هبوط سقف التحرير

جنبا إلى جنب مجمل الأعمال التي كانت تقوم بها قيادات المقاومة الفلسطينية في مختلف المواقع كان يلاحظ أن التمسك بالسقف الفلسطيني التحريري لم يكن قويا.وضعت منظمة التحرير لنفسها سقفا قالت أن نضالها الوطني موجه نحو تحقيقه، وأن برامجها المختلفة ستكرس لتحقيق هذه الغاية. وقد عملت المنظمة على حشد الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده وراء أهدافها المعلنة وعاهدته على التمسك بها وبمتطلبات النضال مهما كانت التضحيات.لكن مجريات الأمور أثبتت أن القول ليس كالفعل. سارت الأمور بطريقة لا تنسجم مع الطروحات والآمال التي تم بناؤها.

أطلقت منظمة التحرير الشعارات والمقولات، وأصدرت الكتب والكراسات التي تشرح طروحاتها وبرامجها، ودعت الناس بكافة فئاتهم وخلفياتهم أن يسارعوا إلى الانضمام والتأييد والمشاركة في مختلف النشاطات الفصائلية والوطنية. ضربت المنظمة بكافة فصائلها على وتر حساس يستهوي الشعب الفلسطيني خاصة والعرب عامة وهو تحرير فلسطين واستعادة الكرامة العربية التي هتكتها الهزائم. ولم تجد الفصائل الفلسطينية وبالأخص فصيل فتح كبير معاناة في الحشد والاستقطاب لما للموضوع من وقع كبير في النفس وقوة جذب وطنية وأخلاقية ودينية.

لم تتمسك قيادة الشعب الفلسطيني بتلك القوة الأخلاقية التي انطوت عليها الوعودات المبكرة والتي كانت تعبر عن طموحات وآمال القطاع الأوسع والعريض من الشعب الفلسطيني وعن آمال الشعب العربي في كل مكان. وهذا عبارة عن محصلة منطقية لتصرفات القيادات الفلسطينية على مختلف الساحات العربية وعلى الصعيد الداخلي للشعب الفلسطيني، فمن يقوم بالإخلال في الموازين والمعايير السلوكية لا بد أن يتنازل عن تلك الموازين والمعايير التي تحكم السياسة العامة. التمسك بسقف أخلاقي مرتفع فيما يخص القضايا الكبيرة يصطدم بالتأكيد مع سقف أخلاقي منخفض فيما يخص المسائل السلوكية اليومية. فاذا كان هناك من يعمل على التحرير ويعمل على حشد الطاقات والجهود لتحقيق الهدف فانه من المتوقع أن يكون قدوة أخلاقية. أما إن فشل في التصرف بطريقة تنسجم مع سمو الهدف فإن الناس لا بد أن تنفض من حوله على اعتبار أنه كاذب ويعمل على التضليل وتحقيق مصالح مغايرة للأهداف المعلنة. وضمن الهوة بين المستويين الأخلاقيين يجد القائد أو الشخص المعني نفسه مضطرا لخفض سقف آماله ووعوداته. إنه يكتشف بسهولة أن مقوماته الأخلاقية لا تؤهله لقيادة مسيرة تتطلب مستوى أخلاقيا أفضل مما يتسم به هو نفسه. ولهذا يجد أن لا مفر من التنازل عن السقف المعلن ليصل في النهاية إلى انسجام في المستويين الأخلاقيين الخاص والعام. يستمر إصراره على تحقيق منجزات عامة في الانحدار تبعا لانحدار التزامه بالأخلاق القويمة. وفي هذه الحالة يصبح تعريف السياسة، كما ساد في أوساط بعض الفصائل الفلسطينية، أنها فن الممكن. بمعنى أن الإصرار على تحقيق شيء لم يعد متناسبا مع المقومات ومن الضروري البحث عن مخرج فيما هو ممكن ضمن المعادلات السياسية القائمة والتي تعبر عن إرادة الغير.

توضح الصفحات القادمة تسلسل المتطلبات الفلسطينية المتقلصة تدريجيا مع الزمن والمتناسبة مع ما آلت إليه الأوضاع القيادية الفلسطينية.

شرعية البندقية الفلسطينية

تعرضت منظمة التحرير الفلسطينية التي تم إنشاؤها عام 1964 من قبل مؤتمر القمة العربي المنعقد عام 1964 لحدث عنيف عام 1967 إثر سقوط بقية البلاد في يد الصهاينة. حصل مزيد من التشتت الفلسطيني وظهرت المقاومة الفلسطينية المسلحة بصورة أقوى مما كانت عليه. ظهرت حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) كقائدة للكفاح المسلح ضد إسرائيل، وتطورت حركة القوميين العرب إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وبرزت حركات فلسطينية مسلحة أخرى كان على رأسها طلائع حرب التحرير الشعبية، الصاعقة. استقال أحمد الشقيري، رئيس المنظمة آنذاك على أثر هذا التطور وحل محله يحيى حموده. ومن ثم عقد المجلس الوطني الفلسطيني دورته الرابعة في عام 1968، والذي اتخذ قرارا بتقليص عدد أعضائه إلى مائة.

أهم تطور في هذه الدورة جرى على طريقة التمثيل، وعلى تعديل الميثاق القومي الفلسطيني الذي أصبح الميثاق الوطني الفلسطيني. أصبحت البندقية الفلسطينية عام 1968 مصدرا مقبولا للشرعية، إذ التفت حولها الجماهير وأيدتها وانضمت إلى صفوفها. أصبح صوت البندقية أعلى من كل الأصوات، ولم يكن من الغريب أن يصبح أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني من ممثلي الفصائل الفلسطينية المختلفة أو ممن يؤيدونها.

أما الميثاق الوطني الفلسطيني فقد أتى ببعض التعديلات التي لمست بعض النواحي الفكرية وطرق التعامل مع تطورات الأوضاع السياسية والعسكرية. من الناحية الفكرية، استبدلت عبارة فلسطين وطن عربي بعبارة فلسطين وطن الشعب العربي الفلسطيني، وهي جزء لا يتجزأ من الوطن العربي الكبير، والشعب الفلسطيني جزء لا يتجزأ من الأمة العربية. وقد كان في هذا تحويلا لبعض الأولويات. فبعد أن كانت الأمة العربية هي الوعاء الأول الذي يشمل فلسطين وشعبها، أصبح الآن الشعب الفلسطيني مميزا لكنه جزء من مركب الأمة العربية. استبدلت حيوية الروح الوحدوية باستاتيكية تركيبية لم تغفل البعد العربي لكنها ضيقت عليه مساحة التأثير. وفي هذا تنازل شبيه بمقررات المجلس الوطني الفلسطيني الثالث الذي ركز أولا على استقلال فلسطين ثم أتى إلى الوحدة العربية. يشكل هذا التعديل استجابة لروح الاقليمية العربية التي بدأت تطفو على السطح في عدد من الأقاليم العربية، ويعبر عن تيار إقليمي عربي كان ينافس التيار القومي ويرى أن فكرة الوحدة العربية عبارة عن فكرة مصلحية ضيقة لن تقود إلى خير العرب.

أصيبت فكرة القومية العربية بتراجع كبير على إثر هزيمة عام 1967 ذلك لأن القوى القومية تلقت هزيمة ساحقة من قبل إسرائيل وبدت أمام الجماهير العربية ومختلف الأحزاب والأنظمة غير القومية أنها مجرد بوق أحمق يتقن الهزيمة مثلما يتقن الخطابة واللعب بعواطف الناس. هذا فضلا عن أن حركة فتح التي تصدرت حركة المقاومة الفلسطينية عبارة عن حركة قطرية رأت في الشعارات القومية وسيلة لحشد الناس عاطفيا دون القيام بخطوات عملية لتحقيق التطلع الفلسطيني نحو التحرير. وقد كان واضحا من خلال مبادئها التي ركزت على عدم التدخل في شؤون الدول العربية وعدم السماح للدول العربية بالتدخل في الشؤون الفلسطينية أنها تعمل على خوض نضال فلسطيني لا يقفل الباب أمام مساعدة عربية تحافظ على الطابع القطري للتحرك الفلسطيني.

من ناحية أخرى، أصر الميثاق الوطني الفلسطيني على أن فلسطين هي وطن الفلسطينيين وأنه يجب تحريرها، ولهذا رفض قرار التقسيم لعام 1947 ورفض تصريح بلفور، وأشار إلى قرار مجلس الأمن 242 بصورة غير مباشرة قائلا أن الشعب العربي الفلسطيني معبرا عن ذاته بالثورة الفلسطينية المسلحة، يرفض كل الحلول البديلة عن تحرير فلسطين تحريرا كاملا، ويرفض كل المشاريع الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية أو تدويلها. حتى أن الميثاق ربط موقفه من الدول الأخرى بموقفها من أهداف الشعب الفلسطيني. إذ نص على أن الشعب العربي الفلسطيني هو صاحب الحق الأول والأصيل في تحرير واسترداد وطنه، ويحدد موقفه من كافة الدول والقوى على أساس مواقفها من قضيته ومدى دعمها له في ثورته لتحقيق أهدافه.

على الصعيد التنفيذي، لم يترك الميثاق الوطني مجالا لتأويل الأمور إذ قال أن الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين وهو بذلك استراتيجية وليس تكتيكا. ويؤكد الشعب العربي الفلسطيني تصميمه المطلق وعزمه الثابت على متابعة الكفاح المسلح والسير قدما نحو الثورة الشعبية المسلحة لتحرير وطنه والعودة إليه وعلى حقه في الحياة الطبيعية فيه وممارسة حق تقرير مصيره فيه والسيادة عليه. وأضاف بأن العمل الفدائي هو بؤرة العمل من أجل التحرير وسيتم حشد طاقات الشعب الفلسطيني لتحقيق التلاحم اللازم ما بين الجماهير وقواتها المناضلة.

