عودة اللاجئين أولا
الدكتور عبد الستار قاسم
24/5/2011
يتغطرس نتنياهو بتصريحاته حول يهودية الدولة، وحول أمن كيانه الصهيوني، ويتكلم بنبرة قوية ضد الذين يحملون كيانه مسؤولية الأوضاع في المنطقة العربية-الإسلامية؛ وفي المقابل تجد قادة عرب وفلسطينيين يتلتوهون (يعجن الكلام في فمه دون أن يدري ماذا يريد) ويتلعثمون ويتذمرون من عدم رغبة نتنياهو في تحقيق السلام. قادة عرب وفلسطينيون أعجز وأجبن وأدنى وطنية من أن يعبروا بوضوح وصراحة عن الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني والأمة العربية، والتي هي غير قابلة للتفاوض أو المساومة أو الأخذ والرد أو التساؤل أو التأجيل.
أساس المشلكة هو أن شعب فلسطين قد طُرد من وطنه. تم طرد الناس عنوة من بيوتهم وممتلكاتهم، وهم يعيشون على مدى سنوات طويلة خارج وطنهم تحت ظروف معيشية واجتماعية واقتصادية ونفسية قاسية جدا. العلة هي أن هناك شعبا مشردا ويريد العودة إلى وطنه.
يتحدث السيد محمود عباس أحيانا عن حق العودة فيقول إنه مع حل قضية اللاجئين حلا عادلا وفق القرار 194. أي أنه يريد أن يجمع بين قرار غير حازم وغير ملزم وهو قرار 194، وقرار متأخر عنه وغامض تماما وهو 242. الذي يريد حق العودة يجب أن يقول إنه يريد حق العودة، وما لم تتحقق عودة اللاجئين الفلسطينيين فإن المنطقة لن تشهد إلا موقفا فلسطينيا ينتزع الحق انتزاعا.
المفروض وفق الأعراف الدولية، وفق سيرة التاريخ أن تكون مسيرة التفاوض بين متحاربين مسبوقة بأمرين: تبادل الأسرى، وعودة اللاجئين إلى بيوتهم. لا يجوز إطلاقا أن يفاوض شخص طرفا يحاربه بدون تحقيق هذين الأمرين أولا، وإلا فإن انتماءه الوطني يصبح محط تساؤل وطعن. القيادات الفلسطينية ذهبت إلى طاولة المفاوضات دون أن تحقق ايا من هذين الأمرين.
وعليه، لا بد من العودة إلى الجذور. نحن ببساطة شعب مشرد، أو مطرود من وطنه، ونريد العودة، وإذا لم يتيسر ذلك، فإننا سنصنع كل ما بوسعنا من أجل أن نعود. نحن لسنا مطالبين بمبادرات سياسية، ولا بمفاوضات، ولا بتنازل. نحن تم الاعتداء علينا من قبل بريطانيا والصهاينة وأطراف عربية ودولية عدة، وكل ما نعرفه أن العودة حق تعلو فوق رقاب الجميع.
مشكلتنا ليست الدولة، وإنما مشكلتنا هي العودة. عندما نعود، ونكون قد أنجزنا حق تقرير المصير نستطيع أن نقرر بأنفسنا فيما إذا كنا نريد إقامة دولة أو امبراطورية أو الانضمام الوحدوي مع دولة عربية. الدولة التي يتحدثون عنها الآن ليست إلا مجرد كيان هزيل يعمل وكيلا أمنيا للكيان الصهيوني ويقوم عليه من هم أحرص على مصالح الصهاينة من مصالح الفلسطينيين. ومن ينسق أمنيا مع إسرائيل، ويتحدث عن دولة من خلال الرؤية الأمريكية لا يمكن أن يكون وفيا إلا لمصالح غير الفلسطينيين.
قضية فلسطين أمانة في أعناقنا، ويجب أن نقف بقوة في مواجهة كل محاولات التصفية. هذه مسؤولية كل فلسطيني وفلسطينية، وهي مسؤولية مخيمات اللجوء والشتات. نحن ننتظر ثورة اللاجئين الفلسطينيين التي بدأت يوم 15/أيار/2011 لتكمل مشوارها حتى يكتمل عشق الأرض لعشاقها.
يجب ألا نستمع لزمجرة نتنياهو، ولا إلى تخاذل القادة، ولا إلى حرب التأييس التي يخوضها العملاء، فإسرائيل أضعف وأوهن مما نتصور.
