الحرب آتية
الدكتور عبد الستار قاسم
هل ستنشب حرب في المنطقة العربية-الإسلامية تكون أمريكا وإسرائيل وإيران وسوريا وحزب الله أطرافها أو بعض أطرافها؟ نعم.
يدور جدل واسع حول إمكانية نشوب الحرب، وأغلبه يدور حول احتمال مهاجمة أمريكا وإسرائيل للأطراف المشار إليها أعلاه، ويندر أن نسمع أحدا يناقش احتمال قيام سوريا وإيران وحزب الله بالهجوم. هناك من يستبعد قيام أمريكا بالهجوم على إيران مرجحا اللجوء إلى تشديد العقوبات المتنوعة من خلال مجلس الأمن؛ وهناك من يرى أن العقوبات لن تجدي نفعا كبيرا لأمريكا وإسرائيل، وأن الحسم العسكري هو الحل الوحيد للقضاء على التهديد الإيراني لإسرائيل والنفوذ الأمريكي في المنطقة. وهناك من يرى احتمالا قويا في أن تقوم إسرائيل بمهاجمة سوريا وحزب الله، بينما يرى آخرون أن إسرائيل تكتفي بالترتيبات التي تمت في جنوب لبنان عام 2006 مع السعي إلى منح مزيد من الصلاحيات الأمنية للقوة المتعددة الجنسيات والجيش اللبناني.
الحرب الاستباقية
تعتبر الحرب الاستباقية أو الوقائية عنصرا أساسيا في النظرية الأمنية الإسرائيلية التي ما زالت معتمدة حتى الآن، ولا يبدو في الأفق أن إسرائيل ستتخلى عنها تحت الظروف العسكرية القائمة حاليا في المنطقة؛ وهي أيضا ركن أساسي في تفكير الهيمنة للمحافظين الجدد الذين يسيطرون إلى حد كبير على البيت الأبيض في هذه المرحلة. هذا فكر أمني يقول بضرورة القضاء على قوة الخصم قبل أن تنمو وتشكل تهديدا عسكريا فعليا مما يؤدي إلى استسلام الخصم في النهاية والقبول بالشروط المطلوبة. استعملت إسرائيل الحرب الاستباقية عام 1967، وعمدت إلى قصف مواقع عسكرية عربية قبل أن تكون قادرة على الحركة العسكرية مثل المفاعل النووي العراقي، واستعملتها أمريكا ضد العراق عام 2003.
لا تنطلق الحرب الاستباقية ضد أي دولة، وإنما ضد دولة معادية تعمل على مراكمة القوة العسكرية التي يُشتم منها رائحة التهديد للمصالح أو الهيمنة. مصر، في عهد عبد الناصر شكلت تهديدا للنفوذ الغربي في المنطقة العربية الإسلامية، وأعطت مؤشرات قوية حول عدائها لإسرائيل، فهاجمها الغرب وإسرائيل عام 1956، ولم تنسحب إسرائيل من سيناء إلا بعد حصولها على بعض الضمانات الأمنية كان على رأسها منع نشاط المقاومة في قطاع غزة. وقامت إسرائيل بمهاجمة قواعد المقاومة الفلسطينية في مخيم الكرامة عام 1968، وهاجمت أمريكا الدومينيكان وبنما.
أصبح واضحا أن إيران تصنع أسلحة متطورة، وأثبتت ذلك حرب إسرائيل على حزب الله عام 2006. كما أن إيران تسير قدما في برنامجها النووي غير عابئة بمختلف المواقف الدولية المساندة للولايات المتحدة. حزب الله صمد في جنوب لبنان، وأوقع خسائر كبيرة في صفوف الجيش الإسرائيلي، وأفشل الحملة العسكرية الإسرائيلية. أما سوريا فتعمل بوتيرة متزايدة على رفع استعداداتها العسكرية سواء من ناحية التسليح أو التدريب. هذه ثلاث جهات لا تخفي عداءها لإسرائيل، ولا تحديها للهيمنة الأمريكية على المنطقة، وفي هذا ما يبرر الحرب الاستباقية.
بين الاستباق والتروي
بالتأكيد، تعمل أمريكا وإسرائيل مجتمعتين ومنفردتين على تقييم كل الاحتمالات وإبراز محاسن وعيوب كل خيار. هناك مجازفة كبيرة في خوض الحرب، لكن البديل للحرب هو مزيد من تنامي قوة القوى الثلاث مما يعني المزيد من التحدي لهما مستقبلا. فماذا تختاران؟ هل يتم اختيار المجازفة مع كل ما تحتوي من خسائر وتدمير واحتمالات، أم الصبر وانتظار مزيد من القوة الإيرانية المتصاعدة والتي قد تتوج بالقنبلة الذرية؟ يحتوي الحاضر على مجازفة، لكن المستقبل يتضمن المزيد من المجازفة.
