جدل القمة
الدكتور عبد الستار قاسم
على الرغم من أن القمة العربية ستعقد بتاريخ متأخر من شهر آذار/ مارس القريب إلا أن الجدل الإعلامي والسياسي حولها قد بدأ. لكنه ليس جدلا فكريا على مستوى نظري أو تاريخي وإنما جدل متعلق بقضايا إجرائية وآمال علّ وعسى أن يتحقق بعضها. ومن الواضح أن قضية الشيخ الصدر تلقي بظلالها على حضور القذافي للقمة، وكذلك احتجاز القوات الإسرائيلية لعرفات. ومنها تثور التعليقات حول انعقاد القمة في موعدها ومكانها المحددين، وتنشغل وسائل الإعلام مع المحللين في سبر غور التوقعات وما يمكن أن يرافقها من تطورات إيجابية وسلبية على الساحة العربية. أما على مستوى الإعلام الرسمي العربي فهناك تطمينات كثيرة بأن هذه القمة ستكون تاريخية بسبب الظروف الاستثنائية التي تعقد فيها، وأن القادة العرب سيتحملون مسؤولياتهم التي هم أهل لها.
يعكس جدل القمة حال الأمة العربية ولا يختلف في مستواه عما هو متوقع من القمة. تعيش الأمة حالة عددية (استاتيكية) ضمن نمطيات سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية تلقي بثقلها على مختلف النشاطات الحياتية لتستلهم صفاتها فلا تشذ عن قواعدها. أمتنا متثاقلة لا تملك ذاتها ولا تسيطر على ممتلكاتها ولا تتخذ قرارها، والعين التي لا ترى الحقيقة ستبقى تائهة في رومانسية الظنون بأن الأمور ستتطور إلى الأفضل. فلا غرابة أن يتكرر الجدل الذي يقوم على الأمل لنجد في النهاية أن الأمل لم يكن إلا سرابا.
من مجمل تاريخ القمة العربية أرى أن انعقادها عبارة عن خبر وليس حدثا. للحدث تبعات بينما الخبر لا يتضمنها بالضرورة. قمم كثيرة عقدت وسيرتها معروفة لدى المواطن العربي كما هي لدى أبطالها. ستنشغل وسائل الإعلام بالتغطية وسيسمع المواطن العربي تصريحات كثيرة مكررة يحفظها عن ظهر قلب، وسيكون هناك بيان ختامي قد يحتوي على عبارة جديدة لا قيمة كبيرة لمضمونها وقد لا يحتوي. أما المواطن العربي العادي لن يجد من المثير تتبع أخبار القمة أو الوقوف عند نتائجها. والأسباب يمكن تلخيصها بالتالي:
أولا: لن يخترق قادة العرب الظروف الموضوعية التي تحيط بهم وبالأمة خاصة أن الوقت قصير أمام أي محاولة للتأثير جوهريا على هذه الظروف. تتلخص هذه الظروف في أن العرب عبارة عن مادة الحدث وليسوا صنّاعه، وهم أعجز من أن يصنعوا لأنفسهم تاريخا فيصنع الآخرون لأنفسهم تاريخا على العرب. تاريخنا المعاصر ليس ما جبلته أيدينا وإنما ما أقامه الآخرون علينا وفعلوه بنا أو نهبوه منا. لا نستطيع الدخول في هذا المقال في تفاصيل الأسباب التي أنضجت الظروف هذه لغير صالح العرب، إلا أن العامل الذاتي يبقى أهم بكثير من العوامل الخارجية في تجيير الذات العربية لصالح الغير. لم يطور العرب رؤية أو سياسة تقوم على التحصين الذاتي مع الإبقاء على علاقات الاحترام المتبادل مع الآخرين، ويبدو أن المصالح الذاتية قد انتصرت على المصالح العامة فانتصرت التبعية على الاستقلالية.
ثانيا: التطلعات العربية الحالية غير مؤهلة لنقل القمة العربية نقلة نوعية تؤثر على الأوضاع العامة في المنطقة أو على سياسات الدول الكبرى في المنطقة. فمثلا ما زال قادة العرب يتطلعون إلى الولايات المتحدة لحل القضية الفلسطينية ويمجدونها على اعتبار أنها راعي السلام الأمين في المنطقة على الرغم من أن حواسهم تدرك مضاء السلاح الأمريكي في يد الإسرائيليين، وتشهد النقض الذي تستعمله أمريكا لصالح إسرائيل. وما يزالون يتحدثون عن تعقيد شارون لمسيرة السلام وكأن السياسة الإسرائيلية تقوم على شخص واحد.
ومن ناحية أخرى، يتطلع القادة إلى فك الأزمة بين حركة أمل والعقيد القذافي، وإلى إسرائيل علها تفرج عن عرفات ليتمكن من حضور القمة. أمة ضخمة بهذه التطلعات الواهية أمام مطبات صنعتها بأيديها لا تقوى على معالجة تحديات.
