حتمية اتفاق أوسلو
انتهت النضالات الفلسطينية ضمن الوتيرة الموصوفة في الصفحات السابقة إلى توقيع اتفاق أوسلو. هذا أمر منطقي ومنسجم تماما مع مسيرة “الثورة” الفلسطينية وسيرة قياداتها. مسيرة كهذه المبينة سالفا وسلوك كما هو موصوف لا يمكن إلا أن يتمخض عن نتيجة مثل اتفاق أوسلو. وهذا يصدق نبوءة فتاة صغيرة من مخيم عين الحلوة. كنت عام 1972 في المخيم وكنت مهتما بمعرفة ما يقول الناس عن الثورة والثوار وبالتعرف على مدى تفاؤلهم. تأرجحت الانطباعات وتعددت، لكنني أذكر أن رد فتاة قدرت أن عمرها في ذلك الوقت لا يتجاوز الرابعة عشرة كان حادا ومليئا بالمرارة. لقد قالت أنها لا تتوقع ممن يلاحقون أعراض الناس أن يحرروا فلسطين وإنما تتوقع أن يتنازلوا عن فلسطين. وقد تأثرت بهذا الوضع وتابعته ووصلت إلى نتيجة تحدثت عنها علنا عام 1979. قلت في حينه أن منظمة التحرير الفلسطينية ستعترف بإسرائيل لأن قيادتها غير مؤهلة لتحقيق أي نوع من الانتصار. وعام 1982 تحدثت أمام جموع الطلاب في جامعة النجاح الوطنية قائلا بأن منظمة التحرير ستعترف بقراري مجلس الأمن 242 و 338. بالطبع تعرضت للتشهير ومختلف أنواع الشتائم والتشويه. وكنت أعلم أن تعليمات كانت تصدر من الخارج لقيادات محلية في الضفة الغربية لتكثيف الحملات المسعورة ضدي. وكان ردي دائما أن المسألة ليست إلا مسألة وقت حتى تظهر ثورة الشعب الفلسطيني على حقيقتها.
قبل أن أسترسل أشير إلى أن اتفاق أوسلو أدخل المنطقة العربية وبالأخص القضية الفلسطينية في مرحلة تاريخية نادرة الحدوث، وربما تكون فريدة من نوعها. لم يشهد التاريخ حسب معرفتي، أن وافق شعب أو من يملكون فيه القرار على التنازل عن وطنهم أو توقيع معاهدة صلح مع عدو ما زال يحتل أرضهم ويشتتهم في مختلف بقاع الأرض. إنه حدث غريب وفريد وسيكون محل اهتمام المؤرخين والدارسين لتاريخ الشعوب وتمسكها بأوطانها وأراضيها. لقد وقعت قيادة الشعب الفلسطيني وبتأييد جزء كبير منه على وثيقة تتخلى فيها عن الأرض التي وصفت عبر قرون وبخاصة القرون الأخيرة بأنه وطنها الذي وعدت ببذل الغالي والنفيس من أجل إنقاذه وتحريره. لقد تصفحت كتب التاريخ وسألت مؤرخين عن حالة مشابهة فلم أجد ولم يأتوا بمثلها. لقد هزمت شعوب عبر التاريخ وطردت من أراضيها وأُعمل فيها الذبح والقتل والتنكيل والتعذيب والتشريد، لكنها لم تمسك قلما لتوقع لجلاديها على وثيقة رسمية تعترف بها بحق المعتدين في الأرض التي سلبوها. فقط انفردت القيادة الفلسطينية بمثل هذا الحدث ومعها جمهور واسع من المؤيدين.