عوامل الكبح لدى أمريكا وإسرائيل
هناك عوامل كبح تدعو كلا من إسرائيل وأمريكا إلى مزيد من التفكير بشن حرب أُجملها فيما يلي:
عنصر التخوف الإسرائيلي-الأمريكي ارتفع جدا بعد حرب تموز التي انتهت بفشل إسرائيل. فاجأ حزب الله العالم، ولا يظن أحد أن الترسانة العسكرية الإيرانية تمتلك فقط المفاجآت التي أظهرها حزب الله. إذا كان الحزب قد أظهر بعض أسلحته، فإن إيران، استنتاجيا، تمتلك ما هو أكثر بكثير؛
تعاني أمريكا وإسرائيل من شحّ المعلومات حول تسليح إيران وحزب الله والتكتيكات العسكرية التي يمكن اتباعها، وهناك ضعف كبير في الاختراق الاستخباري. خاضت إسرائيل حربا عمياء بقليل من المعلومات عن حزب الله، وهي وحليفتها ما زالتا تعانيان من قلة الجواسيس والمتعاونين؛
المقامرة واردة بشأن نفط الخليج الذي سيتأثر تصديره مما سيؤدي إلى ارتفاع كبير في الأسعار على المستوى العالمي. هناك احتمال بأن تتمكن إيران من إغلاق مضيق هرمز مما سيخفف بصورة كبيرة من تدفق النفط إلى الأسواق، والمسألة ستكون أكثر شدة إذا ضربت إيران منشآت نفطية على السواحل الغربية للخليج؛
تملك إيران وسوريا أوراقا للضغط على الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان؛
ربما تتمكن إيران من إغراق سفن حربية أمريكية في الخليج. أما إسرائيل فستتكبد خسائر كبيرة في الجنود والمدنيين والمنشآت.
إذا ارتفع سعر النفط إلى ما هو أكثر من مائة دولار فإن ضجة عالمية كبيرة ضد الولايات المتحدة ستشتعل سواء على مستوى الدول أو على مستوى الشارع بخاصة في الشارع الأمريكي والأوروبي. وإذا أغرقت سفينة حربية واحدة لأمريكا وغرق معها مئات الجنود الأمريكية فإن السخط سيعم مختلف القطاعات في الولايات المتحدة. أما إسرائيل فستقع في محنة كبيرة إن لم تستطع حسم الحرب خلال أسبوع.
عوامل الدفع
على الرغم من عوامل الكبح المكلفة جدا، هناك عوامل دفع باتجاه الحرب أجملها فيما يلي:
لهيمنة الأمريكية في المنطقة من خلال الإصرار على التغيير الشامل. تتطلع إيران بالتحديد ومعها حزب الله إلى إحداث تغيير سياسي واجتماعي واقتصادي في المنطقة العربية-الإسلامية مما يهدد الأنظمة العربية ومعها المصالح الأمريكية والإسرائيلية. إذا استطاعت إيران إحداث اختراق في المنطقة وتمكنت فإن الضائقة ستلحق بالأنظمة العربية، وستضطر معها أن تهادن إيران مما يعني زيادة نفوذها على حساب نفوذ أمريكا وإسرائيل؛
الصبر على إيران يعني التفرج عليها وهي تتقدم بخطى ثابتة نحو القنبلة النووية مما سيتوازن مع قوة الردع النووي الإسرائيلية؛
الصبر على قوة حزب الله وسوريا يعني تقليص هيبة إسرائيل وتحقيق توازن عسكري يهدد في النهاية وجود إسرائيل؛
للأنظمة العربية دور تحريضي لأنها تخشى على استمراريتها، وهي معنية بعدم وجود قوى في المنطقة تهدد الاستقرار المفروض بقوة أجهزة الأمن العربية.
قوة إيران وحزب الله تعني تأجيج التنافس السني الشيعي مما يشجع قوى المقاومة السنية على العمل بطريقة صحيحة وعلمية مختلفة عن أساليب الفهلوة والارتجال. هذا يعني المزيد من المشاكل مع من تسميهم أمريكا بالإرهابيين.
نشر الفتن
ربما فكرت أمريكا ومعها قوى عربية متعددة في لحظة ما نشر الفتن في المنطقة خاصة بعد حرب تموز وانتصار حزب الله مما سيؤدي إلى استنزاف الطاقات بأيدي داخلية كما حصل في الحرب العراقية-الإيرانية في الثمانينات. جرت محاولات للعب على وتر سني وشيعي، وعرب وفرس، لكن لا يبدو أن النجاح كان حليفها. حمل رجال دين وسياسة لواء الفتنة وحاولوا جر الناس إلى خنادق الاقتتال المذهبي والقومي، لكن التجاوب بقي ضعيفا. انحسرت المشاكل الطائفية قليلا في العراق، وأفشل حزب الله كل محاولات الانجرار إلى الحرب الأهلية. فقط فصائل فلسطين لبت الدعوة وغرقت باقتتال داخلي ألحق مزيدا من الضعف في الساحة الفلسطينية.
