لن ننتخب هؤلاء:-

الدكتور عبد الستار قاسم

الانتخابات النزيهة والحرة تعني إفساح المجال التام لكل شخص لكي يختار المرشح أو البرنامج الذي يراه مناسبا، إنما ذلك الذي يتمشى مع الأهداف والمصالح الوطنية. يتفق الناس عادة في الأهداف لأنها مدونة كتابة في الدستور أو الميثاق، لكنهم يختلفون في تعريف المصلحة الوطنية. اختلاف التعريفات للمصلحة الوطنية لا يعني أبدا الالتزام بالمصلحة الشخصية أو الحزبية أو العشائرية. يمكن أن يقول شخص إن المصلحة الوطنية تعني مقاومة الاحتلال بالطرق السلمية على النمط الهندي، وربما يقول آخر إن المقاومة تعني استخدام السلاح ضد الجنود الإسرائيليين، بينما يرى آخر أن المقاومة هي استعمال العنف بكافة أشكاله ضد كل الصهاينة اليهود. لكن لا يمكن أن يكون تعريف المصلحة الوطنية القبول بالرغبات الأمريكية في المنطقة، أو خدمة أفراد العائلة والأصدقاء. عندما يتحول التعريف، من الناحية النظرية أو العملية، عن البعد العام فإنه لا يمكن قبوله، ولا بد من استبعاده على اعتبار أنه ضد المصلحة الوطنية.

التعريف النظري أو العملي الذي ينحو المنحى الخاص يجب ألا يتم استبعاده فحسب، وإنما يجب أن يُقاوم لأنه يشكل خطرا على الأمة ككل. إنه يخرج عن إطار الاجتهاد في الصالح العام ليدخل في عالم الأنانية والاستحواذ وتجيير المصالح العامة لأهداف ومآرب خاصة. ومن الملاحظ تاريخيا أن كل الدول أو الثورات التي هادنت المصالح الخاصة ضعفت وتدهورت مقومات استمرارها وعناصر قوتها. نحن على الساحة الفلسطينية قبلنا الكثير من الأبعاد الخاصة على أنها أبعاد وطنية فدخلنا في متاهات من الفوضى والفساد وسوء الرؤية واضمحلال الهدف. ولهذا أصبحت الخيانة مجرد اجتهاد يجب احترامها، والتنسيق معها أحيانا.

لم يستطع الشعب الفلسطيني تنقية مسيرته من كثير من الشوائب والعيوب والانحرافات والتخبط بطريقة نضالية، والآن أمامه فرصة سياسية متمثلة في الانتخابات لتصحيح الوضع. لقد فشل شعبنا في تحقيق ذلك من خلال الانتخابات الرئاسية وانساق عدد كبير منه وراء الإعلام الذي سيرته دول ذات مصالح في إبقائنا على حال فوضوي، وبإمكانه الآن أن يتدبر الأمر على الرغم من أن الانتخابات التشريعية ليست بذات أهمية الانتخابات الرئاسية.

إذا وضعنا المصلحة العامة في مواجهة المصلحة الخاصة وكنا من الذين يخشون الله ويعرفون قيمة الأمانة وثقلها، فإنه من واجبنا ألا ننتخب الذين تنطبق عليهم المواصفات التالية:

أولا: لن ننتخب من خرج عن الميثاق الوطني الفلسطيني وألغاه لأنه قام بعمل كبير جدا يتطلب موافقة جميع الفئات والأشخاص المؤثرين في المجتمع الفلسطيني. الميثاق عبارة عن كتاب يحدد الأهداف ويوضح الطريق، وإذا كان لا بد من تعديله أو تغييره فإنه لا مفر من التداول الصريح لتحقيق شبه إجماع فلسطيني عليه. الذين عدلوه أو وافقوا على تعديله انصاعوا لأوامر الأجنبي وألحقوا الكثير من الضرر التنظيمي بالشعب الفلسطيني. هنا لا أتحدث عن موافق على الميثاق أو غير موافق، وإنما أتحدث عن أمانة يجب التفكير مرارا وتكرارا في كيفية أدائها على أحسن وجه. من لم يكن أمينا على الميثاق الذي ساهم هو في وضعه لا يمكن أن يكون أمينا على التشريع للشعب الفلسطيني؛ ومن خانه شرعته الأولى يخون شرعته الثانية.