وتم توضيح الأمور في النظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية والمجلس الوطني الفلسطيني إذ نص على أن هدف المنظمة والمجلس تحرير كامل الأرض الفلسطينية. وأن الكفاح المسلح هو الأسلوب، وأن الأداة هي الجماهير العربية الفلسطينية داخل الأرض المحتلة وخارجها تسندها وتشترك معها في نضالها الجماهير العربية. وتم كذلك تدوين رفض قرار مجلس الأمن 242.

على الرغم من التعديلات على مستوى الوحدة العربية، بقي الميثاق الوطني الفلسطيني وكذلك النظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية متمسكين بمسألة تحرير فلسطين، وأن فلسطين بكامل حدودها كما عرفت زمن الانتداب عبارة عن وحدة متكاملة غير خاضعة للتجزئة. وكان من الواضح أيضا التمسك بعودة الفلسطينيين إلى بيوتهم وممتلكاتهم ورفض المهاجرين اليهود. وتم رفض المقررات الصادرة عن هيئة الأمم المتحدة والتي تعتدي على حق الفلسطينيين في ديارهم، ووضعت القواعد النظرية من أجل الوصول إلى الأهداف المعلنة، وعلى رأسها وسيلة الكفاح المسلح.

اعتبر الميثاق الوطني الفلسطيني كدستور للشعب الفلسطيني في مرحلة التحرير الوطني. ولهذا وضعت قواعد تحميه من التلاعب وعلى رأسها عملية التعديل. اشترط الميثاق تعديل بنوده بانعقاد جلسة خاصة لهذا الغرض، وألا يتم التعديل إلا بأغلبية الثلثين. ومن شأن هذه المادة أن تضبط عملية التعديل وتجعلها غير بسيطة بحيث لا يكون الميثاق عرضة للأهواء والأمزجة والتغييرات حسب الظروف.

مرحلة التردد والتنازل

طافت البلاد العربية خاصة دول المواجهة بعد حرب 1967 الوفود الأجنبية التي حاولت البحث عن حل لما أصبح يعرف بقضية الشرق الأوسط. كانت القاهرة وعمان ودمشق مركز النشاط الدبلوماسي العالمي ومحطات الهادفين إلى تفهم مختلف المواقف. وفي هذه الأثناء كانت المقاومة الفلسطينية تشتد وتكبر، وارتفعت حدة الحشد الجماهيري حولها على المستويين العربي والفلسطيني. تدفق الفلسطينيون للانضمام تحت لواء الفصائل الفلسطينية المقاتلة، وتطوع العديد من العرب، وقدمت الجماهير العربية الدعم المادي والمعنوي، وأخذت تظهر مؤسسات فلسطينية مختلفة على مستوى مهني ووظائفي.

تمسكت منظمة التحرير الفلسطينية في هذه الأثناء بميثاقها، واستمرت باتخاذ الخطوات اللازمة من أجل دفع المواجهة مع إسرائيل إلى درجات عالية. وأبدت المنظمة معارضتها لكل أفكار الطوافين الداعية للاعتراف بإسرائيل مقابل الإنسحاب من الأراضي العربية المحتلة عام 1967.

ظهرت هذه المعارضة جلية عندما أعلن الملك حسين مشروعه لعام 1969، وعندما أعلن روجرز، وزير خارجية أمريكا، مشروعه الذي عرف باسمه لحل مشكلة الشرق الأوسط وذلك عام 1970.

أعلن الملك حسين عن مشروعه عام 1969 أثناء زيارته للولايات المتحدة. تضمن المشروع انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي المحتلة عام 1967 مقابل اعتراف متبادل بين العرب وإسرائيل، وإقامة سلام شامل مع حرية ملاحة في الممرات المائية، وكذلك حل مشكلة اللاجئين بطريقة عادلة. رفضت إسرائيل المشروع من جهتها ورفضته فصائل المقاومة الفلسطينية التي كانت مسيطرة على منظمة التحرير في بيان مشترك.

دعا روجرز في مشروعه الأطراف المعنية: مصر والأردن وإسرائيل إلى تطبيق قرار مجلس الأمن 242 وعقد اتفاقية صلح بين إسرائيل وجيرانها. وقال بأن على إسرائيل الانسحاب من أرض تم احتلالها عام 1967، وتقوم في المقابل كل من مصر والأردن بالاعتراف بإسرائيل وعقد اتفاقية سلام دائم معها. وتضمن مشروعه أيضا وقف حرب الاستنزاف التي كانت دائرة بين مصر وإسرائيل في محيط قناة السويس. قبلت مصر المبادرة ورفضتها إسرائيل.

لكن منظمة التحرير الفلسطينية رفضت المبادرة لأنها لا تنص على الانسحاب الكامل من الأراضي التي احتلت عام 1967، وهي تتجاهل الأراضي التي تم اغتصابها عام 1948. فضلا عن أن المبادرة تقود إلى الاعتراف بإسرائيل، الأمر الذي يتعارض مع قرارات مؤتمر القمة العربية الذي عقد في الخرطوم عام 1967. وتتم المبادرة بناء على قرار مجلس الأمن 242 الذي يعمل على تصفية القضية الفلسطينية، وتعمل على وقف العمل الفدائي من خلال نصوص وقف إطلاق النار. وقد أيد المجلس الوطني الفلسطيني هذا التوجه في دورته الإستثنائية المنعقدة في عمان عام 1970. أكد المجلس رفضه لقرار مجلس الأمن 242 ورفضه لمشروع روجرز والاستعداد لمقاومته بكل قوة.

فكرة الدولة الديمقراطية العلمانية

في ذات الفترة التي كان العمل الدبلوماسي فيه محموما ومثيرا للتساؤلات الفلسطينية، كانت منظمة التحرير الفلسطينية تناقش فكرة جديدة لم يأت بها الميثاق الوطني الفلسطيني، ألا وهي الدولة الديموقراطية العلمانية. طرحت الفكرة على الدورة السابعة للمجلس الوطني الفلسطيني وتقرر إحالتها إلى اللجنة التنفيذية لتقديم مشروع متكامل حولها. وقد اتخذ قرار بهذا الخصوص في الدورة الثامنة المنعقدة في القاهرة في 28/2/1972. قرر المجلس أن كفاح شعب فلسطين المسلح ليس ضد اليهود أو أي مذهب، وأن شعب فلسطين يعمل على إقامة دولة فلسطينية حرة من الاستعمار الصهيوني، لكنها دولة ديموقراطية يعيش فيها الراغبون في السلام جنبا إلى جنب ولهم ذات الحقوق وعليهم نفس الواجبات.

شكل هذا القرار تحولا واضحا فيما يتعلق بسكان فلسطين، وهو عبارة عن خرق واضح لبنود الميثاق الوطني الفلسطيني الخاصة بتعريف الفلسطيني وحقه الطبيعي في فلسطين. تخلى القرار عن تعريف اليهودي الفلسطيني وعن تحديده السابق لمن يملك حق العيش في فلسطين ليشمل الذين يرغبون في العيش فيها بسلام. وهذه إشارة واضحة إلى قبول اليهود كمواطنين في الدولة الديموقراطية العلمانية التي يمكن أن تقوم في فلسطين.

صدور هذا القرار كان يتطلب تعديل بعض بنود الميثاق الوطني، لكن ذلك لم يتم، ووافق المجلس الوطني دون تعديل قراراته السابقة. وبهذا يكون المجلس الوطني الفلسطيني قد خطا خطوة نحو التنازل عن مبادئه السابقة لما يتضمنه القرار من تنازل ضمني عن رفض الهجرة الصهيونية إبان الاحتلال البريطاني لفلسطين. القرار الفلسطيني يرفض الاستعمار الصهيوني، لكنه لم يعد يصر على مغادرة اليهود الذين ليسوا من أصل فلسطيني للبلاد حال قيام دولة فلسطينية عليها. بمعنى آخر، قبل المجلس الوطني الفلسطيني ضمنيا هجرة اليهود إلى البلاد وسكنهم فيها.

حقيقة كان القرار الفلسطيني يشتمل ضمنا على قبول الهجرة الصهيونية، لكن هذا لم يتم الافصاح عنه بوضوح من قبل القيادات الفلسطينية التي كان لها مصلحة في إصداره. كان اتجاه هذه القيادات واضحا لا لبس فيه عندما فسرت القرار بطريقة تبريرية على أنه يزيل أي انطباع بأن الفلسطينيين يهدفون إلى طرد اليهود أو إلقائهم في البحر. الاقتراح الديموقراطي بالنسبة لقادة الفصائل الفلسطينية يعني أن يعيش العرب واليهود معا في فلسطين. وقد كتب أحد هؤلاء قائلا بأن الحل الديموقراطي مناهض للعنصرية الصهيونية ويعيد للفلسطينيين حقوقهم ويضمن للجميع العدل والمساواة. وهذا بالضبط ما يعنيه قرار المجلس الوطني الفلسطيني. إنه يريد للفلسطينيين أن يعودوا إلى فلسطين ولكن دون الضرب على وتر طرد اليهود أو قتلهم.