ثالثا: أغلب القادة العرب ينشغلون الآن بقضايا الإرهاب التي تؤرق أمريكا وليس بقضايا الأمة العربية. إنهم يدركون مدى ارتباط التهديدات الموجهة ضد الولايات المتحدة بمصائرهم ولهم في مواجهتها مصالح ذاتية. من ناحية، عليهم أن يمتثلوا كما اعتدنا عليهم للمتطلبات الأمريكية، وعليهم أن يواجهوا من يسمونهم بالإرهابيين الذين يهددون عروشهم. المعنى أن هناك أولويات، وأعتقد أن الشارع العربي قد اعتاد أن المصالح الخاصة لها أولوية على المصالح العامة. ويتضح من سير الأحداث أن الأولوية الأمريكية الآن ليست لحل نزاعات إقليمية وإنما لمواجهة تنظيمات مسلحة تقول أنها تمارس الإرهاب وملاحقة الدول التي تؤويها أو تمد لها يد العون. أي أنه من الممكن أن تكون رؤوس حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي مطلوبة أكثر من اتخاذ إجراءات ضد إسرائيل.
رابعا: لم يتم الإعلان عن وجود نوايا عربية عامة لإجراء تغييرات في السياسات العربية، ولم تعلن دول مركزية عن توجهات نحو الانسلاخ عن الماضي لصالح مستقبل. ما يزال الحديث يدور ضمن عموميات لا جدوى منها مثل الأخوة العربية والمصير المشترك والتضامن العربي. كل القصائد والأشعار المعبرة عن التكافل والتآزر لا قيمة لها أمام الوضع العربي القائم أو أمام عمل يخالف القول.
خامسا: غياب الانسجام بين الأنظمة العربية ما يزال يخيم على علاقات الأنظمة العربية مع بعضها البعض، ولا أخاله مختفيا خلال الشهرين القادمين. تتباين الأنظمة في توجهاتها السياسية الداخلية والخارجية وفي رؤاها الذاتية لكيفية ترتيب الأمور الاجتماعية والاقتصادية، ولا تستطيع الاتفاق إلا على ما يتعلق بالقضايا الأمنية الداخلية. الريبة والشك عنوانان مهمان في تفسير الكثير من العلاقات بين قادة الدول العربية والأنظمة التي يقيمونها، أما الثقة المتبادلة فدورها هامشي ولا يدفع باتجاه تعاون استقلالي ضمن استراتيجية عربية خاصة. إنه من المعروف أن جهودا كبيرة تبذل خارج قاعة الاجتماعات الرسمية للقمة للتغلب على التباينات.
سادسا: عدا عن العبارات الإنشائية ذات المهمة التجميلية، تبقى قرارات القمم العربية تصالحية بحيث لا ترضي نظاما على حساب آخر أو تغضبه استرضاء لآخرين. قرارات من هذا القبيل لا يمكن أن تكون مجدية لأنها ترضي شفويا المؤتمرين لكنها لا تجمعهم على فعل موحد. فمثلا من الممكن ملاحظة قرارات القمتين السابقتين حول التعامل مع إسرائيل وكيف أسمعت كل نظام ما يحب أن يسمعه وتركته يفعل ما يشاء.
سابعا: على الرغم من وجود أشخاص جدد ورثوا القيادة عن آبائهم إلا أنه لم يظهر أنهم أداروا ظهورهم للماضي أو لما ورثوه. إنهم يشبهون آباءهم في أغلب تصرفاتهم ويحملون إلى حد كبير رؤى لا توحي بأن انسجام الشباب ممكن.
باختصار، لن تختلف القمة القادمة عن القمم التي سبقت من الناحية الجوهرية سواء حضرها القذافي وعرفات أو لم يحضراها. وسواء حضر قادة الصف الأول أو بعثوا بمن ينوبون عنهم لن تتغير التوقعات. وإنه من العبث ومن خداع الذات أن يأمل المرء بتجاوز ما صنعه لنفسه فيبدع بأكثر مما هو مؤهل له. نحن العرب نضع أنفسنا في قفص لا تقع مسؤولية الاحتجاز فيه على قادة العرب وحدهم وإنما أيضا على الذين ارتضوا أن يكون هؤلاء زعماء لهم. ومع كل قمة تهيج لدى بعضنا شهوة الابتهال والطمع بتدخل ميتافيزيقي يرفع عنا مر الهوان والعذاب. إنني أبتهل مع المبتهلين لكنني على يقين أن دعواتي لن تُستجاب.
إذا أردنا استجابة لدعاء فما علينا إلا أن نعمل باتجاه التغيير. يتطلب التغيير التعب والجهد والعرق والمعاناة والصبر الطويل. أما إذا كنا نظن أن العناية الإلهية ستتدخل وستقدم للعرب حلولا مريحة لما هم فيه فإننا بالتأكيد لا نقرأ التاريخ ولا نريد أن ننتصح بما فعلته الأمم من أجل أن تتقدم وترفع عن نفسها الظلم والإذلال. لكن العناية الإلهية يمكن أن تخيم فوق رؤوسنا إذا استجمع المثقفون والصابرون والمفكرون قواهم ووحدوها ضاغطين نحو التغيير على مختلف الأصعدة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. الأمة قد تستقيم بقياداتها السياسية لكنها بالتأكيد تستقيم بعقول أبنائها ومفكريها.