عوانها سواء قصدوا ذلك متعمدين أو لم يتعمدوا. الفاسد هو الساقط أخلاقيا، لا مفر سيهبط إلى أحضان العدو وسيجر معه كثيرين من لاحسي الملاعق القذرة.

ثالثا: يجب ألا ننتخب أي شخص تعاون أو يتعاون أمنيا مع إسرائيل. هناك أشخاص وقيادات تتعاون مع إسرائيل أمنيا وذلك من خلال تقديم المعلومات عن أبناء الشعب الفلسطيني، أو تسليم فلسطينيين لليهود، أو اعتقال فلسطينيين من أجل الأمن الإسرائيلي. هناك من سلموا فلسطينيين لليهود، وهناك من يجتمعون مع اليهود بهدف التنسيق الأمني، الخ. هؤلاء ضد الوطن وضد الدين، وكل من ينتخبهم يصبح شريكا في جرائمهم.

رابعا: لن ننتخب الذين يتلقون الدعم من الولايات المتحدة والدول الغربية. أي دعم يأتي من الخارج يجب أن يكون لصالح الشعب الفلسطيني وليس لصالح شخص أو فئة معينة. هناك أشخاص وفئات تتلقى دعما من الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية من أجل تسهيل فوزها في الانتخابات. هؤلاء أعوان الدول الأجنبية ويأتمرون بأوامرها، ونحن لن نخضع لرغباتها، ولن نكون أغبياء إلى حد انتخاب زبائنها.

خامسا: لن ننتخب العشائريين الذين ينطلقون من منطلق عائلي ويحرصون على المصالح العائلية دون المصالح الوطنية. هؤلاء لا يخدمون سوى عائلاتهم، وكلما تضاربت المصلحة الوطنية مع المصلحة العائلية يختارون المصلحة العائلية. هذا ينطبق على الفئويين الحزبيين الذين يتعصبون لحزبهم أو تنظيمهم على حساب المصلحة العامة.

سادسا: لن ننتخب الذين يبالغون بالدعاية الانتخابية. هناك من يغدقون الأموال على الأعوان وعملتهم بالدولار، ويتباهون بأعداد الصور التي يلصقونها وبحجم هذه الصور والأضواء المسلطة عليها. هناك ملايين يتم صرفها الآن في فلسطين، ويصعب جدا التصديق بأن جيوب المرشحين تتدفق بينابيع المال الوفير. هؤلاء المسرفون إنما يريدون شراء الأصوات أو تعمية الناس من خلال البهرجة الانتخابية. مشكوك في كل مرشح يبالغ بالدعاية الانتخابية من حيث التمويل، وطريق السلامة تتطلب عدم انتخابه.

سابعا: لن ننتخب الذين يمتطون السيارات ذات اللوحات الحمراء. هذه السيارات ملك الشعب الفلسطيني، وإذا كان لا بد من استعمالها فيجب حصر ذلك في الأعمال العامة. السيارة ذات اللوحة الحمراء ليست ملكا لشخص، واستعمالها الشخصي يؤكد أن مستعملها عبارة عن فاسد ويلحق الأذى بالمصلحة العامة.

ثامنا: لن ننتخب من كانت وعوده أكبر من حجمه. عام 1996، نحن انتخبنا من قالوا لنا إنهم سيحررون القدس وسيكنسون الاحتلال كنسا وسيعيدون اللاجئين. من المفروض أننا اعتبرنا، وعلمنا أن أصحاب الأفواه الكبيرة والأيمان المغلظة أعجز من أن يفوا بوعودهم، ورحم الله من عرف قدر نفسه.

تاسعا: لن ننتخب الذي يحملون بطاقة VIP والتي تعني very irresponsible person أي شخص مستهتر جدا. لولا أن هؤلاء غير محترمين لما أعطاهم اليهود مثل هذه البطاقات ليمروا على الحواجز بسهولة ويسر. الذي يريد تمثيل الشعب الفلسطيني يجب أن يعيش حياة كما يعيش الشعب الفلسطيني، ويجب أن يذوق طعم المعاناة لكي يعرف ماذا سيصنع للشعب الفلسطيني. ومن يريد وطنا لا بد من أن تذوق قدماه وعورة الجبال.

اقرأ بلغة English