حظيت القيادة الفلسطينية بتأييد واسع على الرغم من تأرجحه بين الحين والآخر. خرجت مسيرات جماهيرية وأقيمت الاحتفالات والمهرجانات تأييدا للقيادة، وأظهرت استطلاعات الرأي العام أن أكثر من 5.% من الشعب يؤيد القيادة. صحيح أنه خرجت مسيرات معارضة ورافضة، وأقيمت احتفالات ومهرجانات مناهضة لسياسة القيادة، وصحيح أن وسائل الإعلام المختلفة قامت بدور كبير في تعبئة الشعب الفلسطيني لصالح الاتفاق، إلا أن المعارضة بقيت مترددة إجمالا وغير راغبة في الأخذ بزمام المبادرة وعرقلة عجلة تطبيق الاتفاق. حتى أن حماس أغلب المعارضين قد فتر مع الزمن وتحولت المعارضة إلى مجرد معارضة لفظية، وأصبحت بعض أفعالها تصب ضمنيا لصالح الاتفاق مع إسرائيل. حتى أنه من الممكن القول أن اتساع تأييد جمهور الناس للاتفاق يعود فيما يعود إليه إلى عدم فاعلية المعارضة في إحداث تغيير جذري. سآتي على هذا بشيء من التفصيل.
الشيء المثير للدراسة والبحث هو التحول الكبير في الطرح الفلسطيني على المستوى الجماهيري والمتمثل بالعدول عن كل الأشعار والشعارات والآمال والتطلعات والمواقف، وعن معنى التغني بأرض الأجداد والإصرار على تحريرها لصالح القبول بإسرائيل كدولة يمكن التعاون والتعامل معها ليس على مستوى اقتصادي فحسب وإنما على مستوى أمني أيضا. تخلى جزء كبير من الشعب الفلسطيني عن تلك الأدبيات والعواطف الجياشة والمشاعر المتدفقة تجاه فلسطين إلى درجة أن وضع شباب فلسطين عام 1991 أغصان الزيتون على بنادق الاحتلال وسياراته العسكرية كتعبير عن حبهم للسلام. سقطت القيم التي حكمت مشاعر الناس وربما أفعالهم على مدى السنين، وسقطت معها الطروحات والمبادئ والأهداف والرموز. تحول عبد الرحيم محمود وأبو سلمى إلى مجرد أناس قرضوا الشعر، ويافا إلى مجرد مدينة كانت ولكنها أصبحت في ظل تل أبيب، وهوى الكرمل إلى أقدام حيفا التي أصبحت يهودية، وتحول السهل الساحلي إلى مجرد منظر حضاري أضفت عليه التقنية اليهودية أضواء تتلألأ في ظلام الليل. وتحولت دماء الشهداء إلى مجرد عبارة هتافية يتم تردادها مع كل جنازة ودون أن يكون الناس جادين في الوفاء بقسمهم على الوفاء بعهدها. وتحول سجين الأمس في ظل الاحتلال إلى سجان يحاسب الفلسطينيين على أفعالهم في مواجهة إسرائيل.
إنها ظاهرة تاريخية فريدة تستحق اهتمام الباحثين والدارسين الذين لا بد أن يتناولوها وبالأخص من زاوية المنهج التربوي الذي ينشئ إنسانا يتغير موقفه حول قضايا حاسمة وتاريخية بين لحظة وأخرى. ولا بد لهؤلاء أن يركزوا على منظمة التحرير الفلسطينية في محاولتها لخلق نظام تربوي فلسطيني صريح أو ضمني يعينها على تحقيق أهدافها المعلنة وهي التحرير والعودة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. فقد تأثر الشعب الفلسطيني على مدى عشرات السنين بمنظمة التحرير الفلسطينية وسياساتها المختلفة، وبالتأكيد انعكست سياستها التربوية والأخلاقية على الشعب الفلسطيني ولو بتأثيرات متباينة الحدة على مختلف فئاته. من المهم أن يقفوا على تلك العوامل التي تؤدي إلى انقلابات في المواقف وتجعل الناس على حافة من قناعاتهم بحيث يقبلون ما يرفضون ويرفضون ما يقبلون بين لحظة وأخرى وفي مسائل تمس صلب حياتهم ومستقبلهم.
