للضعف فلسفة
الدكتور عبد الستار قاسم
القاعدة بأن الضعيف يقطف ثمار ضعفه صحيحة، لكن هل الضعف فلسفة حياة أم نتاج ظروف موضوعية؟ قد يكون الضعف نتاج ظروف موضوعية لا يتحمل الضعيف نشأتها وتطورها. قد يرث المرء الفقر عن أبيه، أو الوضع الاجتماعي الصعب عن العائلة. لكن الموضوعي قد يصبح ذاتيا إذا استكان المرء للظرف الذي ورثه أو الذي وجد نفسه فيه ولم يعمل على تغييره. هناك من يحاول التحرر من أسر الضعف، وتبقى درجة نجاحه مرتبطة بالعديد من العوامل الموضوعية والذاتية.
من الناس من تتهيأ له ظروف القوة فيستغلها ويدعمها بالعوامل الذاتية فيزداد قوة، ومنهم من يعتاش عليها ليجد نفسه عالة على الآخرين. قد يرث المرء الثراء عن أبيه، وبدل أن ينميه يبدده على الشهوات والملذات. تلعب العوامل الذاتية هنا خصما للعوامل الموضوعية، فيلقي صاحب الحانة في النهاية بالمبذر الذي لم يعد قادرا على دفع الفاتورة خارجا على الرصيف وهو لا يجد ما يسكره.
محاولات الخروج من حالة الضعف تنفي عن الضعيف الذل والهوان لأنه يحاول. يبقى مستضعفا ما دام ضعيفا، لكنه يبقى صاحب عزة وكبرياء إذا حاول الخروج من حالة الضعف، وربما، بمحاولاته، يصنع لنفسه هيبة تخفي الكثير من الضعف الذي تغطيه المحاولات. لكن المأساة تكون قد استوطنت عندما يكون الضعف فلسفة حياة أو استكانة لما هو قائم.
فلسفة الضعف لها أصولها ومقوماتها مثلما لفلسفة القوة أصول ومقومات، إنما بفارق واحد وهو أن فلسفة القوة واعية، وفلسفة الضعف قد تكون واعية أو غير واعية. ليس من السهل أن يكون المرء ضعيفا ويحافظ على ضعفه لما يتطلبه ذلك الكثير من الكسل والتواكل والرغبة في العبودية والجري وراء الشهوة الحيوانية والتوسل والتسول. على الضعيف أن يقاوم طاقات إنسانية أودعها الله فيه وأن يتخلى عنها لصالح أوضاع مرفوضة إنسانيا وهي الانحطاط والهزيمة والاعتماد على الغير. إنه يقاوم طاقاته الجسمانية الذي تدفعه إلى العمل والإنتاج ليبقى في البيت أو متسكعا في الشوارع لا يعبر عن مخزونه من قوة العضلات؛ وهو يقاوم طاقة الإنسان الدافعة نحو تحقيق الإنجاز ليبقى على الهامش ويُصنع الإنجاز عليه.
امل الطاقات لتوفر الانسجام في الحياة الإنسانية والذي هو مبعث الراحة الإنسانية والطمأنينة، وفي هذا يمكن تفسير التفاوت في نظرات الناس إلى الحياة.
إذا فشل المرء في تفجير طاقاته المودعة فيه أو لم يحاول تفجيرها فإنه يعيش حياة عدم انسجام وناقصة التعبير الطبيعي، وهو بذلك يستعيض بمتابعة الاعتيادي على حساب الطبيعي. تحل العادات والتقاليد أو ما تعارف عليه الناس محل الانبثاق الضروري للقوى الطبيعية المتأصلة. من المحتمل جدا أن يعيش الإنسان في هذه الحالة وضع اغتراب مع نفسه فيضعف ويضمحل ويشعر بالعجز والهوان، ويستسلم للقوى الخارجية.
يتطلب العمل على الاستفادة من الطاقات المودعة النشاط والحيوية والوعي والرؤية الواضحة والاحترام الذاتي. كثيرون هم الذين لا يريدون أن ينشطوا ولا يرغبون في العيش مع الوعي، ويفضلون الكسل والتواكل والغيبوبة عن حيوية الحياة. إنهم يرون في الاستسلام للواقع وقبول ما تمليه إرادة الغير ذكاء يوفر لهم الهدوء والابتعاد عن المشاكل وتعقيدات الحياة، ولا يرون أي عار في انصياعهم لإرادة الغير حتى لو انتهك حقوقهم وحرماتهم ومقدساتهم.
يغطي هؤلاء ضعفهم بتبريرات تبدو عليها الحكمة ورجحان العقل. فمثلا يقولون إن مواكبة الحدث والمشاركة في الأعمال العامة لا يجلبان غير الهموم والوقوع في الآثام، وخير الناس من ترك الناس. ولا ينسون إضفاء صفة القدسية على كسلهم وانصياعهم فيقولون إن كل شيء يحصل هو بإرادة الله، وأن على الإنسان ألا يشقى ولا يتعب؛ أو ربما يقولون إن كل شيء بيد أمريكا القادرة على صياغة المؤامرات ووضع المخططات التي لا يستطيع أحد الإفلات منها. وإذا زادت الضربات على رؤوسهم ولحقت بهم الهزائم المتتالية فيقولون إن المؤمنين أشد بلوى، وهكذا. ولا غرابة في مجتمعنا العربي أن نحول آثام الكسل والتراخي إلى خطوات مقدسة تحرسها الملائكة.
أقول هذا لكي لا يستغرب أحد استضعاف العرب وإذلالهم المتكرر على أيدي أمم كثيرة. يتحدث العرب الآن عن قوة إيران المتصاعدة، لكنهم لا يتحدثون عن أسباب عجزهم وضعفهم. يبادرون إلى تعدادا المؤامرات التي يقعون فريسة لها، لكنهم لا يتعبون أنفسهم باستخدام ما أنعم الله عليهم من مصادر قوة. ما الذي منعهم من العمل على تحصين أنفسهم وهم يملكون الطاقات والقدرات؟ بالتأكيد ليست إرادة الله، ولا لأنهم خير أمة أخرجت للناس.