المشكلة سياسية وليس قانونية
واضح من النصوص الدولية الخاصة باللاجئين أن عدم تطبيق حق العودة للاجئين الفلسطينين يعود لأسباب سياسية وليس قانونية. من الناحية القانونية، هناك تأييد لحق عودة اللاجئين الفلسطينيين على المستويات التالية:
تنص اتفاقيات جنيف الخاصة بحقوق الإنسان على حق اللاجئين في العودة إلى بيوتهم وممتلكاتهم، ويطالب كل الأطراف التي تؤدي إلى لجوء الناس إلى تسهيل عودة اللاجئينن ولتخاذ مختلف افجراءات الخاصة بذلكز
قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 إسرائيل بضرورة السماح للاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم في أسرع وقت ممكن.
أقامت الجمعية العامة للأمم المتحدة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين للعمل مؤقتا لغاية عودة اللاجئين الفلسطينين، ولم يقصد منها الاستمرارية في عملها.
نص قرار الجمعية العامة الصادر عام 1974 على حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وهذا يشمل حقهم في العودة غلى بيوتهم وممتلكاتهم في الأرض المغتصبة عام 1948.
حق اللاجئ في العودة إلى بيته وممتلكاته مكفول منطقيا وإنسانيا وأخلاقيا ودينيا. هذا علما أن الفلسفة الرأسمالية الغربية التي تؤيد إسرائيل تعتبر الملكية حق طبيعي للشخص، ويجب صياغة القوانين اللازمة للمحافظة عليه.
بالرغم من النصوص الدولية المؤيدة لجق العودة، لم يعد اللاجئون الفلسطينيون، والسبب سياسي يتعلق بمسألة القوة وتوازن القوى في المنطقة. ويمكن تلخيص هذا في البنود التالية:
إسرائيل لا تريد السماح للفلسطينيين بالعودة، وتعتبر عودتهم خطرا حقيقيا على بقاء إسرائيل. إسرائيل تشعر بضيق بسبب تواجد عرب في الأرض الفلسطينية التي اغتصبتها، وتخشى زيادة أعدادهم، وليست على استعداد لفتح الباب أمام ملايين الفلسطينيين للعودة غلى ديارهم.
إسرائيل تريد دولة يهودية خاصة لا يشاركها فيها أحد. حاولت الحركة الصهيونية أن تحصل على اعتراف من عصبة الأمم لإقامة وطن قومي على مساحة تعادل حوالي 100,000 كم من أرض الشام (جنوب غرب سوريا الكبرى)، والآن تطلب بأن تكون فلسطيني الانتدابية (القائمة حاليا) دولة يهودية.
تتمتع بإسرائيل بنفوذ كبير في البلدان الغربية التي دعمت وجودها عبر الزمن وزودتها بالأسلحة والمال، وتستطيع أن تؤثر على قررارات هذه الدول لكي تبحث عن حل لقضية اللاجئين الفلسطينيين في أرض غير أرض فلسطين.
الدول الغربية المؤيدة لإسرائيل لا تريد عودة اللاجئين الفلسطينيين، وطالما سعت لتوطين الفلسطينيين في البلدان العربية. حاولت الولايات المتحدة، مثلا، تجميع الفلسطينيين اللاجئين في شمال شرق سوريا الصغرى، في منطقة الجزيرة ولم تستطتع. وحاولت توطينهم غرب نهور الفرات وفشلت ايضا.
التآمر الغربي ضد اللاجئين الفلسطينيين واضح في قرار مجلس الأمن 242 الذي نص على عودة اللاجئين حلا عادلا دون أن يقول اللاجئين الفلسطينيين. ولهذا قالت إسرائيل في تعليقها على القرار إن هناك لاجئين يهود في البلدان العربية، والحل أن يعودوا إلى ما تسميه وطنهم إسرائيل.
يتحدث العالم الغربي دائما عن حقوق اللاجئين بالعودة إلى ديارهم إلا من حق الفلسطينيين إذ لا نسمع دولة غربية واحدة تنادي به.
البلدان العربية لا تصر على حق العودة، ولم تعد تنطق به.
ترك الفلسطينيون قضية اللاجئين لمفاوضات الوضع الدائم عندما وقعوا اتفاق أوسلو.
من هذا، نستنتج أن قضية اللاجئين الفلسطينيين ضحية ميزان القوى العسكري المائل بصورة حادة لصالح إسرائيل ومن يؤيدونها. ويبدو أن حقوق اللاجئين يمكن أن تخضع لمعايير العدالة إذا مال ميزان القوى لصالح الفلسطينيين ومن يؤيدهم. وإلا فإن الحديث عن العودة بدون قوة حقيقية مادية تسنده يبقى نظريا لا يرى طريه إلى التطبيق.