أرضية المقاومة الفلسطينية

قامت منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 بقرار من القمة العربية بهدف تمثيل الشعب الفلسطيني وتشكيل رأس حربة فلسطينية للجهود العربية الرامية إلى تحرير فلسطين. تبنى ميثاقها الذي صدر عام 1964 البعد القومي للقضية الفلسطينية واعتبر فلسطين بلدا عربيا تقع مسؤولية تحريره على العرب كما على الفلسطينيين. واعتبر الميثاق فلسطين الانتدابية (كما رسمها لاستعماران الفرنسي والبريطاني) بلد الفلسطينيين الذي يجب تحريره بقوة السلاح. وأكد الميثاق على ضرورة اتحاذ الخطوات الكفيلة بالتحرير وإحداث برنامج تربوي يخدم هذه الخطوات. ورفض الميثاق الهجرة الصهيونية إلى فلسطين، كما اعتبر القرارات الدولية الخاصة بفلسطين وبالتحديد القرار الخاص بالتقسيم باطلة ولاغية.

عملت منظمة التحرير الفلسطينية على حشد الطاقات الفلسطينية خلفها دون إغفال للقوى العربية، وعمدت إلى إنشاء جيش التحرير الفلسطيني. لكن المنظمة لم تكن على قدر مسؤولية الهدف ودخلت في الصراعات العربية الداخلية مما أفقدها جزءا من الوهج الإعلامي والأمل الجماهيري الذي حظيت به مع بداية إنشائها. وما أن هُزم العرب في حرب حزيران عام 1967، حتى أخذت منظمة التحرير"القومية" تتهاوى لصالح القوى الفلسطينية التي أخذت تنشط على الساحة.

كانت حركة فتح بقيادة ياسر عرفات أبرز الحركات الفلسطينية التي أخذت تتصدر العمل الفدائي أو المقاومة المسلحة ضد إسرائيل. ومن المعروف أن المشاورات شبه السرية حول تشكيل حركة التحرير الوطني الفلسطيني( فتح) قد تواكبت إلى حد ما مع الفترة التي أخذ الرئيس الراحل جمال عبد الناصر يفكر بإنشاء منظمة التحرير. حاول أحمد الشقيري، أول رئيس لمنظمة التحرير، الاتصال بالقائمين على محاولات تشكيل حركة فتح لاقناعهم بالانضمام إلى المنظمة غير المعلنة بعد إلا أنه فشل. في المقابل، حاول ذلك النفر الساعي إلى تشكيل تنظيم فلسطيني إقناعه هو بالعدول عن السير في ركب أي من الأنظمة العربية والالتحاق بهم والعمل معهم إلا أنه رفض.

في الوقت الذي كانت منظمة التحرير الفلسطينية تعكس وجهة نظر الساعي إلى إقامتها وهو الرئيس عبد الناصر، كانت حركة فتح تتجه نحو وجهة نظر أخرى. أراد عبد الناصر أن تتبنى منظمة التحرير البعد القومي، بينما كان يفكر مؤسسو حركة فتح بالبعد الوطني. رأى مؤسسو فتح أن الساحة العربية تغرق وقتئذ بالصراعات الداخلية التي تستهلك الوقت والجهد وتلحق الضرر بالقضية الفلسطينية، ولم يكونوا على يقين بأن أيا من الأنظمة العربية يسعى بجد نحو تحرير فلسطين. ولهذا رأوا أن على شعب فلسطين أن يحمل همه على كتفه وأن يدخل حلبة الصراع المسلح ضد إسرائيل.

رأت حركة فتح أن الهدف هو تحرير فلسطين، وأن الكفاح المسلح هو الطريق نحوه. لم تطرح الحركة ما يشير إلى إمكانية التنازل عن ذرة تراب من أرض فلسطين، ودعت الشعب الفلسطيني إلى حمل السلاح وخوض حرب عصابات تنتهي إلى التحرير وعودة اللاجئين إلى بيوتهم وأرضهم. وقد أوضحت الحركة تماما أنها لا تنوي التدخل بالشؤون العربية كما أنها أصرت على ضرورة عدم تدخل الآخرين بالشؤون الفلسطينية.

عملت حركة فتح على أن تكون حركة الشارع الفلسطيني أو الجماهير الفلسطينية، ولهذا حرصت على عدم الولوج في مداخل فكرية أو تبني طروحات فكرية أو أطر فلسفية، واكتفت برفع شعار الكفاح المسلح لتستقطب في صفوفها كل من توفرت لديه النية في حمل السلاح والقتال من أجل الحرية والتحرير. ولهذا فتحت الأبواب أمام الفلسطينيين على مختلف معتقداتهم ومشاربهم الفكرية للانضمام إلى صفوفها.

وجدت حركة فتح صعوبة في الاستقطاب والتأثير الجماهيري قبل عام 1967 بسبب مناوءة دول عربية لطروحاتها وبسبب غضاضة أجهزتها الإعلامية وسرية تحركها. لكن الأمر تغير بعد الحرب إذ أصبحت الحركة سيدة الموقف في المنطقة المحيطة بفلسطين المحتلة. بدأت الحركة تتحرك وتهاجم المواقع الإسرائيلية في الوقت الذي كان فيه الناس يعتصرون ألما وحسرة لما حاق بالبلاد وما لحق بالجيوش العربية من إذلال، وفي الوقت الذي لم تكن فيه الأنظمة العربية المهزومة قادرة على مواجهة الناس وتبرير ما حصل. قفزت حركة فتح إلى صدارة الموقف لأن الناس وجدوا فيها العزاء والفرصة لاستعادة الكرامة والهيبة العربية. لقد امتلأت صدور الناس بمشاعر الذل الممزوج برغبة الانتقام واستعادة ماء الوجه والاحترام، فتهللوا فرحا بالتطور الفلسطيني الذي يمكن أن يحقق ما فشلت في تحقيقه الأنظمة العربية.

حفز نشاط حركة فتح ظهور فصائل فلسطينية أخرى، فظهرت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بعد حوالي ستة أشهر من هزيمة حزيران. تعود الجبهة الشعبية في أصولها إلى حركة القوميين العرب، وآثر زعماؤها التحول إلى تنظيم فلسطيني مقاتل بعد الهزيمة التي اعتُبرت هزيمة للقوميين العرب. هزم في حرب عام 1967 الرئيس جمال عبدالناصر الذي كان يدعو إلى الوحدة العربية وحزب البعث العربي الاشتراكي الذي حمل لواء الوحدة ودافع عنها. اهتزت أسس القوميين العرب بعد الحرب وفقدت جدلياتهم الجزء الأكبر من بريقها، ولم تجد حركة القوميين العرب حرجا من التحول إلى تنظيم فلسطيني. لكن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة الدكتور جورج حبش لم تتخل في حينه عن فكرة القومية العربية وأوضحت أنها تنظيم فلسطيني منفتح على العرب ويدعو إلى الوحدة العربية.

المهم أن الجبهة الشعبية أخذت تنافس حركة فتح على استقطاب الجماهير وتنظيم المتطوعين وتدريبهم وشن العمليات العسكرية ضد إسرائيل. لم يكن التنافس بين الحركتين عندئذ تنافسا كلاميا أو تجريحيا أو تشهيريا بل كان تنافسا في مجال مقاومة الاحتلال الصهيوني. هذا وقد بقيت اليد الطولى لحركة فتح وبقيت هي الحركة الأكثر قوة وقدرة, يعود ذلك إلى خبرة تنظيمية سرية أكثر وإلى مساعدات أفضل من بعض الدول العربية سواء على صعيد التسهيلات أو الهبات والمنح المالية.

أدى مجمل نشاط حركة فتح ومعها الجبهة الشعبية إلى قلب الطاولة على قيادة منظمة التحرير الفلسطينية. سرعان ما استقال أحمد الشقيري، رئيس المنظمة حينئذ، ليحل محله رئيس معين من قبل المقاومة الفلسطينية بخاصة حركة فتح. حل يحيى حمودة في أواخر عام 1967محل الشقيري، وجرى ترتيب على مستوى اللجنة التنفيذية للمنظمة لإعادة هيكلة المنظمة وتعديل الميثاق القومي الفلسطيني. وتبعا لنظرة حركة فتح لماهية الصراع ضد إسرائيل والتي تحمل في طياتها البعد الوطني أو القطري تم تعديل الميثاق القومي ليصبح الميثاق الوطني الفلسطيني، ولتصبح فلسطين وطن الشعب العربي الفلسطيني بدلا من فلسطين وطن عربي.

تم انتخاب ياسر عرفات من قبل المجلس الوطني الفلسطيني رئيسا للمنظمة وذلك عام 1969، وما زال يرأسها حتى نهاية إعداد هذا الكتاب.

أخذت منظمة التحرير حريتها في العمل في عدد من الدول العربية، وأشاد بها القاصي والداني من المتحمسين للعروبة وتحرير فلسطين والآملين برد كيد الأعداء. صحيح أن أعداء المنظمة داخل بعض الأنظمة العربية كانوا يتربصون بها لكن شعبيتها بين الجماهير حالت دون التفكير في مواجهة مدها بصورة مباشرة، على الأقل في المراحل الأولى التي تلت هزيمة 1967.