إذا كان الأمر سيثير الدراسة والتنقيب بالنسبة للشعب الفلسطيني وللشعب العربي بصورة عامة، فان المسألة قد لا تبدو كذلك بالنسبة للقيادة الفلسطينية المتمثلة أساسا بياسر عرفات. فهل كانت القيادة تسير عبر السنوات نحو صلح مع إسرائيل وأن مجمل سياساتها كانت تصب ضمن هذه المسيرة؟ إذا كان الجواب بنعم فان توجهها يكون قد حكم كيفية ترتيبها للأوضاع التربوية والتعليمية والاقتصادية والعسكرية بحيث تصل إلى النتائج المخطط لها. وبغض النظر عن الأهداف يبقى هناك ربط جدلي بين أهداف القيادة وسياساتها وبين رد فعل الشعب. بمعنى أن القيادة تعمل على تبني تلك السياسات التي تخلق ردود فعل معينة لدى الشعب، وردود الفعل بالتالي تشكل سندا قويا لاستمرار السياسات. إنها تغذية متبادلة لكنها مبرمجة وهادفة من قبل الفاعل وغير واعية من جهة الموضوع. فإذا تميز الشعب بحركة سريعة بين مواقف متناقضة فان في ذلك ما يميز نظامه التربوي. وعلى الرغم من أن النظام التربوي يخضع في ترتيبه لعوامل عدة إلا أنه يتأثر بشكل كبير بالنظام الذي تضعه القيادة وتحرص على تطبيقه وذلك بسبب قدرتها على التخطيط والتنفيذ. أي أن القيادة تضع بصماتها الواضحة والمؤثرة على النظام التربوي، فتكون حركة الشعب الأخلاقية متناسبة إلى حد واضح مع النظام التربوي الذي تحدده القيادة أو تعمل على ترسيخه.
فهل كانت اتفاقية أوسلو وما تبعها من اتفاقيات حتمية أم أنها نتجت عن ظروف طارئة؟ هذا ما تحاول هذه الورقة الإجابة عنه فيما يلي من الصفحات وذلك في ضوء ما سبق من نقاش في الصفحات السابقة.
الخطوط الأساسية لسياسة منظمة التحرير الفلسطينية
تقول منظمة التحرير الفلسطينية في بحر تبريرها للاتفاقيات مع إسرائيل أن هناك عوامل موضوعية خارجة عن إرادتها قادتها إلى القبول بالحلول السلمية والتوقيع على اتفاقية أوسلو. إنها تقول أنها حاولت عبر السنوات الطوال أن تحقق أهدافها المنصوص عليها في الميثاق الوطني الفلسطيني وذلك عبر الخطوات التالية:
أولا: خاضت المنظمة حرب تحرير شعبية ضد إسرائيل داخل فلسطين وخارجها. أقامت القواعد العسكرية ودربت المقاتلين ووفرت لهم الوسائل القتالية وخاضت معارك كثيرة ضد العدو كان على رأسها معركة الكرامة وعمليات عسكرية بارزة مثل عملية الساحل وعملية فندق سافوي. وقد تكبدت المنظمة خسائر كثيرة عبر السنوات في الأنفس والعتاد، فضلا عن معاناة الناس في مختلف التجمعات الفلسطينية.
ثانيا: عانى الشعب الفلسطيني الكثير من الويلات عبر السنوات ولم تعد لديه طاقة على الأقل في الوقت الراهن، وهو بحاجة إلى قسط من الراحة أو محطة استراحة حتى يكون بمقدوره إعادة التدبير والتخطيط واستجماع القوى. لقد دفع الشعب ضريبة دم كبيرة جدا منذ عام 1917 حتى الآن، وشُرد الناس وشتتوا في أرجاء المعمورة حتى بات الأب لا يعرف أين ابنه ولا العم ابن أخيه ولا الفتاة خالها. دخلت الأحزان كل بيت فلسطيني ومنزل. يُتم الأطفال وفقدت الزوجات أزواجها والأمهات أبناءها. مئات الألوف أُدخلوا السجون ولاقوا صنوف التعذيب والبطش. هذا فضلا عن الإبعادات والتجويع والاقتحامات العسكرية الليلية للبيوت، الخ. لقد كلّ الشعب وملّ، هكذا تقول المنظمة، وجزء كبير منه بات تواقا لاستراحة المقاتل الذي أعيته المعارك.ثالثا: قدم الشعب الفلسطيني التضحيات الجسام وكان أمله كبير في مساعدات جدية من العرب شعوبا وحكومات، لكنه لم يجد من الحكومات العربية إلا عدم جدية إن لم يكن معاداة للتنظيمات الفلسطينية والأحلام الفلسطينية في تحرير الوطن. لقد وقفت الدول العربية حسب دفاعات منظمة التحرير عن سياساتها ضد العمل العسكري الذي تبنته المنظمة وخططت مع دول تدعم إسرائيل بقوة مثل الولايات المتحدة ولم تكن متحمسة يوما ما لإقامة دولة فلسطينية. بل أن أعدادا كبيرة من شباب فلسطين سقطوا في مواجهات مع الجيوش العربية. حتى أن الدول العربية لم تعد مستعدة لاستقبال فلسطينيين يقيمون إقامة غير نضالية على أراضيها.