على الرغم من التوجه نحو القبول الضمني بالهجرة الصهيونية إلى فلسطين، استمرت منظمة التحرير الفلسطينية من خلال قرارات المجلس الوطني الفلسطيني التمسك بالأرض الفلسطينية ورفض كل ما يؤدي إلى تنازل الفلسطينيين. في دورته المنعقدة بالقاهرة في 7/7/1971 قرر المجلس التمسك الكامل بالحقوق الكاملة للشعب الفلسطيني في تحرير أرضه عن طريق كفاح الشعب المسلح، وتجديد الرفض الحاسم لجميع الحلول السلمية والاستسلامية… بما في ذلك قرار مجلس الأمن 242…. يعكس القرار الحقوق الكاملة في تحرير الأرض لكنه لا يقول بأن هذه الأرض بكاملها للفلسطينيين. بمعنى أن القرار ترك مجالا لعدم إحداث تناقض بين مقررات المجلس في دورته الثامنة وبين دورته التاسعة. بما أنه كان هناك قبول بدولة ديموقراطية علمانية، فإنه ليس من المتوقع ضمنيا أيضا أن تكون الأرض جميعها للفلسطينيين حيث أن يهودا غير فلسطينيين سيكون من المتوقع إشراكهم بالأرض.

مشروع المملكة المتحدة لعام 1972

بدأ التمسك الفلسطيني بفلسطين كاملة وربط هذا التمسك بالعرب واضحا في أعقاب مشروع الملك حسين الخاص بالمملكة العربية المتحدة. أعلن الملك حسين مشروعه في 15/3/1972 ونادى فيه بإقامة مملكة متحدة تشمل القطر الأردني والقطر الفلسطيني المتمثل بالضفة الغربية وأي مناطق فلسطينية أخرى يتم تحريرها من أيدي اليهود. يكون الملك حسين رئيسا للمملكة وتكون عمان عاصمتها المركزية، وتتشكل مجالس تشريعية ويبقى الملك جزءا من عملية التشريع وقائدا عاما للجيش. يتمتع كل من القطرين بنوع من اللامركزية ولكن دون أن تكون لأي منهما شخصية مستقلة.

شعرت منظمة التحرير الفلسطينية أن مشروع الملك حسين جاء ليتوج نهاية الحرب التي شنها الملك ضد المقاومة الفلسطينية في الأردن. والملك يحاول بمشروعه تجاوز تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية للشعب الفلسطيني، وتخطي رغبات شعب فلسطين والانفراد بحل القضية الفلسطينية. ولذلك سارعت اللجنة التنفيذية للمنظمة إلى الدعوة إلى دورة استثنائية للمجلس في 6 نيسان /1972 بالقاهرة وإلى مؤتمر شعبي يعقد في القاهرة أيضا. دعي عدد كبير من الفلسطينيين وتم اعتماد قرارات المؤتمر الشعبي كقرارات للمجلس الوطني الفلسطيني.

خلص المؤتمر الشعبي إلى ضرورة العودة إلى بعض الأصول في التعامل مع القضية الفلسطينية وهي العودة إلى التلاحم الأردني-الفلسطيني، وإلى خلق جبهة عربية لمواجهة ما سمي بالمؤامرات. ورفض المؤتمر مشروع الملك حسين وأكد على رفضه السابق لقرار مجلس الأمن 242. فعلى الرغم من الضائقة التي كانت تمر فيها منظمة التحرير إلا أنها لم تجد مبررا للمهادنة أو التنازل عن مواقفها السابقة. وقد عملت على مختلف الصعد لتثبيت مكانتها وكسب التأييد في مواجهة مشروع الملك.

ظرفية المتطلبات الفلسطينية

لكنه يظهر أن أولويات منظمة التحرير ليست دائما مرتبطة باستراتيجية واضحة المعالم، بقدر ما هي مرتبطة بتطورات ظرفية وتحولات عالمية وإقليمية. فهذا الرفض الحاسم في قرارات المجلس الوطني في دورته العاشرة، كان يقابله ليونة في قرارات مجالس أخرى. وهذا ما نلاحظه في التوجيهات السياسية والتحريرية للمجلس بعد حرب عام 1973. طرأت متغيرات جديدة بعد الحرب كان منها مؤتمر جنيف للسلام في الشرق الأوسط والذي عقد في أواخر عام 1973 برعاية الأمم المتحدة وإشراف الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وحضور مصر والأردن وإسرائيل. وما أعقب ذلك من مفاوضات فض الاشتباكات على الجبهتين المصرية والسورية.

نظرا لتطورات ما بعد حرب تشرين، عقد المجلس الوطني الفلسطيني جلسة لمناقشة مستجدات الأمور، وتمخض عن ذلك مواقف سياسية مختلفة دلت على تطورات جديدة في مفاهيم النضال الفلسطيني والمطالب الفلسطينية. من ناحية، أكد المجلس على الموقف السابق الرافض لقرار مجلس الأمن 242، وأكد على أن هذا القرار يتعامل مع قضية الشعب على أنها قضية لاجئين ولا يمكن التعامل معه على أي مستوى من المستويات. وكذلك رفض المجلس مؤتمر جنيف وما يمكن أن يتمخض عنه من قرارات. عدا ذلك، ظهرت توجهات المجلس الجديدة والمتضمنة:

أ- إقامة السلطة الوطنية على أي جزء من الأراضي الفلسطينية. وتم تعريفها على أنها سلطة مقاتلة تعمل على التحرير وتواصله. وبذلك دخل مفهوم السلطة الوطنية كشيء مستجد على القاموس السياسي الفلسطيني. فبعد أن كان التركيز على تحرير فلسطين بأكملها وعدم التفكير بأي شيء غير ذلك، دخلت الآن سياسة المراحل. والمعنى أنه لا مانع من إقامة سلطة وطنية مستقلة على أي جزء من أجزاء فلسطين يتم تحريره. وهذا يشير إلى أن القيادة الفلسطينية قد أصبحت على قناعة بعد مرور السنين إما لأسباب موضوعية أو ذاتية أنه من الصعب تحرير فلسطين بأكملها مرة واحدة، فقبلت بتجزئة العملية التحريرية على مراحل.

ب- لم تترك القرارات مجالا لكي يفهم أن هناك تنازلا عن جزء من أرض فلسطين، فجاء قرار إضافي توضيحي يقول أن مرحلية التحرير لا تعني التنازل عن طرح الحل الديموقراطي، بل أن المنظمة ستعمل على مواصلة النضال حتى إقامة الدولة الديموقراطية. ولإزالة أي لبس، أكد المجلس على أن الكيان الفلسطيني المعبر عنه بالسلطة الوطنية المستقلة لا يقوم بتاتا مقابل الاعتراف بإسرائيل والصلح معها على أساس الحدود الآمنة. إنه كيان يقوم على مبدأ التحرير وليس مبدأ المقايضة.

ت- تحدثت القرارات عن وحدة نضالية بين الشعبين الأردني والفلسطيني وعن وحدة وطنية فلسطينية، لكنها لم تشر إلى وحدة شاملة ولم تتحدث عن الوحدة العربية المنصوص عليها في الميثاق الوطني الفلسطيني. تقدم المجلس بمفهوم جديد للوحدة بحيث تتم فقط بعد قيام السلطة الوطنية المستقلة وتشمل فقط أقطار المواجهة والتي من المعروف أنها مصر والأردن وسوريا ولبنان. أي أن مطلب الوحدة العربية قد عزل لصالح اتحاد (كما جاء في المقررات) محدود، على أن يقوم هذا الاتحاد بعد قيام السلطة الوطنية المستقلة. علما أن الميثاق الوطني الفلسطيني اعتبر تحرير فلسطين والوحدة العربية عاملين يتفاعلان بصورة متبادلة وهذا ما أشرت إليه سابقا.

ث- وجه المجلس الوطني الفلسطيني اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية إلى العمل على الساحة الدولية من أجل إحقاق الحق وإيجاد السبل المؤدية إلى ذلك بصيغة تختلف عن صيغة مؤتمر جنيف الآنفة الذكر. بالتحديد طلب المجلس من اللجنة التنفيذية طرح القضية الفلسطينية عالميا ضمن إطار رافض لقرار مجلس الأمن 242، وحدد للجنة إطار العمل بحيث يكون دوليا محددا أو عالميا، ويفسح المجال أمام منظمة التحرير الفلسطينية للمشاركة كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، وأن يتم طرح القضية في ضوء ميثاق الأمم المتحدة الداعي إلى حق الشعوب في تقرير مصيرها، وفي ضوء القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة والتي تؤكد حق الشعب الفلسطيني بالمساواة وتقرير المصير. وأوصى المجلس اللجنة أنها في عملها يجب ألا تغفل عن مسألة السلطة الوطنية المستقلة دون أن تتنازل عن أي جزء من فلسطين أو أن تعترف بإسرائيل وتقيم صلحا معها.

من الناحية اللفظية يبدو أن قرارات المجلس الوطني ملتزمة بالميثاق الوطني الفلسطيني عدا في مسألة الوحدة العربية. لكن من الناحية العملية، يبدو واضحا أن المجلس قد بدأ يضع المقدمات نحو الابتعاد عن بنود الميثاق الوطني. إنه من المفهوم إقامة سلطة وطنية مستقلة على أرض محررة، لكن كيف يمكن إقامة هذه السلطة من خلال إطار دولي أو عالمي دون الاعتراف بالدول المجاورة وعلى رأسها إسرائيل؟ كيف يمكن لهذا الاطار أن يتيح إقامة كيان فلسطيني من خلال إجبار إسرائيل على الإنسحاب بدون مقابل؟ وكيف يمكن لإسرائيل أن تنسحب من الأراضي المحتلة عام 1967 وتترك نفسها تحت تهديد السلاح الفلسطيني؟ فإذا اعتبرنا أن الإطار الدولي لا بد أن يشمل دولا قوية مؤيدة لإسرائيل وتقدم لها الدعم العسكري والمادي، فإن إمكانية تحقيق القرارات الفلسطينية عبارة عن أضغاث أحلام وأوهام.

