نفق عرفات
الدكتور عبد الستار قاسم
إنه يرى النور في نهاية النفق؛ نحن نراه بعيدا وهو يراه قريبا. هذا ما أصر عليه عرفات عبر سنوات من الظنون وصناعة الأوهام. ليته يوضح لنا الآن عن أي نور كان يتحدث وعن أي نفق. أهو نفق الاعتراف بإسرائيل؟ أم نفق الفساد والاستبداد والتفرد في صناعة القرار؟ أم نفق توريط المعاونين وأعضاء المجالس وتجاوز كل الخطوط الحمراء؟ أم نفق الوزارة والوزراء؟
جميل أن يتفاءل الإنسان فيأمل بنور وضياء، لكنني أعرف أن الضياء بحاجة إلى قلب بصير وعين ترى. لا يتوفر الضياء في الحياة العامة إلا إذا سادت روح العمل الجماعي والتعاون المتبادل، وتعززت قيم الإيثار واحترام الآخرين، وعمت أجواء الحرية التي لا إبداع بدونها.
أتساءل عندما أعود إلى الوراء عما إذا كان عرفات يصدق نفسه عندما كان يتفاءل بنور في نفق يقترب الشعب الفلسطيني من اجتياز نهايته. هل كان يظن فعلا أن أسلوبه القيادي وقدراته الفكرية وممارساته العملية ستفضي إلى تحرير ودولة فلسطينية؟ إذا كان قد ظن ذلك فإن ظني حول قدرته على تحليل الأمور هو الحقيقة. لقد قاد الشعب الفلسطيني متمحورا حول نفسه فسلح نفسه بالمال والإعلام ومنع مختلف القيادات والفصائل من الاقتراب من برجه العالي؛ شق مختلف الفصائل الفلسطينية وفتح النار على العديد منها سواء في الأردن أو لبنان، ولاحق مختلف الأشخاص الواعدين بأدوار قيادية؛ أقام مؤسسة واسعة من الفساد والمفسدين فقرب منه من تورط واستبعد من حافظ على نقائه. ترك منظمة التحرير مرتعا للعملاء فسقط أبناؤنا على مختلف الجبهات ضحايا الخيانات، وأدار ظهره لجماهير العرب والمسلمين واتخذ من الأنظمة المولى والنصير، واستعمل المال لشراء الذمم والتأييد والموالاة حتى أصبح النفاق رأس الفضيلة والاختلاس قمة الشطارة. الفهلوة عنوان النشاط الحياتي والتبرير قلب الفكر السياسي.
سيرة نضالية بائسة ومقيته اعتمدت على المناورات “والتكتكة” ورفضت أن تنتصح أو أن تستمع لصدق القول وبياض السريرة، وأصرت على الخطأ وعلى ملاحقة كل صوت معارض أو ناقد. فهل هكذا تتحرر الأوطان وتبنى المجتمعات والدول؟ رآه سكان الأرض يمارس الفساد والاستئثار والاستبداد فاستخفوا بشعب فلسطين وبمدى رغبته العملية الفعلية بإقامة دولة حقيقية.
يبدو أن النفق قد طال وادلهم ليطبقه عرفات إسرائيليا على نفسه. قال له أناس مثلي ألا يستمع لوعود إسرائيل وأمريكا وألا يلحق ظنونه، ومثلما كنا في نظره خاسئين ضيقي الأفق على مدى السنين كانت كلماتنا هذيان معارضين يتجندون عملاء لدول في الجوار. فهل يهنأ الآن عرفات بنصائح بطانته التي صنعها بمال كان من المفروض أن يكون لليتامى والأرامل والمناضلين؟ كفلسطيني، لا يمكنني إلا أن أتعاطف أو أن أقف مع من تقف ضده إسرائيل بعد أن أتأكد أن ما يجري ليس جزءا من مسرحية امتدت على عشرات السنين، لكنني في نفس الوقت لا أقبل أن يكون الإجراء الإسرائيلي غطاء لفساد أو سوء صنيع.
وبالرغم من كل الفساد وسياسات التبذير والاستهتار، يشغلنا عرفات بترهات وتفاهات وزارية لا يمكن أن تصب في مصلحة الشعب الفلسطيني. سقط الوزير وعاد الوزير، حرد الوزير واعتكف الوزير. الناس يموتون والبيوت تُهدّم والأراضي تصادر والبطون تبقر والعيون تفقأ والسادة الوزراء يتزاحمون على أبواب السلطان داعين برضا أمريكا وإسرائيل. فلسطين ليست بحاجة إلى وزراء إذا كان لليل النفق أن يقصر قليلا وإنما إلى أناس يعيشون المعاناة يتدبرون مع الناس كيف السبيل إلى الخروج. فدعك من هذا يا سيادة الرئيس.
9/أيلول/2003