رابعا: وقفت الدول الكبرى في المحصلة مع إسرائيل ولم تعط الحقوق الفلسطينية إلا اهتماما لفظيا دون المستوى المطلوب. حصلت إسرائيل على مختلف أنواع الدعم من دول كثيرة وتعززت مكانتها وتجارتها بينما لم يحصل الشعب المشرد حتى على الاهتمام الإنساني الذي من المفروض أن يحصل عليه. والدول العربية لم تضغط باتجاه حل مقبول للشعب الفلسطيني ولم تحاول التأثير بشكل جدي على سياسات الدول الكبرى.
خامسا: تدهورت الأمور بالنسبة للشعب الفلسطيني بصورة خطيرة جدا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وهزيمة العراق. بانهيار الاتحاد السوفييتي، تقول المنظمة، فقد الفلسطينيون القوة التي اعتمدوا عليها في المحافل الدولية والتي كانت تشكل الطرف الآخر في التوازن الدولي سواء على الساحة الديبلوماسية أو العسكرية. أصبحت الولايات المتحدة هي القوة الأعظم الوحيدة في العالم وهي المناصر القوي لإسرائيل. ومع هزيمة العراق أُقفل السياج حول المنظمة لأنها فقدت نصيرا عربيا قويا قدم الدعم المادي والمعنوي باستمرار للشعب الفلسطيني.
وتقول قيادة منظمة التحرير الفلسطينية أنها قادت النضال الفلسطيني عبر عشرات السنين وقد آن الأوان لقطف الثمار التي يمكن أن تكون ثمارا رديئة. تحت الظروف الحالية الموصوفة أعلاه لا يملك الفلسطينيون أي فرصة لاسترجاع حقوقهم ومن الأفضل لهم أن يقبلوا بما يمنح لهم ويستمروا في المطالبة بالمزيد. استمرار العمل النضالي بات بدون فائدة وبدون أي غطاء سياسي عربي أو دولي، والقبول بالأمر الواقع أفضل من الاستمرار بأعمال تقود إلى انتحار سياسي يدفع ثمنه الشعب الفلسطيني ككل.