هل كان يدرك أعضاء المجلس أن توجههم الجديد لا يمكن تحقيقه إلا من خلال تنازلات حقيقية أم لا؟ لا أظن أنهم لم يدركوا ذلك خاصة أن المسألة واضحة تماما ولا تحتاج إلى عقلية فذة في التحليل السياسي. ومن هنا أرى أن قيادة المجلس في حينه قد بدأت تضع المقدمات نحو توجه سياسي جديد. ووافقها سواء بالقبول الصريح أو الضمني بقية أعضاء المجلس.

ينسحب هذا على التمسك بقرارات الأمم المتحدة الخاصة بحق الفلسطينيين بالمساواة وتقرير المصير. هل أدرك أعضاء المجلس أنهم انتقائيون في تأكيدهم على قرارات دون أخرى؟ هناك قرارات بخصوص تقسيم فلسطين وإقامة دولة يهودية، فهل تقبل الأمم المتحدة تطبيق بعض قراراتها وإهمال البعض الآخر؟ لا أظن أن المجلس في دورته الثانية عشرة كان مستعدا للاعتراف بقرار التقسيم لأنه أصر على تحرير فلسطين وإقامة الدولة الديموقراطية، لكنه من الناحية العملية، كان يتجه نحو هذه النتيجة وطلبه تطبيق قرارات صادرة عن الأمم المتحدة يشكل دليلا على ذلك.

فتح المجلس الوطني الفلسطيني مجالا واسعا أمام اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير للتحرك على المستوى الدولي والمناورة. وبدأت بذلك مرحلة جديدة من النشاط الدبلوماسي الفلسطيني. اعترفت العديد من الدول بمنظمة التحرير الفلسطينية التي أقامت بدورها المكاتب والبعثات الدبلوماسية في دول كثيرة. ودخلت المنظمة منظمات دولية مختلفة وأصبحت عضوا مراقبا في هيئة الأمم المتحدة. فتحت آفاق سياسية ودبلوماسية أمام المنظمة مما هيأ لها الوصول بصورة أيسر إلى الرأي العام العالمي خاصة في دول العالم الثالث والدول الاشتراكية. أدى هذا إلى مطالبة واسعة على المستوى العالمي لإحقاق الحق ومنح الشعب الفلسطيني حق تقرير المصير وانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة عام 1967.

ركزت منظمة التحرير الفلسطينية بشكل خاص على دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة لأن هذه الدول هي النصير الأساسي لإسرائيل. وقد أخذت الولايات المتحدة قسطا وافرا من هذا التركيز بسبب دورها المحوري على المستوى العالمي وعلى مستوى الشرق الأوسط. فأمريكا تقدم كل الدعم لإسرائيل من طائرات وصواريخ ومدافع ومساهمات اقتصادية ضخمة. وإذا كان هناك من دولة تستطيع الضغط على إسرائيل للاستجابة لمطلب الانسحاب فإنها فقط الولايات المتحدة الأمريكية. وهذا شيء منطقي خاصة أن المنظمة رأت في الساحة الدولية ساحة نضال قد تؤدي إلى الحل المرحلي المطروح. لكن من غير المنطقي أن تسعى المنظمة لدى أمريكا لحمل إسرائيل على الإنسحاب من الأراضي المحتلة/67 دون أن تقدم المنظمة التنازلات المطلوبة وعلى رأسها التخلي عن سياسة المراحل والاعتراف بإسرائيل وإقامة علاقات طيبة معها.

وهذا ما حصل بالضبط إذ أخذت الولايات المتحدة تطرح بعض العبارات بين الحين والآخر على ألسنة بعض مسؤوليها والتي كان من شأنها الإشارة إلى أن الولايات المتحدة لا تنظر إلى القضية الفلسطينية على أنها قضية لاجئين، لكن دون أن تذهب إلى حد الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره بنفسه. وفي تلك الأثناء قدمت الولايات المتحدة ردا على محاولات المنظمة التقرب منها والحصول على اعترافها. قالت الولايات المتحدة على لسان وزير خارجيتها عندئذ هنري كيسنجر أنها تشترط لفتح حوار مع منظمة التحرير اعتراف هذه الأخيرة بحق إسرائيل في الوجود والاعتراف بقراري مجلس الأمن 242 و 338 والتخلي عن الإرهاب.

كانت الشروط الأمريكية ثقيلة جدا على منظمة التحرير الفلسطينية خاصة أن كل قرارات المجالس الفلسطينية تتناقض مع هذه الشروط وأن المزاج الشعبي ما زال مع تحرير فلسطين ويرفض تقديم التنازلات. على الرغم من ذلك، كان واضحا أن اللجنة التنفيذية استغلت بندا في مقررات المجلس الوطني في دورته الثانية عشرة ينص على ضرورة تطوير التكتيك اللازم للوصول إلى إقامة سلطة وطنية مستقلة ومواصلة العمل على تحرير كامل فلسطين. فسرت اللجنة التنفيذية هذا البند بطريقة أتاحت لها الهمس بأنها ستقبل قرار مجلس الأمن 242. بمعنى أنها أسرت لدى الولايات المتحدة بأنها ستقبل بوجود إسرائيل. واشترطت المنظمة أن يكون ذلك مقابل الاعتراف بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني.

لم تنجز منظمة التحرير أي تقدم على ساحة الولايات المتحدة الأمريكية، ولم تسعفها الدول التي اعترفت بها وبحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير. فضلا عن هذا الفشل، واجهت منظمة التحرير وضعا صعبا في لبنان وتم إشغال كل القوى الفلسطينية في حرب طاحنة، ولهذا جاءت مقررات الدورة الثالثة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني المنعقدة في القاهرة بتاريخ 12/3/1977 منسجمة مع الشعور بالمرارة الذي أخذ يخيم على الأجواء الفلسطينية. لم يكن لدى قيادة الشعب الفلسطيني ما تقوله للمجلس وبالتالي خرج بقرارات أشبه ما تكون باجترار قرارات سابقة تدعو إلى الوحدة الوطنية ودعم الكفاح المسلح ورفض قرار مجلس الأمن 242.

لكن الدورة الثالثة عشرة اتخذت قرارا بتعزيز التضامن العربي، وبذلك ألغي تعبير الوحدة والاتحاد وانساق الفلسطينيون وراء الأنظمة العربية التي أخذت تتحدث عن التضامن العربي كبديل لشعار الوحدة العربية الذي طرح ردها من الزمن. وكذلك أجابت الدورة على طلبات الولايات المتحدة بأن رفضت المشاريع الأمريكية التي ترمي إلى استسلام العرب ورفض الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

امتدت روح الرفض الممزوج بمشاعر المرارة عبر الدورة الرابعة عشرة للمجلس الوطني المنعقدة في دمشق بتاريخ 15/1/1979. جاءت هذه الدورة بعد زيارة السادات لإسرائيل ورفضه الاستجابة لنداء العرب بالعدول عن خطواته وتوقيعه اتفاقيتي كامب ديفيد. ركزت هذه الدورة على وحدة الشعب الفلسطيني والدفاع عن منظمة التحرير ورفض المشاريع الاستسلامية. وأكدت الدورة على التمسك بقراري الجمعية العامة للأمم المتحدة رقمي 3236 و 3237. اعتبر القرار الأول الشعب الفلسطيني على أنه من الشعوب التي لها حق تقرير المصير، أما الثاني فمنح منظمة التحرير صفة مراقب في الأمم المتحدة.

على صعيد اتفاقيتي كامب ديفيد، تم رفضها من قبل المجلس وشدد على ضرورة مواجهتها وإفشالها لأنها مؤامرة أمريكية-صهيونية. وطالب الدول العربية الوقوف في وجه هذا المخطط الهادف إلى تصفية القضية الفلسطينية. وأوضح أن مواقف المنظمة من أي نظام عربي يتم تحديدها تبعا لرفضه أو قبوله لاتفاقيتي كامب ديفيد. واعتبر المجلس الولايات المتحدة، راعية الاتفاقيتين معادية للشعب الفلسطيني وأمانيه وأن المنظمة ستقاوم السياسة الأمريكية في المنطقة من أجل إفشالها.

لم تكن الدورة الخامسة عشرة التي عقدت في دمشق في 11/ 4/1981 مختلفة في وضعها عن سابقتها، تمت في هذه الدورة صياغة القرارات السابقة بالإضافة إلى قرارات إضافية بخصوص ترتيب الوضع الفلسطيني. لكن هذه الدورة أضافت بعدا جديدا بتوجيهها المديح لما أسمته القوى الديموقراطية والتقدمية اليهودية المعادية للصهيونية الموجودة في الوطن المحتل. وقالت أن دور هذه القوى إيجابي من حيث اعترافها بمنظمة التحرير الفلسطينية وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني. وأوضح القرار أنه لا يجوز إجراء اتصالات مع الأطراف التي تتبنى الصهيونية كعقيدة وممارسة. بذلك بدأت منظمة التحرير الفلسطينية تفرق بين المستوطنين اليهود في فلسطين. فمنهم الجيد ومنهم الخبيث. وبالاستثناء الوارد، أجازت منظمة التحرير الاتصال مع النوع الجيد دون أن يلحق ذلك أي عواقب.

