من مآسي المؤتمرات العلمية العربية
الدكتور عبد الستار قاسم
يقولون إن على العرب أن يشجعوا العلم والعلماء من أجل اللحاق بالأمم الأخرى التي تقفز قفزات علمية واسعة، ومن أجل تقليص الهوة بيننا وبين الصهاينة الذين يحققون إنجازات علمية كبيرة في مختلف ميادين الحياة. وهم يقترحون العديد من الوسائل والأساليب من بينها المؤتمرات العلمية التي تشكل فرصة لالتقاء العلماء والتداول في آخر المستجدات العلمية. تشكل المؤتمرات محفزات نحو تحقيق المزيد من الإنجازات العلمية، والنهوض بالمستوى العلمي للباحثين والمؤسسات التي يعملون فيها. هذا صحيح من الناحية النظرية، لكن صحته المؤكدة مرتبطة بعوامل أخرى مثل البيئة والتخطيط القائم على أسس علمية.
أشارك بين الحين والآخر في مؤتمرات علمية وأقدم أبحاثا علمية في قضايا متعددة، وأشاهد أحيانا افتتاح مؤتمرات علمية عربية على شاشات التلفاز. المشهد في هذه المؤتمرات متكرر إلى حد كبير. يتم افتتاح المؤتمر، كالعادة متأخرا عن الوقت المحدد في الإعلانات؛ ثم تأتي استراحة تليها جلسات المؤتمر. يعطى كل مشارك بورقة علمية حوالي ربع ساعة ليقدم بحثه، ويتم تخصيص حوالي نصف ساعة لمناقشة الباحثين المشاركين في الجلسة. ربما تأتي جلسة أخرى، ليتلوها غداء. يتم عقد جلسة بعد الغداء، وقد يتلوها نقاش حول توصيات لا يأخذ بها أحد.
جلسة الافتتاح هي الأهم إذ يتم حشد حضور واسع ودعوة وسائل الإعلام وأشخاص يطلقون عليهم شخصيات أو قيادات. يقوم مدير المؤسسة الداعية بإلقاء كلمته التي تزخر بالكثير من المبالغة حول إنجازات مؤسسته، ويردد حبه للعلم والعلماء مركزا على سياسة مؤسسته التي تعلم أن العلم هو مقياس التقدم الآن في هذا العالم الذي لا مكان فيه للجاهل. يرحب بالحضور الكريم الذي لولا تشجيعه وحرصه لما حققت الأمة كل هذا النهوض المتميز.
أوهامه باستطياب الاسترخاء حتى التثاؤب. يليه خطيب آخر يثقف الجمهور حول التزامنا بالعلم وتقديرنا للعلماء وذلك انسجاما مع التعاليم السماوية والأحاديث النبوية. وتلمس من خلال حديثه أننا سنحشر يوم القيامة مع الصديقين والشهداء وربما الأنبياء بسبب عشقنا الفياض للعلم. تراودك فكرة الصعود إلى المنصة أو الصراخ من بعد لتطلب منه الكبح والفرملة رأفة بالمستمعين.
يسرح الخطباء ويسهبون في المبالغات والتهويل، ويصنعون من الفأر جملا، ومن الغزال أرنبا، ومن الميت منارا. ينتهون، ويدعو مدير الحفل إلى استراحة شاي. تعود إلى القاعة بعد نصف ساعة فتجد أن أغلب الحضور قد اختفوا وأن وسائل الإعلام قد رحلت. لماذا ذهبوا؟ غالبا لم يأت هؤلاء للاستماع للعلماء وإنما للمتنفذين والمسؤولين الذين هم أصحاب القرار. وماذا ينفعهم أستاذ جامعي ينتظر آخر الشهر من أجل الاستمرار في العيش، في حين أن النفاق للمسؤول قد يأتي بالخير الوفير؟
الذين يجب أن يستمعوا للعلماء ويستمروا في الحضور وهم القادة والزعماء والوجهاء يفرون من القاعة متمنين للعلماء النجاح والتوفيق في مداولاتهم. البحث العلمي هو من أجل التخطيط السليم، ومن أجل أن تستند القرارات على حقائق علمية وبينات. البحث العلمي هو بديل الارتجال والفهلوة والادعاء بالمعرفة، وهو السر الكبير الذي يقف وراء الرقي بالمقدرات المادية للأمة في مختلف مجالات الحياة. إنه ليس بهدف التكديس في الكتب والدوريات العلمية، ولا بهدف الحصول على ترقية أكاديمية أو الحصول على مكافأة مادية. إنه واجب ديني ووطني قبل أن يكون وسيلة لتحسين أوضاع شخصية.
القادة لا يستمعون، ولا أخالهم يطلعون على ما ينشر من الأبحاث أو يتلقون موجزا عنها، ولا أظن أن التوصيات التي يخرج بها الأكاديميون والباحثون تصل إلى مسامعهم. أما وسائل الإعلام التي احتشدت بداية فلا تأتي على ذكر ما هو مفيد. تجلس مساء أمام الشاشة لتشاهد نشرة الأخبار فترى القائد يلقي خطابه غير البليغ؛ وفي اليوم التالي للمؤتمر، تقرأ في الصحف والمجلات عن النشاط العلمي الذي حضره سيادة الرئيس أو من يمثله، وتجد إسهابا حول الكلمة السامية التي ألقاها، بينما لا تجد شيئا عن المحتوى العلمي للمؤتمر.
أبو العرّيف العربي لا يحتاج إلى البحث العلمي لأنه يعرف كل شيء. البحث العلمي ليس بهدف إفهام المسؤول لأنه يملك من العلم ما لم يملكه أحد من قبل، ولن يملكه أحد من بعد، ونحن نقوم بالبحث العلمي فقط لأنه عبارة عن تقليعة عالمية ولمجاراة هؤلاء الأميين الذين لا يرون في المسؤول إلها مطلعا على عالمي الغيب والشهادة. هذا ربما ما يعطي تفسيرا اجتماعيا لقلة الأبحاث العلمية التي ينتجها البحاثة العرب.
هكذا سنبقى خلف الأمم.