلو بأن تنسيقا أمنيا بهدف محاربة الإرهاب سيتم بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، أما اتفاقية طابا فتلزم الجانب الفلسطيني بملاحقة الإرهاب والإرهابيين، وتلزمه أيضا بعدم مساءلة العملاء والمتعاونين مع إسرائيل. بناء على ذلك، قامت السلطة الفلسطينية في تسعينات القرن الماضي باعتقال متهمين بالانتماء لفصائل مقاومة فلسطينية، وكنت أنا كاتب هذا المقال من الذين تعرضوا للاعتقال المتكرر.
هذا وحده يكفي لصناعة التوتر الشديد بين الفلسطينيين، وإلى الكراهية والبغضاء بين الناس، وخلق حالة من الثأر. (لو) لم تتصرف حماس والجهاد الإسلامي بحكمة في حينه وفضلتا الصبر على ممارسات السلطة لاندلعت مواجهات دموية منذ فترة طويلة. لا يمكن لاتفاقية أوسلو وما بني عليها من اتفاقيات أن تجد طريقا نحو التطبيق إلا إذا قامت السلطة الفلسطينية بهذا الجانب الأمني. يضع هذا الاتفاق الأمن الإسرائيلي فوق الأمن الفلسطيني، بل يستهتر بالأمن الفلسطيني لحساب الأمن الإسرائيلي.
ثانيا: الأجهزة الأمنية الفلسطينية منبثقة عن الاتفاقيات مع إسرائيل، وهي مسؤولة عن ملاحقة الإرهاب والإرهابيين، أي المقاومة الفلسطينية والمقاومين. وقد سبق للأجهزة الأمنية أن أعلنت عن إحباط عمليات استشهادية، وتفكيك معامل لصناعة المتفجرات، وسبق لها أن سلمت مجاهدين لإسرائيل ونقلت كما هائلا من المعلومات لأجهزة الأمن الإسرائيلية. ولهذا كانت القيادة الفلسطينية حريصة على تنصيب أشخاص لديهم إرادة تطبيق الاتفاقيات على رأس هذه الأجهزة. لم يكن من المتوقع أن تعين القيادة الفلسطينية في قيادة الأجهزة الأمنية أناسا يلتزمون بالمقاومة، ولم يكن لإسرائيل أن توافق إلا على تعيين من تراهم مناسبين للحرص على أمنها. ولهذا فإن الأجهزة الأمنية ليست موجودة حقيقة للدفاع عن الأمن الفلسطيني وإنما عن الأمن الإسرائيلي.
كل فصيل يعرف المصلحة الوطنية بالطريقة التي يراها متناسبة تماما مع رؤيته ومصالحه الخاصة. وقد لاحظت بأن الفصائليين يبنون في داخلهم كراهية متبادلة قد تكون أحيانا أشد من كراهيتهم للاحتلال الصهيوني.
رابعا: فتحت السلطة الفلسطينية منذ عام 1994 الباب تماما أمام المخابرات الصهيونية لترسل الأسلحة والذخائر إلى سوق الضفة الغربية وغزة، إلى أن وصل الحد إلى بيع الأسلحة على بسطات الباعة في الأماكن العامة. وقد سارع الجهال والأشقياء (الزعران) في الساحة الفلسطينية إلى شراء هذه الأسلحة، وكان من الواضح أن الشعب الفلسطيني مقبل على مأساة حقيقية تتعلق بالسلم الأهلي. أطلق العديد من الناس الصرخات من أجل أن يقوم عرفات بوقف هذا الأمر ولكن بدون جدوى. وقد حصل مرارا أن أطلق هؤلاء الزعران النار على الناس وقتلوا وجرحوا، ولم يتعرضوا لعقاب من قبل السلطة الفلسطينية، ومنهم من حصل على ترقية أو حظوة.
خامسا: لا يمكن لرئيس السلطة الفلسطينية المؤيد لاتفاق أوسلو أن يتعاون أمنيا مع أي وزير داخلية فلسطيني يريد إقامة سلم أمني بمعزل عن اتفاق أوسلو. إذا كان سيفعل فإن عليه أولا إقالة قادة الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وفتح المجال أمام قادة جدد يؤمنون بضرورة تصحيح الأوضاع الأمنية الفلسطينية. في هذه الفترة بالتحديد، رئيس السلطة الفلسطينية لا يستطيع إقالة أي قائد أمني لأن جميع قادة الأجهزة الأمنية أكثر قوة ونفوذا منها، وهو يعلم أنه يغامر بنفسه إذا كان سيقدم على مثل هذه الخطوة.