حتى نهاية الدورة الخامسة عشرة ظهر أن الفلسطينيين ممثلين بمجلسهم الوطني الفلسطيني ولجنتهم التنفيذية للمنظمة يميلون نحو الليونة في التعامل مع ما يمكن أن يقبلوه، أو مع مواقف سابقة. لم تحدث تنازلات جذرية بخصوص المطالب الفلسطينية، لكن تمت بعض التنازلات هنا وهناك عن مواقف سابقة يمكن اعتبارها تمهيدية. أي أن المجلس لم يشأ أن يضع على الطاولة كل ما يمكن أن يحقق شيئا للشعب الفلسطيني مهما كان بسيطا، لكنه زرع البذور التي يمكن أن تتطور مع المستقبل, هذا يتمشى مع الملاحظة أن الفلسطينيين، كما كان الأمر قبل عام 1948 لا يتسرعون في قبول ما يُقدم لهم ويمكن أن يحقق لهم شيئا جملة ومرة واحدة، بل يفضلون القبول على دفعات وبالتدريج مع الزمن.

لغاية نهاية الدورة الخامسة عشرة كان من الواضح أن المجلس الوطني الفلسطيني قد غير مواقفه بخصوص عدد من القضايا منها:

أولا:- تبدل الموقف من الوحدة العربية كطريق نحو تحرير فلسطين إلى اتحاد بين دول المواجهة ثم إلى تضامن عربي ثم إلى وحدة وطنية.

ثانيا:- تبدل الموقف من تحرير كامل التراب الفلسطيني إلى إقامة سلطة وطنية مستقلة على أي جزء من فلسطين يتم تحريره شريطة أن يتم بعد ذلك تحرير بقية أجزاء فلسطين.

ثالثا:- أصبح من الممكن أيضا القبول بالهجرة اليهودية إلى فلسطين من خلال فكرة الدولة الديموقراطية، بعد أن كان هناك معادلة سكانية محددة يصر عليها الموقف الفلسطيني.

رابعا:- أصبح من الجائز إقامة حوار أو علاقات مع قوى يهودية من المهاجرين اليهود من الذين تمت تسميتهم بالقوى الديموقراطية.

خامسا:- تطور الموقف من قرارات الأمم المتحدة إلى القبول بتلك القرارات التي تتحدث عن حق تقرير المصير وعودة الفلسطينيين، ثم إلى القبول بقرارات الأمم المتحدة دون تحديد واضح للقرارات المقبولة والقرارات المرفوضة. علما بأن ذلك يشمل قرار التقسيم لعام 1947.

مرحلة الاعتراف بإسرائيل

بدأت المرحلة القائمة الآن مع انتهاء الدورة الخامسة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني. أخذت هذه المرحلة تتميز ببروز دور اللجنة التنفيذية للمنظمة وخاصة رئيسها ياسر عرفات على حساب المجلس الوطني الفلسطيني. فبعد أن كانت اللجنة التنفيذية تنتظر قرار المجلس الوطني لتمارس تحركها أصبحت تأخذ المبادرة على عاتقها رويدا رويدا، ثم تحاول بعد ذلك أن تأخذ القرار المناسب من المجلس الوطني. وقد عبر عن هذه المرحلة بدقة وربما بعفوية إحدى المجلات الفلسطينية الصادرة في القدس والتي عنونت مقالا لها حول انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني قائلة أن المجلس الوطني الفلسطيني يقر خطة عرفات. وذلك قبل انعقاد المجلس بحوالي ثلاثة شهور.

لوحظ بعد الدورة الخامسة عشرة أن منظمة التحرير أخذت تركز على الغرب وخاصة أمريكا لجني الموافقة على مشاريع حلول تصون على الأقل بعض حقوق الفلسطينيين، وكذلك على الإسرائيليين عسى أن يكون من بينهم من يؤيد حلا يشتمل على إقامة دولة فلسطينية. لم تلتزم قيادة المنظمة بالاتصال فقط بمن أسمتهم القوى الديموقراطية، بل أقامت اتصالات مع آخرين كان منهم شمعون بيريس أحد قيادات حزب العمل. وعلى صعيد أوروبا الغربية حاولت المنظمة إقناع الدول الأوروبية بالاعتراف بالمنظمة مقابل إعلان المنظمة عن استعدادها للاعتراف بإسرائيل. لكن ذلك لم يحصل علما بأن قرارات المجلس الوطني لا تمنح اللجنة التنفيذية حرية البحث في هذه المقايضة.

على صعيد الولايات المتحدة ازداد الأمر سوءا وبقي الموقف الأمريكي عند حاله وحسب الشروط التي وضعها كيسنجر. أما إسرائيل فلم تستجب لأي تلميح فلسطيني، وبدت عازمة على إنزال ضربة قاسية بمنظمة التحرير في لبنان. وفعلا هذا ما تم. قامت إسرائيل بالهجوم على القوات الفلسطينية عام1982 وحاصرت بيروت، وأجبرت هذه القوات على الخروج من لبنان.

حصلت بعض التطورات السياسية على الصعيد الفلسطيني إبان حصار بيروت أعطت مؤشرات حول التوجهات الفلسطينية في المرحلة التي تلي. فمثلا أبدى ياسر عرفات استعداده خطيا لقبول كل قرارات الأمم المتحدة الخاصة بالقضية الفلسطينية مما يعني أنه على استعداد للقبول بقراري مجلس الأمن 242و 338 جنبا إلى جنب قراري الجمعية العامة181 و 194. وقد تعزز هذا التوجه عندما قام بمقابلة صحفيين إسرائيليين في بيروت وأجرى معهم مقابلات صحفية أشارت إلى رغبة في تحقيق تعايش سلمي في المنطقة من خلال إطار دولي يحدد مقومات السلام في المنطقة. وقد أبدى عرفات بوضوح قناعته بإمكانية التعايش بين إسرائيل والدولة الفلسطينية المستقبلية، مما يعني أن المنظمة باتت مستعدة للاعتراف بإسرائيل حسب توضيح عصام السرطاوي، أحد مساعدي رئيس اللجنة التنفيذية.

ربما أتت هذه التصريحات تحت ضغط ظروف الحصار الذي كان مفروضا على منظمة التحرير في بيروت، لكنه تبين فيما بعد أنه كان مقدمة لاتخاذ خطوات جدية بهذا الاتجاه. وقد كان معنى هذا بروز اتجاه داخل المنظمة يتخلى عن سياسة المراحل وتحرير كامل التراب الفلسطيني. فما دامت المسألة مرتبطة باعتراف بإسرائيل فإن في ذلك ترتيبات أمنية وقانونية وعسكرية تضمن عملية التعايش ضمن مرحلة السلام.

لم تكن المنظمة هي الوحيدة التي تحاول تهيئة الأجواء لمرحلة ما بعد بيروت. إذ أنه مباشرة بعد تحقيق الانتصار العسكري الإسرائيلي في لبنان أعلن الرئيس الأمريكي ريغان عن مشروعه لحل مشكلة الشرق الأوسط والمعروف بمشروع ريغان. تضمن المشروع التأكيد على حق إسرائيل في الوجود وحقها في حدود آمنة معترف بها. تم تجاهل منظمة التحرير الفلسطينية، ونص على أن حل القضية الفلسطينية يجب أن يكون من خلال الأردن. واعتبر المشروع قرار مجلس الأمن 242 أساسا للحل.تلا هذا المشروع مباشرة مشروع عربي صادر عن القمة العربية المنعقدة في مدينة فاس في المغرب في أيلول/1982. أكد هذا المشروع على ضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة عام1967، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس، ووضع ضمانات من قبل مجلس الأمن لحفظ السلام بين جميع الدول، بمعنى آخر اعتراف متبادل بين إسرائيل والدول العربية. أيدت منظمة التحرير الفلسطينية عبر رئيس اللجنة التنفيذية مشروع فاس والذي لا ينسجم بتاتا مع قرارات المجلس الوطني الفلسطيني.

لكن المجلس الوطني الفلسطيني استدرك الأمور فيما بعد أثناء انعقاده في دورته السادسة عشرة المنعقدة في الجزائر بتاريخ 14/2/1983. رفض المجلس مشروع ريغان، وأيد المشروع العربي ناصا على أن قرارات قمة فاس هي الحد الأدنى للتحرك السياسي للدول العربية الذي يجب أن يتكامل مع العمل لصالح النضال والحقوق الفلسطينية والعربية. وبهذا يكون المجلس الوطني قد خالف ميثاقه قبل أن يعدل نصوصه. ومن الجدير التذكير به هو أن المجلس يعتبر عملية التعديل ذات صبغة خاصة تتطلب جلسة خاصة للمجلس، وأن التعديل يتطلب أغلبية الثلثين.

أكدت الدورة أيضا على استقلالية القرار الوطني الفلسطيني، وأن القرار الوطني لا يرضخ للضغوط الموجهة ضده. وقد جاء هذا القرار متناسبا مع مرحلة من الضعف كانت تمر فيها المنظمة بعد الحرب في لبنان. وقد تمشى ذلك أيضا مع عدد من القرارات التي أكدت على وحدانية تمثيل منظمة التحرير للشعب الفلسطيني، وعلى تمسكها بالحقوق الثابتة للشعب.

على الصعيد العربي أكدت القرارات على ضرورة التلاحم مع القوى العربية التحررية، ودعا إلى تحقيق التضامن العربي. وبالنسبة لمصر فقد تمسك المجلس بقراراته السابقة ورفض كامب ديفيد وأكد دعمه للشعب المصري حتى تؤوب مصر إلى موقعها النضالي.