معركة الكرامة:

شهدت منظمة التحرير الفلسطينية تطورات كبيرة ومثيرة بعد معركة الكرامة التي دارت بين القوات الاسرائيلية من جهة وقوات المقاومة الفلسطينية والجيش الأردني من جهة أخرى. ففي 21 آذار، مارس/ 1968اجتازت القوات الإسرائيلية خط النار مع الأردن وهو نهر الأردن بهدف القضاء على المقاومة الفلسطينية التي كانت تتخذ من مخيم الكرامة في غور الأردن مركز ميدانيا رئيسا لها. دخلت القوات الاسرائيلية المزودة بالمدرعات والمجنزرات والملالات والمدعومة بالطائرلت الحربية لتقضي، حسب التصريحات الرسمية الإسرائيلية، على المقاومة الفلسطينية. لم تكن القوات الفلسطينية مزودة بتجهيزات عسكرية مكافئة واعتمدت على أسلحة خفيفة وإرادة قتالية صلبة وعلى أسلوب حرب العصابات. دارت معركة حامية الوطيس داخل المخيم استمرت من الفجر حتى المساء. تدخل الجيش الأردني بعد عدة ساعات من بداية المعركة، وقد كان لذلك وقع كبير في سير المعركة وأحدث توازنا نسبيا بين القوى.

دمرت إسرائيل المخيم واستطاعت أسر عدد من رجال المقاومة، وسقط عدد من الشهداء من صفوف المقاومة والجيش الأردني. وقد تكبدت إسرائيل خسائر غير متوقعة في المعدات والأنفس.

على الرغم من أن خسائر الجانب العربي كانت كبيرة إلا أن المعركة كانت مفخرة بالنسبة للعرب بخاصة للمقاومة الفلسطينية. فقد كانت المعركة القوية الأولى التي جسدت مواجهة حقيقية بين العرب والجيش الإسرائيلي بعد حرب عام 1967. استبسلت المقاومة الفلسطينية وكذلك فعل الجيش الأردني وخاضا معركة اختلفت في الأداء والصيالة عن حرب 1967 التي كانت مهزلة في تاريخ الحروب. بعثت المعركة في نفوس العرب الحماس ومشاعر العزة والكرامة، وشعروا أنهم أهل للمعارك وقادرون على إعادة تنظيم صفوفهم وتلقين إسرائيل دروسا في القتال والكر والفر.

كانت المعركة، على وجه التخصيص، انتصارا للمقاومة الفلسطينية فتَحَ أمامها الأبواب للتطور والتطوير وزيادة حدة الحشد والاستعداد. لقد بهرت المعركة العرب والمسلمين فازداد احترامهم للمقاومة الفلسطينية ورغبتهم في تقديم الدعم لها. وهكذا كان. تدفقت أعداد المتطوعين على المقاومة الفلسطينية بخاصة على حركة فتح، وتدفقت التبرعات وفتحت وسائل الاعلام أبوابها وصدورها للدعم والتعريف بأهداف المقاومة وبطولاتها.

على الرغم من السمعة الطيبة التي كسبتها المقاومة ومن الشعبية الجارفة التي حظيت بها على مستوى الوطن العربي إلا أن مشاكل عدة قد نجمت عن التطورات التي تلت أحاول أن أشرح بعضها فيما يلي:

أولا:اختراق صفوف المقاومة الفلسطينية بشكل خطير من قبل أجهزة مخابرات مختلفة. لم تكن صفوف المقاومة بمنأى عن الاختراقات الأمنية من قبل أجهزة المخابرات المعادية قبل معركة الكرامة إذ اتضح أن بعض العمليات العسكرية التي قامت بها المقاومة في منطقة الأغوار ضد الأهداف الاسرائيلية قد فشلت بطريقة تضع علامات استفهام على مدى سرية العمل العسكري. فشلت عمليات وهي على وشك التنفيذ وهوجمت مجموعات عسكرية من قبل كمائن عسكرية إسرائيلية نصبت سلفا. كما أن معركة الكرامة ذاتها بينت أن الإسرائيليين كانوا يملكون معلومات لا بأس بحجمها وأهميتها حول تحركات ومراتب رجال المقاومة الفلسطينية. لكن هذا الاختراق اتسع وتمدد وتجذر بعد معركة الكرامة.

عملت المقاومة الفلسطينية عن قصد أو غير قصد على فتح أبوابها للمتطوعين الذين وفدوا من مختلف الدول والبقاع، ولم يكن يمنعها من قبول أحد إلا محدودية طاقتها الاستيعابية. لم تعمد المقاومة إلى تفحص الأشخاص المتطوعين ولم تلجأ إلى التدقيق بماضيهم ولم تخضعهم لفترة اختبارية من أجل التأكد من نواياهم. أصبح الدخول في صفوف المقاومة عملية سهلة ولا تكلف الشخص سوى الإعلان عن نواياه واستعداده للانضمام إلى الثوار. وبهذا تحولت صفوف المقاومة وبالأخص صفوف حركة فتح إلى ما يشبه الزفّة التي يمكن أن يشارك بها أي عابر سبيل.

بعثت أجهزة المخابرات المختلفة وعلى رأسها المخابرات الاسرائيلية والعربية والأمريكية بمندوبيها ليصبحوا رفاق سلاح مع المقاتلين الفلسطينيين، وليصبحوا إداريين وقادة في مختلف الفصائل.

ثانيا: تجاوُز شعب وقيادات شرقي الأردن. شعرت المقاومة الفلسطينية بالكثير من العظمة بعد معركة الكرامة وبالكبرياء الزائدة عن اللازم، فأخذت تتصرف على أنها الآمر الناهي في شرقي الأردن. هنا لا أتحدث عن النظام الأردني وإنما عن الناس الذين من المفروض أن يشكلوا العمق الإنساني والمعنوي والمادي للمقاومة.

كانت العقدة العربية التفاخرية موجودة لدى رجال المقاومة قبل معركة الكرامة، وهي عقدة سلوكية يتناقلها العرب من جيل إلى جيل وما زالت موجودة بصورة قوية حتى الآن. يدعو مصدر القوة سواء كان مالا أو سلاحا أو منصبا أو جاها أو غير ذلك إلى نوع من التصرف بفوقية أو أبوية تسلطية، وإلى استعراض الذات وتأكيد قدراتها في مواجهة قدرات الآخرين. وهذه عقدة تشكل مظهرا بارزا من مظاهر التخلف العربي وسببت للعرب الكثير من المشاكل الداخلية والنزاعات وساعدت في صنع أجواء الكراهية والعداء بين العائلات المختلفة وكذلك بين الأفراد.مارس رجال المقاومة هذه العقدة قبل معركة الكرامة، لكن ممارستها تضاعفت بحجمها وتهورها بعد المعركة. شعر رجال المقاومة أنهم سادة الموقف وصانعو معركة البطولة التي رفعت رؤوس العرب، وبدل أن يتواضعوا ويقتربوا من الناس أخذوا يقومون بأعمال تحت شعار يحق للفدائي ما لا يحق لغيره، ويتصرفون على أنهم القادة الذين يخططون ويقررون ويأمرون وينهون. ولم تكن هذه ممارسات العناصر والأفراد، وإنما كانت أيضا ممارسات القيادات.

أدت الممارسات هذه إلى نتيجتين:

أ- كراهية الناس بالأخص الأردنيين للمقاومة الفلسطينية بصورة خاصة والفلسطينيين بصورة محدودة. أخذت المقاومة الفلسطينية زمام الأمور بأيديها وعملت على أن يكون الأردنيون ومن ضمنهم القادة الوطنيين ووجهاء العشائر وقادة الفكر تابعين لها ويأتمرون بأوامرها. لقد همشت المقاومة زعماء الأردن وقادتها ووجهاءها وقلصت أدوارهم ووجهت إليهم الإهانات، ووضعت الفلسطيني في مرتبة أعلى في مواجهة الأردني.

ساد اعتقاد عندئذ لدى عدد من قادة المقاومة وعدد من الناس الفلسطينيين العاديين بأن الأردنيين متخلفين وغير قادرين على القيادة والتفكير السليم، وأنهم بحاجة إلى سنوات طويلة قبل أن يخرجوا من حياة البداوة البدائية. وساد ظن بأن الفلسطينيين هم أهل الثقافة والعلم وأنهم يتفوقون على شعوب الأمة العربية الأخرى. وقد كرست قيادات المقاومة الفلسطينية هذا الوهم وضيق الأفق مما دفع الفلسطينيين إلى تصرفات خارجة عن التوازن والاتزان.

صحيح أن العربي غربي الأردن حظي بقسط من التعليم أكثر من العربي شرقي الأردن لأسباب مختلفة، لكنه ما كان يتوجب أن يتناسى الفلسطيني أو ينسى أن شرقي الأردن كان إحدى المناطق العربية التي لجأ إليها. وصحيح أن هذه الأرضية لم تكن مريحة واحتوت على منغصات ومشاكل لكنها كانت أفضل من أرضية أخرى تضع الفلسطيني في تيه. كان من المفروض أن يتحلى قادة المقاومة بنظرة توازنية ومن منطلق أن العرب في كل مكان يواجهون نفس المصير، ومعا يبنون مستقبلهم، لكن الممارسة الفوقية كانت أقوى من الاعتبارات العقلية.

