إلى سلطة الضفة بلسان فصيح
الدكتور عبد الستار قاسم
يخطئ من يظن أن خلافاته مع حماس يعطيه صك غفران لرفع وتيرة التعاون والتنسيق الأمني والسياسي مع الكيان الصهيوني المغتصب، ويخطئ جدا من يظن أن الناس لا ترى ولا تسمع، ولا تعي، ولو نظريا، حقيقة ما يجري من تطوير للعلاقات الودية والحميمية مع كل من الصهاينة والولايات المتحدة. هنا لا أعني بالتعاون والتنسيق تلك النشاطات المتعلقة بتسيير الحياة اليومية للشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع، وإنما أعني العلاقات السياسية والأمنية والتطبيعية والمالية والامتيازات الشخصية.
أنا أدرك تماما أن سلطة الضفة الغربية عبارة عن جزء من محور عربي-صهيوني-أمريكاني غير معلن لمواجهة محور آخر غير معلن أيضا وهو حزب الله-سوريا-إيران، وهي تطوع نفسها أداة لإعطاء الانطباع بأن القضية الفلسطينية على وشك الغروب مع وعود بإقامة الدولة الفلسطينية. تحاول السلطة هذه إعطاء هذا الانطباع مساهمة منها في تسهيل مهمة أنظمة عربية عديدة تود أن تعلن تحالفها مع الكيان الصهيوني حفاظا على وجودها من نهضة قوى التغيير في المنطقة سواء فيما يتعلق بالمحور المضاد أو بقوى المقاومة والممانعة عموما.
سيقف من يرد قائلا بأنه يرفض تصنيفه على أنه جزء من محور تشترك فيه إسرائيل. رفضت أو لم ترفض، أنت غارق حتى أذنيك في هذا المحور، وأنت تعتاش على المال الذي تسمح إسرائيل بإدخاله، وأنت تحميك آلة الحرب الإسرائيلية. شئت أم لم تشأ، رفضت أم لم ترفض، زمجرت أم لم تزمجر، أنت الآن في حماية جيش الاحتلال الصهيوني، وهو الذي يوفر لك الغطاء العسكري الذي يبقيك في مكتبك.هناك معادلة قوى داخلية فلسطينية قائمة وملموسة، وأنت طرفها الأضعف، ولن تقوى على الصمود إذا حصلت المواجهة التي لا نريدها ولا نتمناها. أنت ضعيف تنظيميا وعسكريا، وأنت أيضا أوهن من أن تقف أمام الناس مجادلا بالحقيقة المرة التي ستبقى تطاردك. وأكبر دليل على صدق ما أقول أنك تمنع الكلمة الحرة، وأنا لا أجد في وسائل إعلام الضفة متنفسا. لكن كلمتي الممنوعة ستنتصر على كل كلماتك المنشورة، كلمتي ثورة وكلماتك ذبذبات متطايرة.
لين في حركة فتح ومنظمة التحرير منذ عام 1967 حتى اتفاق أوسلو حول الموضوع. نحن في وضع لا يسمح لنا بلعق كلماتنا الثورية التي آمن بها الشعب الفلسطيني وقدم دفاعا عنها الشهداء والتضحيات الجسام، ونحن لا نتلاعب باللغة ومضامين النقاش من أجل أن نبرر التهاوي والتنازل والإقدام على الموبقات وانتهاك المحرمات. يكبر المرء عندما يعتزل بسبب إخفاقاته، ويصغر عندما ينشغل في البحث عن مبررات لفشله.
أيا حضرة رئيس السلطة الفلسطينية، هل ترى أن ما قامت به حماس (إذا كان اعتداء، وأنا لا أعتبره كذلك) يفوق ما قام به الصهاينة لكي تفتح خطوطا مع العدو وتغلق كل الأبواب في وجه حماس؟ هل لديك القدرة لمواجهة جدلية علنية لنفهم منك أين أجرمت حماس بالتحديد، وأين أحسن العدو الصهيوني لكي نتبعك في تطوير علاقات جيدة مع أولمرت وباراك وليفني؟ وأنت يا حضرة رئيس الوزراء، هل من الممكن أن تحكي للشعب الفلسطيني بطولاتك وتضحياتك لكي نفهم كيف أن حماس عبارة عن قزم نضالي يبرر لك القفز عنه ووضع يدك بيد الأمريكيين والإسرائيليين؟ أنا لست ضد أن تختلفا مع حماس. اختلفا كما تشاءان، لكنه من المرفوض رفضا قاطعا أن تتم ترجمة الاختلاف إلى تعاون وتنسيق مع العدو. من أنا حتى أرفض؟ أنا مواطن فلسطيني أقوى منكما أنتما الاثنين، وأقوى من أموال أمريكا وأسلحة إسرائيل. لقد استعملت إسرائيل ضدي كل أنواع الأسلحة ولكنني ما زلت واقفا رافضا التنازل، واستعملت أمريكا الأموال ضدي لأجوع، لكنني ما زلت آكل. أنا مواطن فلسطيني يعرف كيف يزرع ويحصد، وكيف يقتصد ويكتفي بالقليل، ويحتفظ ببيته بالسراج والقنديل. أتذكران؟ أتذكران كيف وقف العالم كله ضد حماس في الانتخابات التشريعية؟ سقطت قوة العالم أمام صوت المواطن الفلسطيني وفازت حماس.
أرجو ألا أُفهم بأنني أدافع عن حماس، وأذكر هنا السيد رئيس السلطة الفلسطينية أنه لولا موقف حماس من انتخابات الرئاسة الفلسطينية لفزت عليك. لقد حابتك حماس ووقفت معك عندما قررت عدم التصويت في انتخابات الرئاسة، وأنت الأولى في الدفاع عن حماس التي أوصلتك بسلبيتها إلى كرسي رئاسة السلطة. أذكرك فقط بما جرى بينك وبين مشعل من حوار، وكيف انتهيت مبتهجا عندما طمأنك بأن حماس لن تشارك في انتخابات الرئاسة. المسألة بالنسبة لي ليست ببعد شخصي أو مصلحي، وإنما هناك وطن وشعب وحقوق وأحزان وآلام وتضحيات ودموع وآهات لا نفرط بها ولا نستهين. أتركا ما أنتما فيه وعليه، هذا طريق لم ينفع غيركما، ولن تأتي نتائجه إلا وبالا علينا وعليكما.
خاب أمل كل من ظنوا بإسرائيل وأمريكا خيرا، فلا تكونا ممن يخدعون أنفسهم فيفتحون الباب الذي تعصف منه الرياح.