تبع ذلك نشاط آخر من قبل رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وهي زيارته المفاجئة لمصر التي كانت مقاطعة بقرار من القمة العربية، وبقرارات من المجلس الوطني الفلسطيني. على إثر أحداث البقاع وطرابلس في لبنان عام 1983 وما شهدته من اقتتال فلسطيني-فلسطيني قاده جناح من فتح بقيادة سعيد موسى وجناح آخر بقيادة ياسر عرفات وخروج المقاتلين المؤيدين لرئيس اللجنة التنفيذية من لبنان، قرر ياسر عرفات زيارة مصر التي كانت تعتبر خارجة عن الصف العربي وغير ملتزمة بتحقيق الحقوق الفلسطينية المشروعة. وقد برر عرفات زيارته بأنه أراد تقديم الشكر للرئيس مبارك الذي عمل على تسهيل خروج قواته من لبنان بسلام. لم يصدر عن اللجنة التنفيذية للمنظمة تعليق رسمي يوضح الموقف من هذه الزيارة وتغاضى المجلس الوطني التالي عن الأمر.

لم تأت الدورة السابعة عشرة للمجلس المنعقدة في تشرين ثاني، نوفمبر/1984 في عمان بجديد إذ كانت أشبه ما تكون بدورة لعق الجراح خاصة بعد الإنشقاق في حركة فتح وظهور الخلافات الحادة بين الفصائل المشاركة في المنظمة، وكذلك إثر التوتر المتصاعد بين سوريا والمنظمة. كانت الدورة محاولة لظهور منظمة التحرير أمام العالم على أنها متكاملة وقادرة على الاستمرار على الرغم من الظروف القاسية. ولعل أبرز ما قررته الدورة هو التمسك بالميثاق الوطني الفلسطيني. بدا من خلال هذا القرار أنه بدأت عودة إلى الجذور ومحاولة إعادة البناء على أسس جديدة. لكن التطورات التي تلت بينت أن المجلس اتخذ قراره في محاولة جذب عاطفي للم الشمل وتحجيم الخلافات على الساحة الفلسطينية.

شهد العام 1985 انطلاقة واسعة في مرحلة التفكير الجديدة. فشلت المنظمة عبر السنتين 1983،1984 في كسب ود الولايات المتحدة التي لم تعمل أبدا على تقديم أي إشارة للتقرب من المنظمة على الرغم من الإشارات الضمنية التي صدرت عن مسؤولين في المنظمة، وموافقة المنظمة على مشروع فاس وقيام ياسر عرفات بزيارة مصر. وعليه قامت المنظمة بخطوة أخرى عساها تجعل إمكانية الحوار مع الولايات المتحدة واردة. تمثل ذلك في عقد اتفاق بين المنظمة والمملكة الأردنية سمي اتفاق عمان. صدر هذا الاتفاق بعد مشاورات مكثفة استمرت عدة أشهر في 11شباط، فبراير/ 1985 . أُعلن الاتفاق على قاعدة المؤتمر العربي في فاس، وبناء على قرارات الأمم المتحدة مع الاعتراف بالشرعية الدولية. وتمسك الاتفاق بعدة مبادىء هي الأرض مقابل السلام، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، والعمل على حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين حسب قرارات الأمم المتحدة، ومن ثم حل القضية الفلسطينية حلا شاملا ونهائيا من خلال مؤتمر دولي تحضره جميع الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن. واتفق الطرفان على أن يتمثل الجانبان الأردني والفلسطيني في المؤتمر المقترح بوفد أردني- فلسطيني مشترك.

قدم هذا الاتفاق عدة طروحات جديدة على الساحة الفلسطينية أصبح يتبناها على الأقل رئيس اللجنة التنفيذية للمنظمة الذي وقع الاتفاق. من ناحية، يشير الاتفاق إلى أنه أصبح هناك قبول رسمي بالشرعية الدولية التي أصدرت القرارات 181،242،و338، وهذه القرارات كانت مرفوضة دائما من قبل المجالس الوطنية الفلسطينية. ويشير أيضا إلى أن القبول بمؤتمر دولي يعني الاستعداد للقبول بإسرائيل كجزء من المنطقة، والموافقة على ضمانات دولية تضمن أمن وحدود كل طرف من أطراف النزاع. هذا بالإضافة إلى استعداد المنظمة للتخلي عن شعارها بأنها هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وعن مطلبها في أن تكون شريكا كاملا ومستقلا في أي محادثات تهدف إلى تحقيق حل عادل وشامل في المنطقة. فهي من خلال الاتفاق أصبحت مستعدة للمشاركة في التمثيل.

لم تستجب أمريكا إيجابيا لهذا التطور، وواجه عرفات حملة واسعة ضد الاتفاق من داخل حركة فتح ومن الفصائل الفلسطينية الأخرى. نتيجة لذلك، أخذ عرفات يتباطأ في التنسيق مع الأردن ويماطل مما دعا الحكومة الأردنية بعد عام من التوقيع إلى الإعلان عن وقف التنسيق مع المنظمة. وبهذا دخل الاتفاق إلى مرحلة من التجميد.

إعلان القاهرة (بيان الإرهاب) لعام 1985

في ذات الفترة التي كان فيها إتفاق عمان قائما، عمل عرفات على تحسين العلاقات مع مصر حيث قام بزيارتها عدة مرات. وفي إحدى زياراته كسر كل المحاذير فيما يتعلق بقرارات المجلس الوطني الفلسطيني وأعلن أن العلاقة مع مصر إستراتيجية وتم توقيع اتفاق تعاون وتشاور بين القاهرة والمنظمة. لكن الأهم من ذلك هو صدور بيان الإرهاب باسم رئيس المنظمة. أعلن عرفات في 7 تشرين ثاني/1985 بيانا قال فيه أنه ينبذ الإرهاب (النبذ معناه التخلي والإدانة)، وأن منظمة التحرير تدين جميع عمليات الإرهاب التي يقوم بها الأفراد أو الجماعات ضد الأبرياء في كل مكان. وتعهد عرفات بأن يتخذ الإجراءات الرادعة في حق المخالفين. وطالب المجتمع الدولي بالعمل لدى إسرائيل لوقف أعمالها الإرهابية.

كان من الواضح أن البيان موجه أيضا نحو أمريكا. بدأت الأمور تنحصر باتجاه سعي المنظمة المتسارع لكسب التفهم الأمريكي. فهذا الإعلان يلبي أحد الشروط الأمريكية والتي أصرت حكومة واشنطن على تنفيذها قولا وعملا منذ العام 1975. بالإضافة إلى هذا، كان من شأن الإعلان أن يتخلى عن تلك الأعمال الفدائية والقتالية التي كانت مصدر افتخار بالنسبة للفلسطينيين. وكأن الإعلان قد أقر أن الفلسطينيين كانوا فعلا إرهابيين وأنهم سيتوقفون عن ممارسة هذه الصفة. أدى هذا في النهاية إلى ارتفاع حدة اللغط والخلافات على الساحة الفلسطينية. وهذه نتيجة بقيت ملازمة لكل الخطوات السياسية التي قام بها ياسر عرفات وابتعد فيها عن بنود الميثاق الوطني الفلسطيني.

في 9/تشرين ثاني/1985 أعلن عرفات استعداده لقبول كل القرارات الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية وطالب بعقد مؤتمر دولي. ثم أتبع إعلانه بإعلان آخر أبدى فيه استعداده للاعتراف بقراري مجلس الأمن 242و338، لكن شريطة إشراك المنظمة في مؤتمر دولي. وقال بأن إعلانه عن الاعتراف سيبقى محفوظا حتى اتخاذ الإجراءات اللازمة لعقد المؤتمر الدولي. وهذا الإعلان يلبي أيضا أحد الشروط الأمريكية المطلوب تنفيذها من المنظمة.

من الجدير بالذكر أن عرفات أصبح صاحب قرار حاسم في منظمة التحرير، ولا يبدو أن معارضة ذات قيمة كانت تواجهه داخل اللجنة التنفيذية، وكأن أعضاء اللجنة قد فوضوه باتخاذ الخطوات السياسية المناسبة. إعلاناته هذه لم تكن تتم بناء على قرارات صادرة عن اللجنة التنفيذية، حتى أن الإعلان بنبذ الإرهاب لم تناقشه اللجنة التنفيذية إلا بعد صدوره بحوالي أسبوعين. والنتيجة كانت إقرار الإعلان.

إزاء هذه الخطوات السياسية من جانب رئيس اللجنة التنفيذية، ظهرت قرارات الدورة الثامنة عشرة للمجلس الوطني غير منسجمة تماما، مما يؤكد عدم التنسيق أو البحث عن توافق ما بين قرارات المجلس والسلطات التنفيذية المخولة. فمن ناحية، رفضت الدورة والتي عقدت في أواخر نيسان/1987 في الجزائر قرار مجلس الأمن 242 لأنه لا يشكل قاعدة ملائمة لحل القضية الفلسطينية. وأكدت على ما قررته دورات سابقة بأن القرار يتعامل مع قضية فلسطين على أنها قضية لاجئين.

وأصرت الدورة على مؤتمر دولي كامل الاختصاص تحضره الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن وبحضور منظمة التحرير الفلسطينية. والغريب أن الدورة حددت العلاقات مع مصر وفق قرارات المجالس السابقة. والأغرب أن المجلس لم يتحدث عن إعلان عرفات عن نبذ الإرهاب أو استعداده للقبول بقراري مجلس الأمن 242و 338، ولم يشر إلى الإتفاق الذي عقده مع مصر عام 1985. وهذا ما دعا العديد من الفلسطينيين للتفكير في الدور الذي يلعبه المجلس الوطني أو الدور الذي تخلى عن لعبه.