ب- إرتفاع حدة الوعي القطري والشعور بالانفصال لدى الشعبين الأردني والفلسطيني. كان هذا الوعي موجودا قبل المقاومة الفلسطينية لكنه كان على وتيرة هادئة وخاصا برجال السياسة وبعض المثقفين، ولم تكن له جذور ضاربة في الشارع الفلسطيني والأردني. اختلف الأمر على إثر هذه الممارسات وأخذت مشاعر الانفصال تضرب جذورا عميقة وتأخذ حيزها في الانفعال الأردني والفلسطيني. وبهذا لا أقصد هنا أن أبرىء قادة في الجانب الأردني من الدفع بهذا الاتجاه أو أنفي دورهم التخريبي في درب وحدة الشعب العربي في القطرين، لكنني أركز على الدور الفلسطيني لأنه هو المبادر إلى المقاومة وهو من المفترض أن يكون معنيا بالبحث عن أسباب القوة وصنع الظروف الملائمة للاستمرار والتحصين وحشد الطاقات المختلفة.

تكرس هذا البعد القطري في التعامل مع الميثاق الوطني الفلسطيني الذي كان تعديلا للميثاق القومي الفلسطيني. طبعا لا يمكن أن نفصل التطور الميداني “لقطرنة” البعد الفلسطيني عن منطلق حركة فتح أساسا، لكن المسألة تمت بصورة فجة كان من شأنها قطع الأواصر وخلق أجواء من الكراهية والأحقاد والمواجهة. وبهذا بدأت مرحلة من الابتعاد عن الجماهير العربية وحصر الفلسطينيين ضمن فلسطينيتهم، وفيه أيضا ما ينسجم مع رؤية عدد من الأنظمة العربية لكيفية ترتيب الأوضاع في الوطن العربي المنطلقة من التحوصل وخلق ثقافات متباعدة بين الشعوب العربية.

أدخل هذا الأمر الفلسطينيين ضمن دائرة الصراعات الرسمية العربية وأبعدهم عن دوائر البحث عن انسجام شعبي على مستوى الوطن العربي، مما كان له انعكاسات خطيرة على القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني في السنوات التي تلت، والتي ما زلنا نشهدها حتى الآن.

ثالثا: التدهور الأخلاقي على مستوى التعامل اليومي. خرج العديد من أفراد المقاومة الفلسطينية عن حدود السلوك اليومي القويم وأخذوا يتجاوزون بصورة فظة بما في ذلك التدخل في شؤون الناس الخاصة والاعتداء على ممتلكاتهم والمس بأعراضهم. أخذ يتصرف العديد من أفراد المقاومة وكأنهم أصحاب السلطة وأصحاب القرار مما خلق أجواء من الاشمئزاز لدى العديد من الناس في الأردن بخاصة الأردنيين منهم.

كانت تتم التجاوزات تحت سمع وبصر القيادات الفلسطينية، ولم تكن قوات الانضباط التنظيمي تقوم بواجبها. بل أن القيادات ذاتها ومسؤولي الانضباط كانوا سباقين في الانحراف والتدهور الأخلاقي. لم تكن هناك قواعد أخلاقية تضبط تلك القيادات ولا معايير تقوم على سعة الأفق والحرص على الميزان وقيم العدل. ومن البديهي أن يتراكم رد فعل جماهيري سلبي اتجاه المقاومة الفلسطينية والقائمين عليها. وعلى الرغم من الأصوات الفلسطينية والأردنية الكثيرة التي نبهت إلى خطورة السلوك المنحرف إلا أن القيادة الفلسطينية لم تعمل على تصحيح الأخطاء وتركت الأمور تستفحل.

أساء العديد من أفراد المقاومة لمختلف فئات الناس. حاولوا ابتزاز التجار، ولاحقوا النساء، وأهانوا الضباط في الجيش، وعبثوا في المؤسسات العامة، وعملوا على إذلال المسؤولين، وتدخلوا ما بين الزوج وزوجه وما بين الأخ وأخيه، الخ. هذا ناهيك عن الاستعمال الارتجالي واللامنطقي للسلاح الذي كان بين أيديهم. كان ينطلق الرصاص في شوارع المدن عامة لسبب أو لغير سبب ولأتفه الأمور. تجاوزت تلك الأعمال كل المقاييس التي يمكن أن تكون مقبولة أخلاقيا وتناقضت تماما مع المتطلبات الأخلاقية للثورة والتحرير.

هذا لا يعني في أي حال من الأحوال أنه لم تكن هناك جهات تعبث بالوضع وتقوم بالممارسات اللاأخلاقية وذلك بهدف الاساءة للمقاومة الفلسطينية. لقد عملت بعض الجهات على تجنيد أناس من أجل القيام بالأعمال المخلة بالأدب والأخلاق القويمة بهدف صنع هوة كبيرة من الكراهية بين رجال المقاومة وعموم الناس والذي من شأنه أن يقود إلى صراع وتفتيت للقوى. من شأن الثورة أن تشكل خطرا على عدة جهات في المنطقة، والإساءة إليها وتخريبها من الداخل خاصة يشكلان أولوية لهذه الجهات.

رأس الأفعى كان الملك حسين الذي كان يتحفز للانقضاض على المقاومة الفلسطينية ليس لأنها كانت تسيء للناس وإنما لأنها كانت تتناقض مع الغرض من وجوده كحاكم لشرقي الأردن يعمل على حماية الحدود الشرقية لإسرائيل. نصب الإستعمار البريطاني عائلة الملك على شرقي الأردن مقابل أن تدافع عن المصالح الغربية الاستعمارية وأن تنفذ الأهداف الغربية في المنطقة العربية. وحيث أنه لم يكن بمقدور الملك أن يضرب المقاومة الفلسطينية مباشرة بعد الهزيمة، وجد أنه من المهم خلق الظروف المناسبة لتوجيه ضربة مبررة جماهيرية. وبالتأكيد كان الملك سعيدا بسوء صنيع رجال المقاومة وعمل جهده على إنشاء تشكيلات تعمل تحت شعار المقاومة لتعزز الاستياء الشعبي الذي برر للملك أعماله ضد المقاومة.

لكن المشكلة ليست حقيقة في الجهات الخارجية وإنما في المقاومة الفلسطينية ذاتها التي كانت تسمح بالتجاوزات وتغض الطرف عنها. أي أن المقاومة ذاتها قد خلقت الأجواء المناسبة للقوى المختلفة لتنفيذ مآربها. وبما أن القيادة الفلسطينية كانت تعي ما يجري داخل المقاومة، وهي نفسها كانت تمارس ذات الممارسات فانها تلتقي في النهاية مع القوى المعادية عن قصد أو عن غير قصد.

لقد زرعت منظمة التحرير الفلسطينية بأعمالها بذور فنائها، بل أنها تعدت ذلك لتزرع بذور الفشل على الساحة الفلسطينية وتدهور القضية الفلسطينية نحو تنازلات متواصلة كبدت الشعب الفلسطيني الكثير من الخسائر والمعاناة والأحزان والآلام. إنها لم تزرع بذرة سيئة فحسب، بل خلقت أوهاما ثورية لدى الشعب الفلسطيني مما دفع أبناءه إلى الإنخراط في الثورة التي استهلكت الجهد والدم والنفوس بلا طائل.

سارت فصائل المقاومة تتخبط في الوقت الذي خاضت فيه تنافسا ضد بعضها بعضا من أجل إثبات الزعامة ومحاولة بسط الهيمنة على الساحة. ولم يكن التنافس مقتصرا على إرسال الخلايا المسلحة عبر الأردن، بل كان أيضا من خلال المواجهة العسكرية فيما بينها. لقد فتحت الفصائل الفلسطينية النار في مواجهة بعضها بعضا عدة مرات في الأردن، وقامت بغزوات متبادلة على القواعد العسكرية والمراكز الادارية راح ضحيتها عدد لا بأس به من أبناء فلسطين.

هذا فضلا عن أن أعداد الفصائل الفلسطينية في الأردن أخذت بالتزايد. انشقت فصائل عن فصائل وظهرت فصائل جديدة وقيادات كثيرة. عدد من هذه الفصائل تم إنشاؤه من قبل الدول العربية التي كانت تتنافس على النفوذ داخل المقاومة الفلسطينية ومنظمة التحرير، وبعضها لا بد أن تم إنشاؤه من قبل أجهزة مخابرات معادية، لكن بعضها نشأ فلسطينيا. أدى ذلك إلى الشرذمة والتفتت وضعف القدرة على توحيد الصف.

لم تكن الحرب بين الجيش الأردني والمقاومة الفلسطينية عام 1970 مفاجئة. كان الصدام حتميا بسبب الوضع السياسي العام الذي يميز الأنظمة العربية ومدى استعدادها لتكريس الطاقات لمواجهة إسرائيل. أي أن المقاومة تتناقض تماما مع وضع الأنظمة العربية وسياساتها وطموحاتها، وكان الانقضاض على المقاومة خاضعا لمسألة الوقت وليس لمسألة المبدأ. وإذا كانت المقاومة قد عاشت في الأردن ثلاث سنوات فذلك بسبب ظروف هزيمة عام 1967، وليس لأن النظام الأردني كان يرغب بوجودها.