التباين بين القول والعمل
قادت منظمة التحرير الفلسطينية الشعب الفلسطيني بالفعل منذ منتصف الستينات وقد حددت لنفسها أهدافا أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما جاء في إعلان المؤتمر العربي الفلسطيني الأول المنعقد عام 1964. نص الإعلان على أن “قيام منظمة التحرير الفلسطينية قيادة معبئة لقوى الشعب العربي الفلسطيني لخوض معركة التحرير، ودرعا لحقوق شعب فلسطين وأمانيه، وطريقا للنصر.” أما الميثاق الوطني الفلسطيني الذي يعتبر النسخة المعدلة عن الميثاق القومي الفلسطيني فنص على أن “الشعب العربي الفلسطيني هو صاحب الحق الشرعي في وطنه ويقرر مصيره بعد أن يتم تحرير وطنه وفق مشيئته وبمحض إرادته واختياره.” ونص أيضا على أن “الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين وهو بذلك استراتيجية وليس تكتيكا….” (المادة 9). أما في البرنامج المرحلي فقد أكد المجلس الوطني الفلسطيني على استعادة كامل الحقوق الوطنية الفلسطينية وفي مقدمتها حق العودة وتقرير المصير على كامل ترابه الوطني، (ديباجة البرنامج) وأكد على رفض قرار مجلس الأمن 242 (البند رقم 1)، وعلى حق منظمة التحرير باستعمال مختلف الوسائل وعلى رأسها الكفاح المسلح من أجل تحرير فلسطين وإقامة “سلطة الشعب الوطنية المستقلة المقاتلة على جزء من الأرض الفلسطينية التي يتم تحريرها.” (البند رقم 2) وأضاف البرنامج قائلا بأن منظمة التحرير لن تقبل بأي مشروع لكيان فلسطيني يكون “ثمنه الاعتراف والصلح والحدود الآمنة.” (البند رقم 3)
فضلا عن المواد المكتوبة لم تدخر منظمة التحرير الفلسطينية جهدا في ترداد إصرارها التحريري على مسامع الشعب الفلسطيني. على الرغم من كل ما هو معلن من قبل منظمة التحرير ومن كل التبريرات التي تسوقها لدعم سياستها الحالية تجاه فلسطين تشير السياسة العملية للمنظمة أن هناك هوة واسعة جدا بين المعلن والممارس حقيقة على أرض الواقع. الخطاب السياسي الذي تبنته منظمة التحرير عبر السنين لا يتطابق ولا يتشابه مع الخطوات العملية التي اتبعتها، بل أن الخطاب السياسي يتناقض مع الفعل. السياسات الفلسطينية العامة لم تتجه يوما نحو التحرير ولا نحو حشد الطاقات الفلسطينية والعربية نحو هدف التحرير. بل بدت تلك السياسات مخالفة في مجملها للنوايا المعلنة.
فيما يلي نقاش حول قضايا هامة وأساسية ذات علاقة مباشرة بنوعية السياسة المتبعة والأهداف المتوقعة منها. كل حكومة وكل حزب وكل تنظيم يضع أمامه أهدافا محددة ويضع الخطط المتلائمة مع تحقيق الهدف. تمس الخطط محاور الحركة والنشاط الأساسية التي لا يمكن تحقيق الأهداف بدونها مهما بلغ الحرص على محاور فرعية ومهما بلغت الخطابات من البلاغة وإلهاب المشاعر. منظمة التحرير وضعت أهدافا ولم تتبن خططا متناسبة معها، إن لم تكن قد تبنت خططا مغايرة. وفي توضيح هذا أحاول في هذا الفصل دمج ما ورد في الفصلين السابقين ضمن رؤية متكاملة ذات نسيج لا ينم عن وجود مجرد أخطاء داخل المنظمة وإنما عن برنامج متكامل له أسس وتركيبات وظيفية ومؤسسية. أي أن المسألة لم تكن متعلقة بنزوات أو اجتهادات خاطئة وإنما خضعت النزوات والأخطاء لبرمجة حتمت حصولها.
يبدو هذا جليا فيما يلي:
أولا: التربية
من يريد التحرير لا بد أن يعمل على تبني برنامج تربوي يتناسب مع الهدف. فالتحرير يتطلب التضحية والفداء والعمل الجماعي والتعاون المتبادل بين الناس. ويتطلب الأخلاق التي تقرب الناس من بعضهم البعض وتحفظ لهم حقوقهم وأسرارهم، ويراعي فيها غنيهم فقيرهم، ويحترم فيها صغيرهم كبيرهم، وترفع من مستوى تعليمهم ووعيهم بحقائق الصراع وأساليب مواجهة التحدي، وتنمي فيهم روح البناء والتوجه نحو الصالح العام. التحرر عبارة عن مهمة غير اعتيادية ويتطلب حشدا أخلاقيا غير اعتيادي بحيث يتفانى المرء ويُؤْثر أخاه على نفسه ويدرك تماما أن مصلحته الشخصية لا تتحقق إلا من خلال الهدف العام وهو التحرير. ذلك يتطلب بالتالي جهودا تربوية ضخمة ضمن نظام تربوي واضح المعالم ويشكل نسيجا متكاملا يلمس مختلف نشاطات الحياة والوعي بها وبأهدافها. يشكل النظام التربوي القاعدة الأساس التي تبنى عليها بقية الأمور، فان كانت مهزوزة قام البناء على شفا انهيار، وإن كانت صلبة متماسكة قام البناء وفيه دفع نحو الارتفاع.هل يستطيع شعب أن يحرر وطنا ضمن قيم الأنانية الفردية؟ وهل يستطيع أن يفعل ذلك وأبناؤه يرجون تحقيق مصالحهم الذاتية أثناء مسيرة التحرير ويعملون على ذلك؟ وهل بإمكانه أن يفعل ذلك بدون علاقات طيبة مع من يرجو منهم الدعم والمساعدة؟ وهل بإمكانه فعل ذلك دون الاعتماد على الذات، أو وهو يستند في لقمة عيشه على العدو الذي يقول أنه يسلبه أرضه؟ نظام القيم بما فيها قيم الاستهلاك والمعاشرة والمعاملة حاسمة في قضية التحرير ولا بد من بلورتها وترسيخها عمليا بحيث تعطي ثمارا.