الدورة التاسعة عشرة -الجزائر- 1988م

لم تنضج توجهات عرفات السياسية على مستوى المجلس الوطني الفلسطيني إلا عام 1988، أي خلال الإنتفاضة. أحدثت الانتفاضة هزة كبيرة في المنطقة أدت إلى تحركات سياسية واسعةالنطاق وقد وجدت المنظمة فيها فرصة كبيرة لاقتحامٍ أوسع لميادين السياسة الدولية ولإقناع واشنطن بتغيير موقفها . وقد قدمت المنظمة بداية طُعم لواشنطن في محاولة لجس نبضها وتوجهاتها. وذلك من خلال وثيقة عُرفت بوثيقة بسام أبو شريف. وجه بسام أبو شريف رسالة غير موقعة للإدارة الأمريكية اعترف فيها بقراري مجلس الأمن 242و338، وبحق إسرائيل في الوجود. حاولت واشنطون مع عرفات لتوقيع الرسالة لكنه رفض.

لكن التوقيع جاء من قبل المجلس الوطني الفلسطيني في دورته التاسعة عشرة المنعقدة في تشرين ثاني/1988 في الجزائر. أعلن المجلس وثيقة الاستقلال التي تضمنت قيام الدولة الفلسطينية بناء على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يقدم فيها مجلس وطني فلسطيني على القبول بهذا القرار والتخلي عن جزء من فلسطين يقدر بحوالي 56% من مساحتها. هذا علما بأن المجلس لم يعط انطباعا بأنه سيصر على التمسك بالقرار 181، بل أقدم على الإعتراف بقراري مجلس الأمن 242و338، واللذين يشترطان الإعتراف بحق دول المنطقة في العيش بسلام، وهما ضمنا يقرران أن حدود إسرائيل تشمل على الأقل تلك التي كانت قائمة عشية حرب 1967. أي أن المجلس أعلن الدولة بناء على أسس نقضها في قراراته السياسية. فالقرار 242 لا يتضمن القرار 181 ولا يعتبره مرجعا في حل مشكلة الشرق الأوسط أو القضية الفلسطينية.

طالبت المنظمة بعقد مؤتمر دولي للسلام، ونشطت دبلوماسيا خاصة أن اعترافها بقراري مجلس الأمن قد شكل انطلاقة جديدة في عملها الدبلوماسي وفرصة جيدة لقبول واشنطن لمبدأ الحوار معها.

لم تقبل واشنطن بقرارات المجلس الوطني الفلسطيني ولم تستجب لما أرادت أن تحققه منظمة التحرير وهو إجراء مفاوضات بينها وبين الولايات المتحدة. وقد أتى هذا الرفض بشكل غير لائق بتاتا بحيث رفضت واشنطن منح عرفات تأشيرة دخول للولايات المتحدة وذلك لإلقاء خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. هذا على الرغم من أن قيادة المنظمة قد عملت على تلبية طلبات واشنطن الثلاثة من خلال قرارات المجلس الوطني في دورته الثامنة عشرة.

على أية حال، عقدت الجمعية العامة جلستها في مقر الأمم المتحدة في جنيف وذلك لتمكين ياسر عرفات من إلقاء كلمته. في كلمته أشار ياسر عرفات إلى قرار الأمم المتحدة رقم 181 الخاص بإقامة دولتين في فلسطين، لكنه لم يطالب بتطبيقه وقال عرفات بالتحديد:

إن الإدارات الأمريكية المتعاقبة تعرف أن شهادة الميلاد الوحيدة لقيام دولة إسرائيل هي قرار رقم 181 الصادر عن الجمعية العامة في 29/نوفمبر (تشرين الثاني) 1947، والذي وافقت عليه في حينه الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وهو ينص على قيام دولتين في فلسطين، واحدة عربية فلسطينية والثانية يهودية. فكيف تفسر الحكومة الأمريكية موقفها الذي يقر ويعترف بنصف هذا القرار المتعلق بإسرائيل وترفض نصفه الآخر المتعلق بالقضية الفلسطينية.

على الرغم من أن وثيقة الاستقلال تعلن إقامة دولة فلسطينية حسب قرار الأمم المتحدة 181، إلا أن رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية لم يطالب به. حتى أنه لم يحاول أن يتساءل لماذا ترفض أمريكا النصف الآخر المتعلق بالدولة الفلسطينية واستبدل عبارة الدولة الفلسطينية بالقضية الفلسطينية.لكنه أوضح أمام الجمعية العامة أن دولة فلسطين في حال قيامها سترفض العنف ولن تهدد أي دولة أخرى أو تعتدي على أراضيها. وأشار إلى ضرورة انعقاد مؤتمر دولي على قاعدة قراري مجلس الأمن 242و338 وضمان الحقوق الوطنية والسياسية المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حق تقرير المصير. أما عن الشكل القادم للدولة الفلسطينية فقال عرفات أنها ستكون ضمن اتحاد كونفدرالي مع الأردن. ثم أدان الإرهاب الذي حاول أن ينفيه عن نفسه بقوله أن العديد من القادة اتهمهم جلادوهم بالإرهاب، ولكنهم انتهوا تاريخيا ليكونوا أبطالا وحراسا على مصالح شعوبهم.

لكن خطاب عرفات لم ينل رضا واشنطن إذ أعلنت على الفور أنه لا يلبي الشروط الأمريكية لأنه غامض. وعبر وزير خارجية السويد أوضحت واشنطن ما تريده من عرفات بالضبط. وما كان من عرفات إلا أعلن عن قبول الشروط الأمريكية بحرفيتها على شاشات التلفاز وأمام العالم كله في 14/كانون أول، ديسمبر/1988. عقد عرفات مؤتمرا صحفيا قرأ في بدايته نصا باللغة الإنكليزية جاء فيه قبول للشروط الأمريكية الثلاثة وهي القبول بقراري مجلس الأمن 242و338، والاعتراف بوجود إسرائيل وحقها في السلام والأمن، ونبذ الإرهاب بالكامل وبكافة أشكاله.

وبذلك يكون بعض الفلسطينيين وعلى رأسهم ياسر عرفات قد سلموا أخيرا بأمر واقع وفق شروط عدو متبجح قدم كل الدعم لإسرائيل عبر عقود من الزمن. أصبحت إسرائيل، من وجهة نظر الناطق الفلسطيني المعترف به دوليا، حقيقة واقعة معترفا بها، وانتهت بذلك مرحلة من الرفض للانصياع للقوة ورغبة الأعداء لصالح الموافقة والسير في ركب الباحثين عن حل ضمن المعادلة الدولية التي يفرضها الغرب.

والنتيجة لم تكن دولة فلسطينية، ولم يكن هناك اعتراف من قبل الأعداء بتلك الحقوق التي تطالب بها منظمة التحرير. انحسر المقابل فقط بفتح حوار وليس مفاوضات بين الولايات المتحدة الأمريكية عبر سفيرها في تونس، وبين منظمة التحرير عبر سفيرها في تونس أيضا.

كان الحوار هزيلا وشكليا وما لبثت الولايات المتحدة أن وجدت المبرر لوقفه. لم تكن الولايات المتحدة جدية وربما أرادت أن تظهر أمام العالم أنها تفي بوعودها التي قطعتها على نفسها منذ عهد كيسنجر.

يبدو أن الولايات المتحدة لم تكن جادة في مسألة الحوار مع منظمة التحرير الفلسطينية خاصة وأنها ملتزمة بقراري مجلس الأمن 242و338. صحيح أن المنظمة اعترفت بالقرارين كأساس لعقد مؤتمر دولي بشأن الشرق الأوسط، وصحيح أن رئيس المنظمة والمجلس الوطني قد اعترفا بإسرائيل، لكن هذا الاعتراف كان مقترنا بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وبمطلب الانسحاب الكامل من الأراضي التي تم احتلالهاعام 1967. هذا الاقتران مناقض لروح ونص القرارين المذكورين. وبما أن الفلسطينيين تدرجوا عبر الزمن للقبول بما رفضوه سالفا، فإن استمرارهم في السير التدريجي نحو قبول المزيد من المواقف المرفوضة سابقا أمر وارد.

حاولت المنظمة عبر جهودها الدبلوماسية خاصة عبر أوروبا أن تليّن موقف الولايات المتحدة ولكن دون فائدة. استمر الوضع على ركوده حتى بعد انتهاء حرب الخليج والتي أذنت بقبول الدول العربية لشروط إسرائيل القديمة والقائلة أن الحل لقضية الشرق الأوسط ينبثق فقط عن مفاوضات ثنائية مباشرة بينها وبين جيرانها كل على حدة.

أما النسبة لقضية فلسطين فحلها ممكن عبر التفاوض إما مع الملك حسين أو مع سكان المناطق المحتلة عام 1967.

فكرة المؤتمر الدولي للسلام (مدريد) عام 1991

طرح وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر فكرته حول المؤتمر الدولي لحل مشكلة الشرق الأوسط عقب انتهاء الحرب الأمريكية-العراقية. طرح بيكر عقد مؤتمر دولي برعاية كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي الذي كان على وشك الانهيار، وبحضور إسرائيل والأطراف العربية كل على حدة، وبحضور الفلسطينيين ضمن وفد مشترك مع الأردن.