على الرغم من هذه الحتمية إلا أن المقاومة الفلسطينية قد صنعت الظروف المناسبة لتعجيل الانقضاض عليها. فبدل أن تتبع السياسات المتناسبة مع إطالة العمر، اتبعت سلوكيات تعجل من تقصير العمر. لقد أدت سلوكيات المنظمة والمقاومة بصورة عامة والمذكورة أعلاه إلى خلق أجواء معادية في أوساط الشعب العربي في الأردن سواء كان من أصل شرق أردني أو فلسطيني وأوساط الجيش الأردني. وقد كانت هذه الأجواء متناسبة تماما مع وجهة نظر النظام في كيف يجب أن تدار الأمور في الأردن والتوجهات السياسية التي يجب أن تحكمها.

كانت المحصلة خروج المقاومة الفلسطينية من الأردن.

الخروج من الأرض المحتلة/67:

لا أعني بالخروج هنا الرحيل وإنما القضاء على المقاومة الجدية في الأرض المحتلة عام 1967. وحتى أبين فكرتي أعرّف المقاومة هنا على أنها محاولة إلحاق الأذى المباشر بالعدو ومنعه من تطبيق سياساته. يشمل هذه التعريف أربعة أشكال للمقاومة أرتبها تصاعديا فيما يلي:

ا- المقاطعة والتي تعتبر أدنى أنواع المقاومة، وهي تعني عدم التعاطي مع العدو في مجالات الحياة اليومية وبالأخص في المجال الإقتصادي. من أدنى صنوف المقاومة أن يعمل الشعب الواقع تحت الاحتلال على مقاطعة القوة المحتلة وبالتحديد على عدم شراء ما تنتجه من بضائع وسلع، والتركيز على مهمة الاكتفاء الذاتي بمعزل عن العدو. هذا أقل ما يمكن أن يعمله من يأبى وجود قوة قاهرة تسيطر عليه.

عمل بعض الأفراد على تبني المقاطعة بعد الاحتلال مباشرة، وحاولوا نشر فكرتهم وترسيخها إلا أنهم فشلوا في ذلك. هناك أسباب عدة لهذا الفشل من ضمنها غياب الوعي الجماهيري بأهمية هذه الخطوة، وعدم وجودها ضمن برنامج ورؤية منظمة التحرير الفلسطينية. لقد تدفق الفلسطينيون منذ الأيام الأولى للاحتلال إلى المنشآت الاسرائيلية للعمل وتزايد عددهم مع الزمن، وأخذوا يقيمون علاقات تجارية مع إسرائيل. وهكذا ترك الناس بدون قيادة توضح لهم المخاطر والأضرار التي يمكن أن تلحق بالشعب جراء ذلك.

ب- العصيان المدني الجزئي والذي يعني الرفض الجماعي لاجراءات إحتلالية منتقاة مثل عدم دفع الضرائب وعدم ترخيص السيارات والخروج بدون حمل الهويات العسكرية. من الممكن أن يتم هذا مع إجراء المقاطعة.

ج- العصيان المدني الشامل والذي يعني الرفض الجماعي لكل إجراءات الاحتلال المدنية بما في ذلك التخلص من الهويات التي تم إصدارها. هذا مع إجراءات المقاطعة.

د- المقاومة المسلحة وهي أرقى أنواع المقاومة وأشدها وطأة على الاحتلال وعلى الناس في آن واحد. وقد ثبت تاريخيا أن هذه هي أكثر أنواع المقاومة فعالية، وعلى الرغم من أنها تكبد الناس خسائر جسيمة إلا أنها تضع الاحتلال أمام خيار الاستنزاف أو الخروج من الأرض المحتلة. ومن الناحية التاريخية، كان يختار الاحتلال الخروج.

إذا وقفنا عند هذا النوع من المقاومة وأجرينا إحصاء لمجمل الخسائر الفلسطينية تحت الاحتلال سواء كان في الأنفس أو الممتلكات أو الاعتقالات والأحزان، ربما نجد أن الشعب قد قدم تضحيات جسيمة كان من الممكن أن تقوده إلى التحرر لو قرر أن يقدمها ضمن مقاومة عسكرية متواصلة أو ثورة مسلحة. كان من الممكن للشعب الفلسطيني أن يخوض صراعا مسلحا يجعل أيام الاحتلال قصيرة مثلما حصل في الجنوب اللبناني بعد حرب عام 1982.

إذا تتبعنا مسيرة منظمة التحرير عبر سنوات الاحتلال نجد أنها لم تعمل على خلق مقاومة منهجية وفق برنامج واضح. ولم يحصل أن تبنت أي نوع من الأنواع المشار إليها بصورة منظمة إلا في مراحل قصيرة وفترات محدودة كان منها محاولة ترسيخ مقاومة مسلحة بعد حرب عام 1967 مباشرة، ومحاولة جماهير الشعب الفلسطيني تبني المقاطعة الاقتصادية خلال الانتفاضة. لم تكن في الأرض المحتلة/67 مقاومة منهجية منظمة ذات أركان وأسس وآليات تقود إلى إرغام العدو على التفكير بالرحيل من خلال خسائر لا يقوى على احتمالها سواء على المستوى الشعبي داخل إسرائيل أو على مستوى الحكومة.

قامت بعد حرب حزيران محاولات عسكرية في مواجهة العدو بخاصة في ساحل غزة. استطاعت الخلايا العسكرية السرية أن تقوم بعدد من الهجمات الناجحة ضد أهداف عسكرية إسرائيلية أدت إلى استنفار عسكري إسرائيلي وإلى خسائر في الأنفس والمعدات. لكن هذه المحاولات لم ترتق إلى ثورة، أي لم تتحول إلى ظاهرة ثورية مسلحة يتسع مداها ونطاقها وتزداد حدتها بحيث تلحق آلاما متزايدة في جانب العدو. لكنها، على الأقل، كانت خطوة في اتجاه مقاومة منظمة من الممكن أن تتعمق مع الأيام وتراكم الخبرة القتالية في حرب العصابات. وقد انتمت هذه الخلايا أساسا لحركتي فتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وبدرجة أقل الجبهة الشعبية-القيادة العامة.

بالطبع عملت إسرائيل على حشد طاقاتها لمواجهة هذه المحاولات، لكن الأمر الحاسم في تراجع هذه المحاولات تمثل في الاختراقات الأمنية في صفوف فصائل المقاومة وصفوف الشعب الفلسطيني. تم اختراق صفوف الفصائل كما أشرت سابقا وارتقى جواسيس إسرائيل وعملاؤها في سلم المسؤولية في المقاومة الفلسطينية وأخذوا يطلعون على الأسرار والخبايا مما مكن إسرائيل من الإجهاز تدريجيا على خلايا المقاومة داخل الوطن. واستطاعت إسرائيل أن تكبت هذه المحاولات وأن تمنع تطورها إلى ظاهرة ثورية يومية.

لم يعمل الجواسيس أو الاختراقات الأمنية فقط ضد أعمال المقاومة داخل الوطن، وإنما عملت أيضا ضد المقاومة خارجه أيضا. إذ أن الكثير من العمليات العسكرية التي كانت تنطلق من شرقي الأردن كانت تجهض من قبل الاسرائيليين. وعلى الرغم من أن البيانات العسكرية الفلسطينية حول هذه العمليات كانت تتحدث عن خسائر فادحة في الجانب الاسرائيلي، إلا أن الأرقام التي كانت توردها المقاومة الفلسطينية حول هذه الخسائر كان مبالغا فيها. لقد تكبدت المقاومة الفلسطينية خسائر كثيرة في هذه العمليات وأكثر مما كان يتكبده الجانب الاسرائيلي.

كان من المأساوي أن العديد من خلايا العمليات العسكرية القادمة من الخارج كان يقع في الفخ الاسرائيلي الذي كان ينصب مسبقا بناءعلى علم مسبق بالتحرك الفلسطيني. لقد استشهد العديد من أبنائنا الفلسطينيين في شراك إسرائيلي مسبق، وكان الجانب الاسرائيلي هو الذي يفاجىء الخلايا العاملة بدل أن يكون العكس. أما البيانات الفلسطينية كانت تتجاوز هذا الأمر وتعلن للجمهور عن تحقيق انتصارات متتالية ضد الاسرائيليين.