سادسا: إسرائيل وأمريكا تحرضان على الاقتتال الفلسطيني، ونحن نعلم أن أمريكا تمد أطرافا فلسطينية بالمال والسلاح، ولم تخف إسرائيل الأمر إذ قالت مرارا بأنها تسلم عباس وبعض الفلسطينيين أسلحة جديدة.
سابعا: أخطأت حماس عندما قامت بتشكيل الحكومة التي كان من الصواب تسليمها للمستقلين، وأخطأت عندما أنشأت القوة التنفيذية. أعداء فلسطين المتعاونين مع الاحتلال والذين يتلقون أموالا من أمريكا كانوا مبتهجين بما قامت به حماس لأنهم رأوا في ذلك منفذا لتخريب الساحة الفلسطينية تماما من خلال الاقتتال. تم الحديث مع حماس بهذا الشأن، وطُرحت عليها الآراء والأفكار، لكنها لم تسمع. لقد قيل لها بأن الشارع لن يميز بين الجواسيس وغير الجواسيس عندما يحصل الاقتتال، لكن الحكمة كانت غائبة.
حتى يكون بالإمكان وقف الاقتتال الفلسطيني فإنه لا مفر من القضاء على الأسباب. العلاج التلفزيوني أو البروتوكولي لا قيمة له، وتجربتنا مع اتفاق مكة الذي عالج مسألة إطلاق النار وترك أرضية اللهيب بدون بحث واضحة وباءت بالفشل. المعنى أن المشوار طويل، ولا تشير الأوضاع إلى أن قادة الفصائل يملكون الاتزان المطلوب لتحقيق الهدوء والتعاون.
التخلص من الأزمة الأمنية الفلسطينية
بروفيسور عبد الستار قاسم
كنت أتمنى أن تخيب توقعاتي حول تفاقم الانفلات الأمني في الشارع الفلسطيني، وحول الصراع الدموي بين فتح وحماس، لكن المعطيات الموضوعية أكبر بكثير من التمنيات. لقد تقدمت باقتراحات ومشاريع أمنية كثيرة عبر الزمن، لكنني لم أجد أذنا صاغية حتى من جمهور الناس الذين يطلبون حلا كلما بثوا همومهم الأمنية. أجدد هنا اقتراحي لإحلال الأمن الداخلي الفلسطيني، وألخصه بالتالي:
يجب اعتبار كل سلاح علني سلاحا خائنا. سلاح المقاومة لا يكون علنيا؛
السلاح المرخص إسرائيليا ليس سلاحا وطنيا ويجب التخلص منه بطريقة أو بأخرى،
حل الأجهزة الأمنية الفلسطينية عدا جهاز الشرطة، وحل القوة التنفيذية التي أقامتها الحكومة الفلسطينية الحالية؛
البحث عن أعمال لأعضاء الأجهزة الأمنية المحلولة مع الإبقاء على رواتبهم الحالية؛
إقالة قادة جهاز الشرطة الأساسيين على مستوى الضفة والقطاع وعلى مستوى المحافظات، وتعيين قادة مستقلين لا علاقة لهم بالفصائل الفلسطينية؛
تكون الشرطة مسؤولة عن الأمن المدني (الداخلي) في الضفة والقطاع؛
لا يحق لأي شخص أو جهة أن تشكل حراسة خاصة حتى لو كان على مستوى الحرس الشخصي.
تتعاون الفصائل مع الشرطة لضبط عناصرها وإعادتها إلى ممارسة النشاطات التي تعهدت بممارستها نحو التحرير؛
يكون الأمن الوطني من صلاحية فصائل المقاومة، وتقوم هذه الفصائل بالترتيب فيما بينها لإقامة غرفة عمليات مشتركة سرية منفصلة تماما عن المستوى السياسي.
يصار إلى وضع ميثاق فلسطيني يجمع عليه الفلسطينيون في كافة أماكن تواجدهم ليكون البوصلة التي يهتدي بها الجميع ويُحاسب وفقها الجميع.