اجتمع المجلس الوطني الفلسطيني لمناقشة الأمر في أيلول، سبتمبر/1991 وقرر المشاركة في مؤتمر السلام المقترح وفق قراري مجلس الأمن 242و 338 وبطريقة تشمل الانسحاب الكامل بما في ذلك القدس، وتحقيق مبدأ الأرض مقابل السلام والحقوق الوطنية الثابتة للشعب. واشترط المجلس وقف الإستيطان مع ضرورة وجود ضمانات دولية لذلك، وحق منظمة التحرير في تمثيل الفلسطينيين كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني وتحديد صيغة مشاركتها على أساس متكافىء وبما يؤكد مرجعيتها، وتنسيق المواقف العربية لضمان حل شامل، وتأكيد مراحل الحل لضمان حل نهائي وفق قرارات الشرعية الدولية. وأوضح المجلس أن المنظمة تهدف من خلال مشاركتها في مؤتمر السلام إلى تأمين حق تقرير المصير والاستقلاال الوطني، والانسحاب الكامل من الأرض المحتلة/67، وحل مشكلة اللاجئين وفق قرار الجمعية العامة 194 الذي يعد بالعودة أو التعويض لمن لا يريد العودة، وتثبيت سيادة الشعب الفلسطيني على الأرض والمياه والمصادر الطبيعية والشؤون الاقتصادية والسياسية، وتوفير حماية دولية للشعب الفلسطيني حتى ممارسة حق تقرير المصير وإزالة المستوطنات.

نشط الأمريكيون في سبيل إقناع الأطراف العربية للمشاركة في وفود منفردة في مؤتمر السلام ووجهوا رسائل تطمينات لمختلف الأطراف بما في ذلك إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. جاءت الرسالة الأمريكية لمنظمة التحرير عبر رجالها المعتمدين في القدس. وصف بعض الفلسطينيين الرسالة على أنها تعد بإقامة دولة فلسطينية وبعضهم قال أنها تعترف بحق الفلسطينيين في تقرير المصير. لكن ياسر عرفات وصف الرسالة بأنها إيجابية لكنها لم تعط تطمينات حول ثلاث قضايا أساسية وهي مسألة القدس والانسحاب وحق تقرير المصير. لكنه لم يقل كيف تكون الرسالة إيجابية إذا لم تمس هذه المواضيع الأساسية. حقيقة أن هذه الرسالة لم تؤكد على تأييد أمريكا لإقامة دولة فلسطينية. ما قالته الرسالة أنه إذا كانت نتيجة المفاوضات مع إسرائيل إقامة دولة فلسطينية فإن الولايات المتحدة ستوافق على ذلك.

دخلت منظمة التحرير الفلسطينية المفاوضات ضاربة مقررات المجلس الوطني الفلسطيني المخالفة أصلا للميثاق الوطني الفلسطيني بعرض الحائط. فمثلا لم تتمثل منظمة التحرير الفلسطينية في المؤتمر كطرف مستقل، بل تم تشكيل وفد أردني-فلسطيني مشترك. صحيح أن المنظمة وجهت الوفد الفلسطيني من الناحية العملية لكنها من الناحية الرسمية والقانونية لم تكن ممثلة. هذا فضلا عن أن المنظمة لم تكن حرة في اختيار أعضاء الوفد وإنما كان ذلك خاضعا لقبول الولايات المتحدة وإسرائيل. أي أن موافقة إسرئيل والولايات المتحدة على عضوية الوفد كانت شرطا أساسيا للعضوية، وكان لزاما أن توافق كل من الدولتين على كل إسم. أما بناء المستوطنات أو توسيعها لم يتوقف، وما زالت عملية البناء ومصادرة الأراضي مستمرة حتى الآن.

انتقلت المفاوضات إلى واشنطن وسارت على نمط جولات تباينت في مدتها. طرح على الفلسطينيين الحكم الذاتي بداية فوافقوا على ذلك شريطة اقترانه بصلاحيات تشريعية تفضي إلى قيام دولة فلسطينية ذات سيادة. لكن الإسرائيليين رفضوا ذلك.

حدثت هزتان خلال المفاوضات أظهرت جليا الإرهاب الصهيوني والإصرار على الاستمرار فيه. أولها كان إبعاد حوالي أربعمائة من نشطاء الحركة الإسلامية من البلاد والثاني مجزرة الخليل. أبعدت إسرائيل ذلك العدد الكبير من الفلسطينيين في 17/12/1992 بدعوى قيام عناصر الحركة الإسلامية بعمليات فدائية ضد الاحتلال، وقد كان أكبر إبعاد بعد أحداث عامي 1948و 1967، وكان بطريقة قاسية بشعة. كان الحدث محكا للمفاوض الفلسطيني الذي أعلن على لسان منظمة التحرير أن لا عودة إلى طاولة المفاوضات إلا بإعادة المبعدين. لم يصمد المفاوض وعاد إلى طاولة المفاوضات دون أن يعود المبعدون.

وُضع المفاوض الفلسطيني على المحك ثانية بعد مجزرة الخليل التي جرت بتاريخ 25/2/1994 وراح ضحيتها عشرات الفلسطينيين على يد أحد الصهاينة داخل الحرم وأيدي الجيش الإسرائيلي. أعلن المفاوض الفلسطيني أنه لن يعود إلى المفاوضات إلا إذا تم وضع الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة/67 تحت الحماية الدولية. لم يصمد المفاوض وعاد إلى طاولة المفاوضات دون أن تتحقق الحماية.

فهل كان المفاوض الفلسطيني سيصمد على موقف؟ تبين فيما بعد أن المفاوضات الحقيقية لم تكن تجري في واشنطن وإنما في أوسلو، عاصمة النرويج. كانت تجري مفاوضات سرية بين إسرائيل بقيادة شمعون بيرس ومنظمة التحرير بقيادة محمود عباس. وتبين أن تهديد منظمة التحرير بوقف المفاوضات لم يكن يعني إلا وقف تلك المفاوضات الشكلية الجارية في واشنطن. كان الشعب ينتظر ما ستفعله القيادة بشأن استمرار المفاوضات في حين أن المفاوضات الفعلية لم تنقطع أو تتوقف.

فوجىء المفاوض الفلسطيني كما فوجىء شعب فلسطين باتفاق بين إسرائيل ومنظمة التحرير أصبح يعرف باتفاق أوسلو والمعلن عنه في 13/أيلول، سبتمبر/1993. أسقط الاتفاق كل الشروط والمطالب الفلسطينية التي تم الحديث عنها منذ عام 1919 حتى االلحظة. وتم التوقيع عليه من قبل محمود عباس بتفويض من ياسر عرفات ودون الرجوع إلى المجالس التي تعتبرها منظمة التحرير الفلسطينية شرعية وتمثل الشعب الفلسطيني وصاحبة القرار. والجدير بالذكر أن إسرائيل والدول الغربية المؤيدة لها قبلت بموافقة ياسر عرفات المنفردة على الاتفاق ولم تشترط الموافقة المسبقة للمجالس الفلسطينية. وافقت إسرائيل شريطة أن يتم إلغاء بنود الميثاق الوطني الفلسطيني المتعلقة بما تسميه إسرائيل بالإرهاب والدعوة إلى إزالتها وذلك في موعد مؤجل.

كرر اتفاق أوسلو إلى حد بعيد ما طرحته إسرائيل على العرب والفلسطينيين عبر الزمن وهو إقامة حكم ذاتي فلسطيني في مناطق فلسطينية دون أن يكون للفلسطينيين سيادة على أي شبر من الأرض. تضمن مشروع ألون القديم هذا الطرح، وكذلك تضمنته أقوال جولدا مائير عام 1973، ومشروع مناحيم بيغن عام 1977، ومشروع مناحيم ميلسون عام 1981.

اعتُبر اتفاق أوسلو خطوة أولى نحو حل دائم للقضية الفلسطينية ولذلك أُجّل البت في مواضيع حاسمة مثل اللاجئين والمستوطنات ومدينة القدس والحدود. وبذلك تكون القيادة الفلسطينية قد قبلت إدارة شؤونها المدنية والدينية اليومية دون أن تكون لها سيادة. بل قبلت أيضا ألا تكون حرة في إدارة شؤونها هذه، وإنما تشارك إسرائيل في اتخاذ القرار. هذا ما أوضحه اتفاق القاهرة الذي تم توقيعه في 4/5/1994 والذي يعتبر تفسيرا لاتفاق أوسلو بشأن الصلاحيات المدنية المحدودة. وأسقطت القيادة من الاتفاق مطلب الدولة المستقلة وحق تقرير المصير، وفوق ذلك ارتضت لنفسها ملاحقة الفلسطينيين الذين يهاجمون الاحتلال ومعاقبتهم وزجهم بالسجون.

اتفاق أوسلو في جوهره، عبارة عن تصريح بلفور لعام 1917. قال بلفور أنه سينظر إلى فلسطين على أنها وطن قومي لليهود مع مراعاة الحقوق الدينية والمدنية للأقليات غير اليهودية. واختلف اتفاق أوسلو عن هذا التصريح في ناحية واحدة وهو اعتبار فلسطين دولة إسرائيل بدل الوطن القومي. وهذا يعيدنا إلى ما قاله تشرشل للوفد الفلسطيني عام 1920 بأن عليهم القبول بتصريح بلفور لأنهم لا يملكون خيارا آخر.

على الرغم من القبول بحكم ذاتي خال من السيادة ومحدود الصلاحيات المدنية إلا أن القيادة الفلسطينية، وكما كانت تاريخيا، تموه الحقائق وتحاول خلق انطباعات شعبية بعيدة عن الحقيقة. ما زالت القيادة تتحدث عن دولة فلسطينية عاصمتها القدس، وسمى رئيس سلطة الحكم الذاتي نفسه بالرئيس الفلسطيني وسمى رؤساء دوائر الحكم الذاتي أنفسهم وزراء. وهناك كم لا بأس به من الناس، وكما كان يحصل تاريخيا، يصفق ظانا أن القيادة قد حققت الانتصارات. وما زالت صفحات الجرائد مليئة بالتهاني والتبريكات والتشكرات الموجهة إلى رئيس دولة فلسطين ووزرائها.

على أية حال سأعود إلى هذا الموضوع بتفصيل أكبر.