والغريب في الأمر أن بعض قادة المجموعات الذين كانوا يدخلون غربي الأردن ويعودون شرقيه تاركين وراءهم الشهداء كانوا يرسَلون مرة ثانية في قيادة مجموعات جديدة لتلقى نفس المصير. والأكثر غرابة أن هؤلاء لم يتعرضوا للمساءلة عما جرى ولم تجْر بحقهم محاكمات عسكرية. لقد كان الأمر مذهلا ومرعبا. لماذا كان يفلت شخص من رصاص العدو دون زملائه، وثم يعود إلى رأس مجموعة ليفلت مرة أخرى دون غيره ويبقى هناك في موقعه أو يرتقي إلى موقع أعلى؟ فهل كان ينظر إليه على أنه بطل استطاع أن يراوغ رصاص العدو ويثبت قدرة خارقة على النجاة؟

إن فشل العمليات العسكرية الخارجية القادمة من شرقي الأردن، وتآكل العمل العسكري داخل الوطن أظهر أن هناك خللا خطيرا في صفوف المقاومة الفلسطينية، لكن أحدا لم يتحرك لتصحيح الوضع أو التحقيق فيه أو معرفة أسبابه. لقد تركت الأمور ضمن قالب غوغائي من التأثير في الناس مغطى ببيانات عن انتصارات وهمية. ولم يكن لدى الناس بصورة عامة الوعي لإثارة التساؤلات أو البحث عن الحقائق. فقد أخذوا بفكرة المقاومة المسلحة وغلفت عقولهم الخطابات الرنانة وأزيز الرصاص الاحتفالي في شوارع عمان والجنازات الحاشدة لشهداء كانوا يسقطون على ضفاف الأردن.

يبدو أن الخلل الخطير لم يكن في الصفوف الدنيا في المقاومة، بل كان واضحا أن الاختراقات الأمنية كانت في الطبقات العليا من الهرم التنظيمي الذي كان يبدو ثوريا مكافحا على نمط جيفارا وهوشي منه وماوتسي تونغ. لقد حالت الصورة الذهنية المبنية في الشارع الفلسطيني والعربي عامة حول المقاومة ورجالاتها دون التساؤل والشك. وقد تعززت هذه الصورة بالتلفيق الإعلامي والبهرجة والشعارات والخطابات الرنانة، وترسخت بصورة واسعة بحيث أنها لم تكن حتى تسمح بمجرد التساؤل من قبل أحد يساوره شك حول ما يجري. فالتساؤل كان يعتبر خيانة لا تغتفر وعملا من أعمال الطابور الخامس الذي يخدم العدو.

كان يعتقل الأبطال الفلسطينيون ويستشهدون في ميدان المعركة، وكانت تحرص الجماهير كما القيادة على تمجيدهم والتعهد بالسير على خطاهم. لكن الجماهير لم تكن تسأل لماذا كان الاعتقال ولماذا انتهت العمليات بالاستشهاد؟ لم يسأل الناس عن سبب اعتقال خلية في غزة عملت في السر فترة من الزمن دون أن يلحق بها أذى، ولا عن نجاح الاسرائيليين المتزايد في ضرب خلايا المقاومة. ولم يسأل الفدائيون الفلسطينيون شرقي الأردن عن خسائرهم في الأنفس والقضاء على خلايا بأكملها وهي تجتاز النهر لمواجهة الإسرائيليين. هكذا سارت الأمور وكأن التفسير الخفي لكل ما يجري يقع على عاتق القدر الذي لا راد له ولا يخضع لأي عملية منطقية أو علمية.

أرخى القضاء على الخلايا العسكرية الفاعلة داخل الوطن السبيل نحو الركون إلى مواجهة العدو احتجاجيا. مع بداية السبعينات كان الإسرائيليون قد أقاموا إدارة عسكرية فعالة وسيطروا على الوضع العام في المناطق المحتلة وجندوا الكثير من الجواسيس والعملاء الذين قدموا معلومات وفيرة حول مختلف النشاطات الفلسطينية في مختلف مجالات الحياة. استتبت الأوضاع للإسرائيليين بطريقة بدا الفلسطينيون فيها وكأنهم خانعون مستسلمون ينتظرون فرجا يأتيهم من خارج البلاد. وباستثناء بعض عمليات عسكرية متناثرة على فترات زمنية متباعدة، اكتفى الشعب الفلسطيني بالاحتجاج على سياسات الاحتلال من خلال إضرابات واجتماعات مناهضة للاحتلال وتحشيد المظاهرات وغير ذلك.

مع مظاهر الاحتجاج هذه غابت عن العقول أمور بسيطة كان من المفروض أن ينظر فيها ويتم تدبرها. فمثلا لم يكن هناك تفكير في كيف يتم ترتيب أوضاع البلاد الاقتصادية بحيث يستطيع الشعب توفير لقمة العيش بدون الاعتماد على العدو، ولم يتم اتخاذ خطوات جدية نحو نثر المساكن في طول البلاد وعرضها علما أن قوانين الاحتلال بهذا الخصوص في السبعينات لم تكن صارمة كما هي الآن في التسعينات. لم تكن هناك مشاريع إسكان ولا محاولات استصلاح أراض على نطاق واسع، ولم تتوفر عقلية تبحث عن وسائل للانتاج والاعتماد على الذات. هذا فضلا عن أعداد الفلسطينيين المتزايدة التي توجهت نحو مواقع الانتاج الإسرائيلية، ونحو العمل في المنشآت العمرانية الاسرائيلية وبالأخص المستوطنات.

سارت الأمور داخل الوطن الفلسطيني بطريقة عجيبة. فلسطيني يعمل في مصنع إسرائيلي ويساهم في القدرة الإنتاجية الإسرائيلية، وآخر يبني مستوطنة على أرض فلسطينية مصادرة، وآخر ينقل آخر أخبار النشاطات للعدو، وزعامات تتحدث عن التحرير القادم من الخارج، وإمام مسجد يخطب في الناس حول الكاسيات العاريات وعورة الوطن كلها مكشوفة، وتاجر يعقد صفقات تجارية مع العدو في الوقت الذي يلوم فيه العرب على التخاذل والخيانة، ومدرس يتوارى من أسئلة طلابه عن خارطة فلسطين وسبل التحرير، وقائد مظاهرة يخطب في الناس نهارا ويلوذ إلى مراكز العدو ليلا، وأم تنشد الخلاص بالدعاء وتطلب من ابنها أن يبتعد عن طرق المس بالمحتلين. لقد امتلأ الوطن بالتناقضات وبالأفعال التي تكذب الأقوال.

وماذا عن قيادات الفصائل ومنظمة التحرير؟ لقد كانت هناك في الخارج تتحدث عن المعارك الطاحنة والانتصارات المتتالية دون أن تملك عقلا ثاقبا ولا فكرا متنورا يستطيع أن يوجه الناس نحو عمل قد يؤتي ثمارا طيبة. سارت تلك القيادات على غير هدى في موكب يتقاذفه عملاء أجهزة المخابرات وتخيم عليه أوهام النصر والتحرير. هذا إن لم يكن عدد من قيادات الصف الأول مرتبطا مع أجهزة مخابرات معادية.

المقاومة في لبنان

انتقل مركز ثقل المقاومة الفلسطينية إلى لبنان بعد أن أنهي وجودها في الأردن. كانت المقاومة موجودة قبل ذلك خاصة في منطقة الجنوب، إلا أن قياداتها كانت في الأردن، وكان قد سبق أن تم الاتفاق بين الحكومة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية على تنظيم أعمال المقاومة برعاية الرئيس الراحل جمال عبدالناصر عام 1969.

لم تكن كل فئات الشعب اللبناني متعاطفة مع القضية الفلسطينية والمقاومة الفلسطينية. فقد تراوحت مواقف تلك الفئات بين الرفض الشديد لوجود المقاومة وبين الترحاب. وجد اللاجئون الفلسطينيون والفئات اللبنانية المسحوقة اقتصاديا كالشيعة في المقاومة أملا عساه يخرجهم من أوضاعهم الحياتية المتردية وينظم صفوفهم من أجل التحرير، بينما وجد التنظيم الماروني وبعض الفئات الثرية سواء من المسلمين أو المسيحيين في المقاومة خطرا يتهددها. أي أنه على الرغم من وجود فئات من شأنها دعم المقاومة الفلسطينية، كانت هناك فئات لا يمكن أن تتعايش معها أو تتركها وشأنها. هذه فئات موالية للدول الغربية الاستعمارية وتربطها علاقات ودية مع إسرائيل، وكان صدامها مع المقاومة حتميا. هذا بالضبط كما هو حال النظام الاردني الذي لم يكن من المتوقع أن يتعايش مع المقاومة.

لكن المسألة كانت تعتمد جزئيا على المقاومة الفلسطينية وكيفية معالجتها للأمور بحيث يطول أمد وجودها على الأرض اللبنانية. بمعنى أن الصدام على الساحة اللبنانية كان متوقعا، ولكن من المهم أن تتخذ المقاومة مختلف الخطوات لتجنبه أو تأجيله لأقصى مدة ممكنة. لكن الذي حصل لم يختلف جذريا عما جرى على الساحة الأردنية. قامت المقاومة الفلسطينية بذات الممارسات التي ولدت كراهية لها في الشارع الأردني وألبت جماهير غفيرة ضدها.لم تتعلم المقاومة أي درس من التجربة الأردنية، وكررت ذات الأخطاء وذات السلوكيات.