تشكل الفتن الداخلية بديلا أمريكيا وإسرائيليا جيدا إذا تحقق لأنه يوفر عليهما الدخول في حروب محرجة داخلية وخارجية وغير مضمونة النتائج.
نتيجة الحرب
لا تستطيع أمريكا وإسرائيل ضمان نتيجة الحرب إذا نشبت، ولهما عبرة قوية في حرب تموز/2006. لا تستطيع الدولتان ضمان نتيجة الحرب النهائية، ولا تستطيعان ضمان تدمير قوة الخصم خاصة فيما يتعلق بالمنشآت النووية الإيرانية. حزب الله وإيران مخندقتان جيدا، ومن غير المؤكد أن تتمكن القنابل والصواريخ الساقطة من تدمير أهدافها. ومن الوارد، بل من المؤكد، أن إيران وحزب الله قد أعدتا مواقع مموهة كثيرة لتستقطب هجمات تشغل بال العسكريين المعتدين. أي أن جزءا كبيرا من المجهود الحربي الأمريكي والإسرائيلي سيضيع هباء وبلا طائل.
سوريا هي الحلقة الأضعف، وضعفها يأتي أولا من عدم قدرة النظام على تحقيق الانتماء الوطني. بقي النظام ضمن عقلية الولاء للحكم، وأبقى على أجهزة الأمن ضمن عملها التقليدي العربي الذي يتمثل بملاحقة المواطنين. على الرغم من ذلك، طورت سوريا صناعة الصواريخ، وحصلت على معدات متطورة من إيران وروسيا، ومن المحتمل أن لديها قوة دفاع جوي حديثة تستطيع إسقاط الطائرات الحديثة.
قد تنجح الحرب الاستباقية ضد سوريا، لكنها لن تنجح ضد حزب الله وإيران لأن الاستعداد في لبنان وإيران قائم على امتصاص هجمات العدو مع المحافظة على قوة الرد. تحاول سوريا منذ فترة تبني نموذج حزب الله الدفاعي، لكن الاستعداد الذي يمتد على مدى عام أو عامين لا يمكن أن يحقق نتائج الاستعداد على مدى سبعة أعوام وأكثر.
تقديري أن خسائر كبيرة ستلحق بمثلث الممانعة لكنها لن تكون قاصمة. سيصمد هذه المثلث وسيحتفظ بقدرته على الرد على الرغم من أن وهنا عسكريا سيلحق بسوريا. الصمود بحد ذاته هو انتصار. لكن ظني أيضا أن إسرائيل ستخسر خسارة كبيرة إذا استطاعت سوريا وحزب الله إسقاط طائراتها لأن جيشها سينكشف ويصبح من الممكن دحره على الأرض.
مدى الجبهة
هل ستفتح إسرائيل وأمريكا جبهة إيران وسوريا معا؟ هذا مستبعد جدا لأن الحكمة تقتضي تضييق الدائرة إلى أقصى درجة ممكنة مع تحقيق أفضل النتائج. تشكل إيران مصدر القلق الرئيسي، وهي مركز النشاط النووي، وضربها وتدمير منشآتها العسكرية يعني حرمان حزب الله وسوريا من مصدر التسليح والتمويل الرئيسي. إذا خسرت إيران، يخسر كل من سوريا وحزب الله.
إنما أظهرت حرب تموز/2006 أن التريث في ضرب إيران كان حكيما بسبب ظهور أسلحة لدى حزب الله لم تكن في الحسبان؛ ولو كان للحرب أن تشتعل ضد إيران لوقعت أمريكا في فخ كبير من حيث الخسائر العسكرية.
ضرب سوريا وحزب الله أولا يشكل بالون استكشاف لمعرفة بعض الأسلحة التي تملكها إيران خاصة فيما يتعلق بالدفاع الجوي. وإذا استطاعت إسرائيل أن تنهي قوة هاتين الجهتين فإنه سيتم الاستفراد بإيران وتأليب دول العالم بالمزيد ضدها. لكن السؤال: هل ستقبل إسرائيل أن تكون هي البالون الاستكشافي، أم ستصر على دعم أمريكي مباشر في حال نشوب الحرب؟ حرارة المنطقة تسخن مع الأيام، ومعها ترتفع حرارة الجدل والنقاش حول مكان الحرب وتوقيتها وكيفية أدائها.