إضراب المضربين
الدكتور عبد الستار قاسم
أعلنت فصائل منظمة التحرير الفلسطينية عن تنفيذ إضراب في الضفة الغربية وقطاع غزة يوم الأحد الموافق 9/أيلول/2007 احتجاجا على سيطرة حماس على قطاع غزة، أو احتجاجا على ما يسمونه الانقلاب الدموي وعلى الانقلابيين.
كمواطن فلسطيني، أريد أن أعرف عن ماذا ستضرب هذه الفصائل. هل ستضرب هذه الفصائل التي لا يكاد بعضها يملأ بكل أعضائه سيارة أجرة عن العمل؟ عن أي عمل سيضربون؟ وهل أبقت هذا الفصائل للشعب عملا يعمله. إذا كان معدل عمل موظف السلطة الفلسطينية هو 14 دقيقة يوميا، فعن أي عمل سيضربون؟ لو لم يكن هناك أجهزة تربية وتعليم وصحة وشؤون اجتماعية لكان معدل العمل اليومي في السلطة دقيقتين (2 دقيقة فقط). فعلى من يريد تنفيذ إضراب أن يعمل أولا لكي يكون لإضرابه معنى.
لو كنتم يا حضرات السادة الفصائل معنيين بمصلحة الوطن لنفذتم اعتصامات واحتجاجات منذ زمن بعيد احتجاجا على التنطع وعلى صرف أموال لأناس لا يستحقون. لقد أزحتم أنظاركم عن الحقائق، وتركتم الشعب الفلسطيني يغرق ويغرق حفاظا على مصالحكم. أنتم تحصلون على أموال من السلطة الفلسطينية في رام الله والتي تشجعكم على الإضراب، وهي التي تدفع أجرة مكاتبكم وتعطيكم السيارات التي هي على حساب شعب فلسطين.
تريد الفصائل الفلسطينية الآن أن تبيع شعب فلسطين وطنية، وتريد أن تقول إنها حريصة على وحدة الوطن. منذ متى أنتم أيها السادة الفصائل بهذه الغيرة؟ وقعت البلاد في وحل الفساد الداخلي، وتحول عدد من الفلسطينيين للعمل الأمني مع الإسرائيليين، وقاموا باعتقال فلسطينيين من بينهم أحمد سعدات، ونخرت الوساطات والمحسوبيات الأوصال، وتم التنازل عن الكثير من الحقوق الفلسطينية، وأنتم تطلقون البيانات النارية نهارا، وتلوذون إلى رب نعمتكم ليلا تطلبون الوظائف والأموال والمتع. هل تعلمون أن هناك قضاء معطلا ولا يجد المواطن أمامه حلولا قضائية لمشاكله؟ هل علمتم بالفلتان الأمني والاعتداء على الموطنين وعلى ممتلكاتهم؟ هل علمتم بقمع الآراء واستبداد وسائل الإعلام؟ هل تذكرتم الآن أن هناك فلسطين وهناك شعب فلسطين؟ يكفي مزايدات، لم نعد نهضمكم، ولم نعد نثق بأي منكم. أنتم تستعملون فلسطين لأهوائكم ومصالحكم القبلية بشعارات وطنية ممجوجة لم تعد تقنع أطفالا.
قف السلبي الذي أساء في النهاية لقوى التغيير التي كانت تدفع باتجاه إيقاف الفساد. أردتم الهروب من مسؤولياتكم والاختفاء تحت كذبة سوريا وإيران، وهادنتم الفساد وسرتم في ركبه حتى وصلت البلاد إلى الحالة التي أوصلتمونا إليها. قيل لكم إن البلاد تسير إلى الهاوية، لكنكم فضلتم التمترس وراء مصالحكم في الوقت الذي تلعنون فيه أوسلو. ولا بد أنكم تذكرون كيف تتحدثون بمجالسكم الخاصة حول قيادة السلطة وسياساتها، وكيف تتعاملون عمليا مع السلطة. أنتم تكذبون وتنافقون وتتسترون وتمالئون وتزايدون.
أسألكم بالله لماذا لم تعلنوا الإضراب عندما كان مئات الفلسطينيين من الجهاد الإسلامي وحماس داخل سجون السلطة؟ لماذا الإضراب الآن على الرغم من أن الجرائم بحق الفلسطينيين تُقترف ليل نهار في الضفة الغربية وغزة على حد سواء. صحيح أن ضرب الفلسطيني في غزة يتم أمام عدسات التصوير، لكن الضرب في الضفة الغربية يتم بطريقة سرية ومكثفة وبعيدة عن العدسات.
التوازن في التعامل ضروري، والتحيز يودي إلى الهاوية. نحن جميعا لم نعمل بالطريقة الصحيحة وآثرنا حياة الكذب والدجل والنفاق من أجل مصالحنا. لقد أعمتنا الأموال القادمة من الخارج، وأغرتنا المناصب الكاذبة الخاوية، ونحن الآن نستحق ما نحن فيه لأنه من صنع أيدينا. الحصاد من جنس البذار يا حضرات الفصائل.
ما رأيكم إذا كان يستهويكم الإضراب عن الدقيقتين أن تضربوا على سياسة الاعتماد على الأعداء في الحصول على لقمة الخبز؟ ألا ترون أن سياسة الاعتماد على أمريكا في صحن الطعام تشكل خطيرا كبيرا وهائلا على القضية الفلسطينية أكبر ثقلا وأشد هولا مما قامت به حماس في غزة؟ دعونا نضرب الآن بخصوص الأخطر، لنضرب مستقبلا بخصوص الأقل خطورة. أو، ما رأيكم أن نبحث في وسائل لتدعيم الإنتاج الفلسطيني والنشاط والعمل لنصبح قادرين على الاعتماد على أنفسنا بدل أن نضحي بالدقيقتين اللتين لا تستغلان بدقة؟
نحن بحاجة إلى سواعد تبني، وفؤوس تحفر، وغراس تزرع من أجل أن ننهض، من أجل أن نكون. هذا السلوك الصبياني الأبله الذي نتلهى به الآن يزيد من عمق الجرح ويقتل النفوس بالمزيد ويهوي بالهمم ويمكن الأعداء. دعونا من ترهاتكم، وتوجهوا نحو عمل مثمر تذكره الأجيال لكم.