ربما كان من الممكن أن يتجاوز المرء الأخطاء التي وقعت فيها المقاومة في الأردن على اعتبار أنها كانت حديثة العهد وغضة المراس ولا تملك تجربة عميقة في الحشد وكسب العطف والتأييد. فقادة المقاومة إجمالا لم يكونوا أصحاب تجربة غنية ولم تكن لديهم الخبرات العسكرية والسياسية والإدارية، وكان من الممكن تحت هذا التبرير أن يتفهم المرء عجز هؤلاء القادة عن ضبط الأمور وأن يعطيهم هامش الظنون الإيجابية. هذا فضلا عن أن رجال المقاومة سواء كانوا قيادات أو أفرادا كانوا متأثرين بالتقاليد العربية وليس بالتقاليد والأخلاق الثورية. فجذورهم التربوية وطريقة تفكيرهم المتأثرة بالقبلية وحب الظهور والمفاخرة والجري وراء المصالح الذاتية كانت أقوى بكثير من رغباتهم في حشد الطاقات بالصورة الأمثل التي تؤدي إلى التحرير.

لكن الجنوح نحو هذا الفهم والتبرير تبدد تماما بعد ما اتضح من سلوك المقاومة الفلسطينية في لبنان. إذ ظهر أن المقاومة وبالتحديد قادتها لم يتعلموا درسا من أجل أخذ العبر وتصحيح المسار وإنما استعملوا تجاربهم السابقة ليكرروها بشكل أكثر فظاظة خاصة في مجتمع أكثر انفتاحا من المجتمع في الأردن. بدا واضحا أنه لم تكن هناك نية لدراسة التجربة في الأردن والوقوف عند الأخطاء وأسبابها وأساليب تصحيحها. لم يجر تقييم جدي للتجربة في الأردن ولم يتم أي بحث علمي حول تصرفات المقاومة أو لوقوف الشعب جانبا وعدم دعمها عندما تعرضت لمأزق.

اجتمع قادة المقاومة الفلسطينية بعد خروج المقاومة من الأردن سواء عام 1970 أو عام 1971، لكن المداولات دارت حول التآمر على المقاومة وقوى الشر والعدوان التي حاكت الدسائس وعملت على الايقاع بالقوى الثورية التقدمية. تم لوم بعض فصائل المقاومة على بعض تصرفاتها في الأردن لكنه لم يصل إلى حد تحميل المسؤولية ولم يتطور إلى حد محاسبة القيادات والنظر في السلوكيات اليومية والعامة. كان التركيز على الغير وقوى الظلام دون التركيز على الذات وضيق الأفق، ولم يجر تقويم متوازن بحيث يعطي كل عامل من عوامل الفشل ثقله الملائم.

تعرضت المقاومة الفلسطينية إلى هزة عنيفة، بل إلى هزيمة كبيرة وفشل ذريع. دفع رجال المقاومة الفلسطينية ثمنا باهظا في الأردن، ودفع الفلسطينيون أيضا ثمنا ما زال الجزء الأكبر منهم يدفعه حتى الآن. وبالرغم من هذا لم تعقد محاكمات لقادة الفشل ولم تتم مساءلة أي أحد منهم أو تحميله المسؤولية. حصلت المأساة بهذا الحجم الكبير ولم يكن هناك من ينادي بمحاسبة الفاشلين أو على الأقل بالتحقيق بما جرى ومعرفة الأسباب والثغرات والهفوات. سارت الأمور وكأن أحدا من قادة المقاومة لم يخطىء، وكأن التفسيرات لما حصل تتعلق فقط بالغير من القوى المعادية.

تملكت عقلية تحميل الآخرين مسؤولية نكبات الشعب الفلسطيني الساحة الفلسطينية، ولم تتفتح القلوب والعقول على إمكانية وقوع الشعب الفلسطيني وبالتحديد قيادته في أخطاء أو سوء تصرف. ولهذا مرت مسألة خروج المقاومة من الأردن والقضاء على المقاومة في فلسطين كما مرت هزيمة حزيران لدى الشعوب العربية الأخرى. وقد أعطى هذا الوضع القيادات قوة لمواجهة هزائمها المستقبلية من حيث أنها استخدمت دائما العقلية التبريرية لصد الهجوم عليها وتحميل القوى الخارجية والقوى الفلسطينية المتعاونة معها كل المسؤولية.

لم تتعلم القيادات الفلسطينية درسا من الأردن، أو أنها لم ترد أن تتعلم، واستمرت بذات السلوك في لبنان ولكن بوتيرة أكثر حدة وأكثر اتساعا. ذات الأخطاء التي تم اقترافها في الأردن تم تكرارها في لبنان مثل التصرف العنجهي وإزاحة القيادات اللبنانية جانبا لتكون تابعة لأوامر القيادات الفلسطينية، والعمل على تحجيم سلطة الحكومة اللبنانية، والاعتداء على الممتلكات الخاصة ومحاولة المس بالأعراض وما له علاقة بالشرف.

بالنسبة للفلسطيني العادي والمناضل البسيط لم تكن الأخطاء جزءا من وعيه ، وحتى لو كانت لم تكن لتثير لديه الوعي بانعكاساتها على الفلسطينيين واللبنانيين. كان ينظر هذا إلى الأمور من منطلق الثوري الذي يريد تحرير وطنه، وأن الثورة هي الحاضنة الطبيعية لجهوده والمجسدة لآماله، وإذا حصل خطأ من هذا أو ذاك فان الأمر عادي لأن الناس غير معصومين ويمكن أن يقعوا في الزلل والهفوات. لم تكن الممارسات الخاطئة جزءا من اهتمام المناضل البسيط وطغى عليها اندفاعه الثوري وتفكيره بالمواجهة مع العدو والشهادة في سبيل الله والوطن. فقد كان يرى الطائرات تقصف مواقع وتصيب أهدافا ويسقط الشهداء والجرحى، وكان هو ذاته يقوم بالكر والفر والسهر على راحة المواطنين في المخيمات وأمنهم.سيطرت فكرة التحرير على انفعالاته وعواطفه ومشاعره، ونسج في داخله عالم المثل والأخلاق القويمة التي تنتعش فيها الثورة وتترعرع.

ربما كان المناضل البسيط مأخوذا بالتأييد الذي كانت تتمتع به المقاومة الفلسطينية من قبل الأوساط الشعبية الفلسطينية والعربية، وبردود الفعل المتعاطفة معها من قبل دول كانت تقود الحركة الثورية العالمية في ذلك الوقت مثل الاتحاد السوفييتي وألمانيا الشرقية وفيتنام. وربما كانت تضيع الممارسات المحلية لقيادات المقاومة في خضم زخم عالمي وحركة سياسية نشطة وتقارير إعلامية متواصلة. فماذا كان يعني اعتداء ضابط على فتاة أمام نشرات أخبار تتحدث عن المواجهات العسكرية الساخنة والصمود الأسطوري لرجال المقاومة والخسائر الجسيمة التي تقع في صفوف العدو؟ وماذا يعني اقتطاع قطعة أرض من مزرعة فلاح لتكون منطقة مخصصة للثوار أمام طائرة تقصف وكاتيوشا تنطلق صوب مستعمرات العدو في شمال فلسطين؟ وماذا كانت أهمية سيارات عسكرية فلسطينية تجوب شارع الحمراء بسرعة وبمكبرات صوت أمام أخبار عن خلية مسلحة تتسلل داخل فلسطين فتوقع بالعدو الاصابات وتعود إلى قواعدها سالمة؟

لم ينطبق هذا المنطق على المناضل البسيط فقط وإنما انسحب على الفلسطينيين في لبنان وغير لبنان. لقد ارتسمت في الأذهان صورة الثورة النقية والثوار الأنقياء الذين لم يكن من الممكن أن تشوب سلوكياتهم شائبة، أو أن تتحكم الشهوات والرغبات بقراراتهم. ورسخت في عقول الناس تصورات أسطورية عن القيادات الفلسطينية التي وصفت من قبل الكثيرين بالعبقرية والدهاء والقدرة الفائقة على التضحية والعطاء.

لا شك أن المقاومة الفلسطينية عمُرت بالمناضلين الأشداء والثوار الحقيقيين الأوفياء الذين استشهدوا دفاعا عن حقوق الشعب وأمن الأهل وطمأنينتهم. لكن هؤلاء لم تكن لهم الكلمة النهائية أو الأولى في تحديد سياسة المقاومة ومسارها. هؤلاء كانوا يبحثون عن النصر ضد العدو أو الشهادة في سبيل الله، ولم تكن بيروت موقعهم الصحيح أو المكان المرغوب فيه. كان هؤلاء في الجنوب على أرض النبطية وصور وجزين ومرجعيون، على خط المواجهة المباشر مع العدو.

أما القادة الكبار الذين يخططون عسكريا وسياسيا فكانوا في بيروت بخاصة في أحيائها الغربية والجنوبية ومخيماتها، وهم الذين كانوا يحددون السياسة العامة للمقاومة الفلسطينية، وهم بالتالي يصنعون الحدث قبل أن يحصل ويقررون مصير الثوار الحقيقيين ومصير المقاومة بصورة عامة.

