تطبيع الأكاديميين

الدكتور عبد الستار قاسم

أثارت القائمة التي نُشرت في الأردن بأسماء المشاركين في اجتماعات تطوير البحر الميت حفيظة بعض إدارات جامعات وأكاديميين بخاصة من الفلسطينيين. وقد دافعت بعض الإدارات بأن حضور هكذا اجتماعات بمشاركة إسرائيليين ليس تطبيعا، وأن المشاركة تمنح الفلسطينيين فرصة الدفاع عن حقوقهم وطرح قضاياهم السيادية.

أثير موضوع التطبيع مع الصهاينة كثيرا في المؤتمرات والمقالات والمواقف المعلنة للأحزاب والفصائل، وقد أشبع نقاشا واعتبره الملتزمون بالقضايا الفلسطينية عملا غير جائز ويجب الامتناع عنه. لكن من أجل التوضيح، أسوق باختصار التالي:

تعريف التطبيع

تأتي كلمة التطبيع المستعملة حاليا ضمن بعد سياسي_اجتماعي مترجمة عن الكلمة الإنجليزيةNormalization والتي إن توخينا دقة أكبر تعني الاعتياد. وهي باختصار تعني تحويل السلوك الطارئ سواء كان ذهنيا أو نفسيا أو اجتماعيا إلى عادة بحيث يظهر وكأنه جزء لا يتجزأ من الحياة الاعتيادية العامة والخاصة للإنسان. وبهذا المعنى يمكن قبول كلمة تطبيع على اعتبار تحويل السلوك الطارئ أو الجديد إلى ما يشبه الطبيعي فيصبح جزءا لا يتجزأ من حياة الإنسان. السلوك غير الطبيعي لا يمكن أن يصبح طبيعيا لكنه يمكن أن يصبح اعتياديا وكأنه لا ينفصل عما هو طبيعي. أي في العلاقة مع الصهاينة يعني التطبيع إقامة علاقات تجنح نحو الطبيعي الذي يسود علاقة الناس بحيث تصبح اعتيادية في القبول والتعامل المتبادلين.

أما في التراث العربي، خاصة في تراث أهل الشام، ترد كلمة تطبيع بمعنى الترويض بحيث يصبح السلوك الطارئ أو الجديد مقبولا لدى السيد أو صاحب اليد الطولى. لكن الافتراض بأن التطبيع عبارة عن وصف لعلاقة سيد بمسود يبقى قائما والتي من خلالها يطوع المسود نفسه (أو يجبر على تطويع نفسه) للسيد ليتحول إلى أداة تخدم مصالح الآخرين. وغالبا ما يتم استعمال وسائل الترغيب والترهيب من أجل استقامة العلاقة بالطريقة التي يراها الأقوى مناسبة.

إذا تفاعل المعنى الأول مع الثاني نعرف التطبيع على أنه علاقة اعتيادية أو جانحة نحو الطبيعي بين طرفين متفاوتي القوى بحيث يذلل الأضعف لخدمة مصالح الأقوى.

التطبيع لمصلحة الصهاينة

التسليم بوجود إسرائيل يكفيها هاجس الزوال ويصب ضمن منطق دفاع الغير عن وجودها واستمرارها ويضمن لها الاطمئنان بأن العرب لن يحشدوا التاريخ القديم لصياغة سلوكهم الحالي، ويتحول الماضي إلى مجرد ذكريات لا سبيل لها للتدخل في الحاضر أو المستقبل.

التليين النفسي

كثيرون هم الذين يقولون أنهم في لقاءاتهم مع الصهاينة سواء من خلال مؤسسات دولية أو غير ذلك يجهدون في التأكيد على الحقوق الفلسطينية، وأن وجودهم في هكذا نشاطات يخدم المصلحة الفلسطينية. هنا أنوه أن تهمة الخيانة ليست جاهزة، ولا يوجد من يقول أن كل الذين يقبلون إلى الإسرائيليين يستهترون بالحقوق الفلسطينية. على العكس، هناك ثقة بأن أغلب الفلسطينيين يحاولون التصدي للإسرائيليين وفضح ممارسات الاحتلال. لكن المسألة حقيقة بعيدة عن هذا لأن التطبيع يتعلق بتليين النفسية العربية تدريجيا لكي تقبل الصهاينة ولتعتبر إسرائيل جزءا لا يتجزأ من المنطقة.

للتوضيح، أذكر إصرار أمريكا على ضرورة إجراء وزير خارجية سوريا لقاء مع التلفزيون الإسرائيلي وذلك لكي تبرهن سوريا بأنها جادة في طريق السلام مع إسرائيل. رضخت سوريا للطلب وهي تعلم أن الهدف هو التطبيع الإعلامي وليس اقتناص تنازل سياسي. التطبيع يأتي في النهاية بالتنازل. ردد وزير الخارجية مواقف سوريا على الشاشة الصهيونية دون تنازل، لكنه كان على وعي أن التنازل يكمن في إجراء المقابلة التي لها أثر نفسي كبير على السوريين والعرب أجمعين. وبالمناسبة التطبيع الإعلامي في فلسطين واسع الانتشار.

هناك علم بما يفعله شباننا وشاباتنا عندما يخرجون في رحلات تطبيعية برعاية أجنبية. إنهم يشتبكون مع الصهاينة، لكن هذه هي الخطوة الأولى نحو الترويض. نشتبك اليوم بالأيدي وغدا بالكلام … وبعد غد بالحسنى. التليين النفسي متدرج ولا يتم فجأة. هذا ينطبق أيضا على النشاطات العلمية. ولهذا تم إنشاء قوة ضغط بقيادة إحدى العاملات في جامعة بير زيت للوقوف بوجه التطبيع العلمي، وينتمي إليها الآن أكثر من 500 أكاديمي فلسطيني من كل أنحاء العالم.

هناك فرق بين التطبيع العلمي والاستفادة العلمية من الآخرين من بينهم العدو. من واجبنا البحث عن الحقيقة العلمية في مختلف مناحي الحياة حتى لو كان العدو مصدرها، أما تلك النشاطات العلمية التي تجمعني معه في المطعم والردهة وغير ذلك فلا يتم تصنيفها ضمن البحث عن الحقيقة وإنما ضمن تطويع الشعب الفلسطيني.

السيادة:

لا يوجد في علم السياسة شيء اسمه سيادة نظرية. هناك سيادة متحققة وهي نسبية وليست مطلقة. لا يوجد سيادة مطلقة لأي دولة. لكن كيف أدافع عن حقوق سيادية في مؤتمر للبحر الميت الذي لا أتمكن أنا الفلسطيني الجلوس على شاطئه. علي أولا أن أحقق السيادة، ثم أستطيع أن أقول أنني أدافع عنها. أي أن الأمر يتطلب مني طريقا آخر وهو طريق تحقيق السيادة وليس حضور مؤتمرات مع الإسرائيليين لتأكيد سيادة غير موجودة. أما إذا حرص الأوروبيون والأمم المتحدة على سيادة فلسطينية على جزء من البحر الميت، فالطريق ليس طريق التطبيع.

ولهذا يبقى الحديث عن الدفاع عن السيادة عبارة عن فذلكة سياسية لتبرير سلوك سياسي، وهو لا ينسجم أبدا مع أي طرح علمي أو منطقي. (ولو) كنت مكان مسؤول في جامعة لما أشرت إلى هذا الموضوع بهذا الشكل حتى لا أضع نفسي في وضع علمي محرج.

اقرأ بلغة English