عدد كبير من هؤلاء القادة منهم أناس معروفون لا مجال لذكر أسمائهم هنا كانوا مسعورين شهوانيا ألحقوا بالشعب الفلسطيني الخزي والعار والشنار. قضى هؤلاء أوقاتهم في البحث عن المتع بأشكالها المختلفة واعتدوا على الأعراض بالترغيب والترهيب، واستخدموا في كثير من الأحيان البندقية الفلسطينية التي كان من المفروض أن تكون مقدسة لابتزاز الجنس وتدنيس الشرف. من بين هؤلاء أناس بين ظهرانينا الآن وهم يقفون على رأس المسؤولية في بعض الأجهزة والمؤسسات في السلطة الفلسطينية.

عدد لا بأس به من قيادات الشعب الفلسطيني أصبحت ترتاد الفنادق والخمارات والمواخير، ولم يكن لديها أي مانع بأن تدلي بتصريحات ثورية لدى خروجها من الخمارة أو من سهرة حمراء في فندق فاخر. وكان على شعب فلسطين أن يسمع التصريحات النارية تصدر من فم مخمور ليجدد ولاءه للثورة ويشحذ هممه وتتدفق انفعالاته. بالطبع لا ينطبق هذا على كل قيادي في كل موقع، لكنه كان أحد السمات البارزة في الأداء القيادي الفلسطيني.

لقد كان من الواضح أن القائد الثوري الحقيقي الذي كان يريد ثورة حقيقية ترتكزعلى معايير أخلاقية قويمة لم يكن له أن يرتقي في سلم المسؤولية، وغالبا ما كان يفضل الذهاب إلى الجنوب اللبناني للتخلص من المظاهر غير الثورية التي تحيط به. عدد من الضباط الكبار تمت إزاحتهم إلى مسؤوليات ميدانية، وعدد آخر فضل الصمت ومهادنة ما هو قائم لأن مستقبله ومستقبل عائلته ارتبط بالمقاومة الفلسطينية.

الشيء المثير في الموضوع أن ما يسمى أخطاء كانت ترتكب في وضح النهار، وكان يشهدها عدد من الناس لم تقد إلى محاسبة أحد على أفعاله المشينة. كانت تحدث ضجة في أوساط بعض الضباط الصغار وفي الأوساط الشعبية الفلسطينية وفي الأوساط اللبنانية حول ممارسات سيئة دون أن يتخذ أحد إجراء. فقط يمكن نقل الشخص المعني إلى موقع آخر إذا كانت الفضيحة واسعة جدا لا يمكن تجاوزها بسهولة. لماذا كانت تمر هذه الممارسات دون خضوع ممارسيها للمساءلة؟ ولماذا لم تكن هناك قواعد أخلاقية لضبط السلوكيات وملاحقة الخارجين عنها؟ بل لماذا كان يرتقي الشخص السيء في سلم المسؤولية؟ هل كان مقياس الترقية مرتبطا بالانحلال الأخلاقي وتدهور الروح الانضباطية؟ يبدو أن الأمر كان كذلك خاصة عندما يتم تقييم أسباب ترقية عدد من الأشخاص الذين ما زالوا على قيد الحياة لحظة كتابة هذا الكتاب. لقد شهد الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وساحل غزة بعد قيام السلطة الفلسطينية كيف يتم تعيين المسؤولين أو ترقيتهم في رتبهم ودرجاتهم ومسؤولياتهم. الكفاءة المهنية والأخلاقية ليستا من الأولويات.

يبدو أن الأسئلة أعلاه تنسجم مع ترتيب المقاومة الفلسطينية على شكل جيش نظامي تسوده الرتب العسكرية والرواتب والإجازات والإمتيازات. خرجت المقاومة الفلسطينية عن صفتها العصابتية مع الزمن وتحولت إلى كتائب وضباط وأفراد وضباط صف، وإلى هيكلية إدارية تتصف بمكتبية تتصاعد حدتها مع الأيام. لم تعد الروح الثورية التي تصر على إذابة الفوارق بين المقاتلين قائمة، ولم تعد البؤر الثورية المشكّلة على هيئة عصابات محارِبة قائمة، وأخذ التنظيم يأخذ شكل الجيش الرتيب الذي يبحث عن أسلحة الجيش النظامي ورتابته.

تغلغلت نمطية الجيوش في صفوف المقاومة حتى أخذ الثوار يتنافسون على الرتب العسكرية ومواقع المسؤوليات الإدارية. هذا فضلا عما تأتي به الرتب من رواتب ومكافآت وامتيازات وإجازات، الخ. أثر بالتأكيد هذا على الروح القتالية، بل على الرغبة في المواجهة والقتال، وأخذ الترهل يدب في صفوف المناضلين البسطاء. النظام يعكس نفسه على كل أجزائه حتى لو كان بعض هذه الأجزاء شعلة نضال وثورة. هذا علما أن المناضلين البسطاء كانوا وقودا يحرقه الكبار في الجنوب اللبناني من أجل تكريس وهم في أذهان الشعب الفلسطيني بأن الثورة مشتعلة وأن النصر قريب. كثيرون هم الذين كانوا يساقون إلى الجنوب من أجل القيام بعمليات عسكرية سواء من البحر أو البر ولا يعودون إلى أهاليهم سالمين. وفي أحيان كثيرة كانت تتوفر لدى إسرائيل معلومات مسبقة عن كل محاولة تسلل كان يراد لها مسبقا أن تفشل.

ٍعززت القيادة الفلسطينية النمطية والفساد باقتناء أسلحة تقليدية قديمة من دبابات ومدافع وغير ذلك، ووضعتها في مخازن في الجنوب اللبناني. بالطبع لم تكن تصلح هذه الأسلحة لقتال ضد إسرائيل بسبب ما تملكه من آليات حديثة، لكن القيادة حرصت على اقتنائها كمظهر يضلل الناظر إلى الثورة بأمل وثقة في المستقبل. كانت أسلحة من مخلفات الحرب العالمية الثانية ولا يمكن أن تصمد في حرب نظامية يتم فيها استخدام آخر ما توصلت له التقنية العسكرية. ومن المعروف أن أغلب هذه الأسلحة قد استولت عليها إسرائيل وهي في مخازنها عام 1982.

في مقابل الحرص على اقتناء قطع سلاح بالية، لم تعمل القيادة الفلسطينية على تطوير أسلحة تتلاءم مع طبيعة المواجهة في الجنوب اللبناني. على مدى عشرين عاما لم تطور هذه القيادة أسلحة متناسبة مع التحدي على الرغم من وجود الإمكانات المادية والطاقات الإنسانية. طورت المقاومة قاذف آر بي جيه، لكنها لم تعمل على تطوير فن المواجهة وتطوير نوعيات الأسلحة المتناسبة معه. بقيت المواجهة ضمن نمط معين يخلو من الإبداع العسكري أو من التأثير القوي على العدو. وحتى يمكن استيعاب هذه المسألة يمكن أن يقارن القارىء بين قدرة حزب الله على التطوير والابتكار وبين قدرة منظمة التحرير الفلسطينية.

بالاضافة إلى ذلك، دخلت المقاومة الفلسطينية في نزاعات مسلحة كان من الممكن التقليل من حجمها أو تجنبها. وهنا أكرر ما أوردته حول وجود المقاومة في الأردن من حيث أن النظام يتعارض جدليا ومصلحيا مع المقاومة ولا يمكن أن يقبلها. هكذا كان الوضع في لبنان من حيث أن المؤسسة الرسمية وبعض الفئات اللبنانية لا يمكن أن تقبل مقاومة فلسطينية على أرضها بسبب مصالحها وارتباطاتها الدولية. كان في لبنان من هو مرتبط بالولايات المتحدة وإسرائيل ويستمد قوته وبقاءه في النفوذ والسيطرة منهما ويعتبر أن مصلحته تكمن في المحافظة على الاستقرار السياسي الذي لا يتحدى مصالح الدولتين. فضلا عن أن المتنفذين لا يرغبون فيمن يمكن أن يحدث خللا في المعادلة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وهم على استعداد لخوض الحرب دفاعا عن المعادلة التي يرونها مناسبة. ولهذا كان من المتوقع أن تحاول القوى اللبنانية المتنفذة خلق المشاكل واقتناص الفرص للانقضاض على المقاومة الفلسطينية. بمعنى أن المواجهة في لبنان كانت متوقعة حتى لو لم ترتكب المقاومة الفلسطينية الأخطاء.

قدمت المقاومة الفلسطينية المبررات للمتنفذين اللبنانيين، وقدمت لهم تأييدا شعبيا ولو جزئيا بسبب الاساءات التي كانت تقترف بحق الناس العاديين. وبالتالي دخل الفلسطينيون في حرب لم يكن لها ضرورة، ودخل اللبنانيون في الحرب الضروس لتصفية مشاكل قائمة منذ أمد. تم استنزاف الطاقات ولحقت بالناس الآلام والأحزان.

على الرغم من ضراوة الحرب الداخلية في لبنان، وطول النّفَس الذي تميزت به الفئات المتصارعة إلا أن المراقب لم يلحظ ذات الروح القتالية في مواجهة الإسرائيليين في هجومهم على الجنوب اللبناني عام 1978. هاجم الإسرائيليون جنوب لبنان بهدف إبعاد قوات منظمة التحرير عن المستوطنات اليهودية في شمال فلسطين وإبعاد خطر صواريخ الكاتيوشا التي كان يطلقها المقاتلون الفلسطينيون على المنطقة. أبدت القوات الفلسطينية حينها مقاومة عنيفة ولا شك أن المقاتلين الفلسطينيين قدموا بطولات فذة في صد القوات المعادية، لكنهم لم يخوضوا المعركة التي كان من المفروض أن يخوضوها.كان من المفروض أن يتم إعداد القوات الفلسطينية لخوض حرب عصابات، من حيث أن هذا هو الأسلوب القتالي الأكثر فاعلية في مواجهة جيش نظامي قوي كالجيش الإسرائيلي. لكنه ظهر أن قدرة الفلسطينيين على خوض حرب عصابات كانت ضعيفة ولم يستطيعوا الصمود في حرب شبه نظامية أمام آلية عسكرية ضخمة. لم يشهد المراقب حرب كر وفر، ولم يتم نصب الكمائن التي يمكن أن تفاجىءالإسرائيليين وتلحق بهم خسائر مهمة. وقد كان من الملاحظ أن الإسرائيليين يشقون طريقهم ببطء وإنما بخسائر قليلة.

من الذي خطط للمعركة أن تسير فلسطينيا بذلك الأسلوب؟ ولمذا تم تجاوز أبسط أساليب العمل العسكري لصالح أسلوب لا يمكن أن يأتي إلا بالفشل السريع؟ ولماذا سيق أبناء الشعب الفلسطيني إلا غمار نمط قتالي تقليدي كانت تعمل منظمة التحرير على تجاوزه؟ ألم يُبعث عدد من الفلسطينيين إلى الصين وفيياتنام للتدرب على حرب العصابات لمواجهة الإسرائيليين؟ ولماذا فقدت القيادة التي اهتمت بنمط العصابات اهتمامها في الواقع العملي للمعركة؟

تم تجاوز هذه المسألة من خلال إعلانات الانتصارات التي أطلقتها منظمة التحرير. بدل أن تتحدث القيادة عن الأخطاء ودراسة المجريات بهدف المحاسبة والاستفادة أخذت تتحدث عن انتصارها في أنها أجبرت إسرائيل على التوصل معها إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وهذا بحد ذاته عبارة عن اعتراف إسرائيلي بوجود المنظمة. صدرت تصريحات وتعليقات فلسطينية حول هذا الموضوع بينما لم أسمع ولم أقرأ شيئا عن الخلل الذي ساد أجواء المعركة. ألهت المنظمة الناس بانتصار سخيف لا معنى له خاصة بالنسبة لمنظمة كانت تعلن دائما عن عزمها على إزالة العدو الذي اعترف بها. وقالت المنظمة حينها أن الإسرائيلين أُجبروا على التوقف خارج مدينة صور بسبب ضغط المقاومة الفلسطينية وبسبب عدم رغبتهم في التورط في حرب قاتلة. قالت أوساط القيادة حينها أنه كان من الممكن أن تكون صور مقبرة للجنود الإسرائيليين وأنه كان من الممكن أن يستمر القتال داخلها عدة أشهر.

لكن الكلام الدعائي لا يصمد طويلا.سقطت صور عام 1982 خلال أربع وعشرين ساعة. وقد أعلن الإسرائيليون حينها أنهم فوجئوا بسقوطها على وجه السرعة وأنهم كانوا يتوقعون سقوطها خلال ثمان وأربعين ساعة. بالطبع لم تقدم قيادة المنظمة تفسيرا لعدم تحول صور إلى مقبرة.

لم يختلف الوضع إبان حرب عام 1982 عنه في حرب عام 1978. بمجرد أن دخل الإسرائيليون الجنوب اللبناني وأخذوا بالتقدم هربت القيادات الفلسطينية التي كان من المفروض أن تدير المعركة من مواقعها الرئيسة في مدينة صيدا. هرب قادة الأركان وتركوا وراءهم صغار الضباط والمقاتلين غير المتمرسين والأشبال ليدافعوا عن صيدا وأرض الجنوب. وقد هربوا بصورة فوضوية وبدون سابق إنذار أو تخطيط بحيث تركوا من تحت إمرتهم يواجهون قسوة المعركة حسب اجتهاداتهم الفردية.

كما حصل في العام 1978، قاتلت القوات الفلسطينية حسب نمط حربي قريب من الحرب التقليدية النظامية. وبالطبع لم يكن بمقدور المقاتلين الفلسطينيين الصمود أمام الآلية العسكرية الإسرائيلية الضخمة والمتطورة. وقد استطاعت إسرائيل أن تصل إلى مشارف بيروت خلال ستة أيام كانت قد أوقعت خلالها خسائر كبيرة في القوات الفلسطينية والقوات السورية التي دخلت معركة خاسرة على مدى ثلاثة أيام، واستولت على كميات كبيرة من الأسلحة التي كانت مكدسة في مخازن منظمة التحرير الفلسطينية.

حاصرت القوات الإسرائيلية بيروت مدة اثنين وثمانين يوما. وقد تراوحت أيام الحصار بين القصف العنيف للمواقع الفلسطينية وبين الهدوء المتوتر الذي يفسح المجال للبحث عن مخرج لوقف القتال. نشطت الديبلوماسية والتحركات السياسية والتي كان للولايات المتحدة النصيب الأكبر فيها. تم الاتفاق على خروج المقاتلين الفلسطينيين مقابل عدم تعرض القوات الإسرائيلية لها. وتم أيضا الاتفاق مع ياسر عرفات على التسريع في إيجاد حل سلمي للقضية الفلسطينية يكون ضمن إطار حكم ذاتي بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية.

عندما تتحدث منظمة التحرير عن بطولات الحرب إنما هي تتحدث عن حصار بيروت الذي تعتبره ملحمة بطولية في مواجهة الأعداء. لكنها لا تتحدث عن الجنوب اللبناني وما تميزت به معاركه من غياب الاستراتيجية والفن العسكري. لا شك أن المقاتلين الفلسطينيين استبسلوا في الدفاع عن بيروت، وقدموا التضحيات المتواصلة دون تردد أو وجل. لقد اعتاد الشعب الفلسطيني على شجاعة أبنائه المقاتلين وقدراتهم المتميزة في الأداء العسكري والإقدام، ولم يكن من غير المألوف أن يقدم المقاتلون وغير المقاتلين أنفسهم شهداء دفاعا عن بيروت وأرض لبنان. لكن المسألة لا تتعلق دائما بقدرة المقاتل ورغبته في الذود عن حياضه وإنما تتداخل فيها الأبعاد الدولية والرؤيا القيادية والأهداف التي تعمل على تحقيقها. وفي هذا الصدد أذكر فقط ما تناقلته وسائل الإعلام الإسرائيلية حول شكر قدمه أبو مازن، محمود عباس، لشارون وزير البنى التحتية الإسرائيلي والذي كان وزير الدفاع الإسرائيلي إبان الغزو الإسرائيلي على غزوه للجنوب وطرد منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت. تم ذلك في أواخر العام 1997.

كتبت في حينه مقالا في جريدة الرسالة التي تصدر في غزة تساءلت فيه عن صحة الأخبار الإسرائيلية وقلت أن الأمر لا يصدق وأن محمود عباس سيعلق على الأمر وسينفيه. لكن محمود عباس لم ينبس ببنت شفة. وحقيقة لم أكن أتوقع أن يعلق على الموضوع سواء كتبت أنا أو كتب غيري. أعتقد أن الأخبار كانت صحيحة وأن المنظمة، كما سنرى في بحر هذا الكتاب، أرادت المعركة لسببين: للتخلص من الضغط السوري ولإيجاد مبرر أمام الشعب الفلسطيني لتقديم التنازلات التي تتطلبها إقامة حكم ذاتي فلسطيني. كانت تبحث المنظمة عن حل سلمي من خلال الديبلوماسية الأمريكية، وكانت تعي تماما أن الحل الأمريكي يفرض متطلبات على منظمة التحرير تلبيتها. لم يكن من الممكن أن تقبل المنظمة الشروط الأمريكية دون أن تتعرض لضغوط سورية كبيرة ودون أن يكون هناك رد فعل فلسطيني شديد. فقط كان من الممكن أن تسير القيادة الفلسطينية ضمن رؤيتها للحل من خلال هزيمة عسكرية.

وطبعا غلفت القيادة الفلسطينية المأساة بهالة من الانتصار الوهمي والتصريحات النارية. خرج المقاتلون الفلسطينيون من بيروت وهم يطلقون النار في الهواء احتفاء بالنصر. وفي ذات الوقت انطلقت حملة فلسطينية على العرب بسبب عدم تقديمهم المساعدة العسكرية اللازمة إبان الحرب. باستثناء سوريا، لم تقدم الدول العربية أي دعم عسكري، وعملت على كبت الشعوب العربية ومنعتها من التعبير عن نقمتها على إسرائيل ومن يقفون خلفها. لكن المشكلة كانت في منظمة التحرير التي كانت تظن أن الأنظمة العربية يمكن أن تكون عونا للعرب ضد أعداء العرب. والمسألة، على أية حال، كانت تهدف إلى بناء المزيد من الشعور بالمرارة في الشارع الفلسطيني ليبرر للقيادة الفلسطينية خطواتها السياسية.