هل تبنت منظمة التحرير الفلسطينية نظاما تربويا يتناسب مع الهدف المعلن ويمكّن الشعب الفلسطيني من استرجاع حقوقه؟ المتتبع لمسيرة منظمة التحرير الفلسطينية لا يكاد يلمس اهتماما بنظام تربوي غير ذلك الذي يكرس تبعية الفرد وسلبه ذاتيته وقدرته على الأخذ بزمام المبادرة. لم تطور منظمة التحرير لا في سياستها داخل فلسطين ولا خارجها نظاما أخلاقيا يتمشى مع متطلبات الثورة من حيث احترام الآخرين والتفاني في الخدمة العامة وإقامة القدوة الفاضلة التي تشكل عنصر استقطاب لدعم الآخرين. حتى أن المنظمة فشلت في إقامة نظام أخلاقي يحكم حمل السلاح والذي يشكل المنطلق الأول نحو تحرير فلسطين. لقد استعمل السلاح الفلسطيني بصورة شخصية وبصورة جماعية ضد الفلسطينيين. قتل فلسطينيون فلسطينيين آخرين أو أصابوهم بجراح ضمن خصومات شخصية أو لهو بالسلاح، وحدثت معارك بين الفصائل الفلسطينية راح ضحيتها عدد كبير من الفلسطينيين. وما زال هذا يحدث داخل الصف الفلسطيني حتى الآن في المناطق المحتلة عام 1967 أو في لبنان.
إنني لا أملك إحصائيات لكنني أظن أن السلاح الفلسطيني الذي حملته فصائل منظمة التحرير قد قتل فلسطينيين أكثر مما قتل إسرائيليين. وإنني أدعو مختلف الفصائل لنشر ما لديها من إحصائيات لتظهر الحقيقة أمام الشعب الفلسطيني.
بدل أن يتعرض الفلسطيني لنظام تربوي خلاق يصنع منه ثائرا يقتدي به الآخرون، تعرض لتربية واهية خاوية مستندة على الشعارات الرنانة والخطابات والمهرجانات والتصفيق لقائد منظمة التحرير وقادة الفصائل، كل حسب فصيله. لقد تُرك الفلسطيني في العراء من الناحية التربوية وكان مادة للاستقطاب الفصائلي والتبعية ليكون رصيدا أساسيا في الصراعات الداخلية الفلسطينية. تربى الفلسطيني على علامة الأصابع المنفرجة عن حرف V دليل الانتصار، وعلى شعارات مثل “يا جبل ما يهزك ريح” و “العهد هو العهد والقسم هو القسم،” و “ثورة حتى النصر حتى النصر حتى النصر،” و “إننا لعائدون.” شعارات بلا معنى ولا تنم إلا عن غوغائية ولا تختلف جوهريا عن شعار “لندن مربط خيولنا،” وهي شعارات فضفاضة لا تحمل مضامين عملية ولا تتطلب ممارسة فعلية سوى الهتاف أثناء الخطابات والتصفير خاصة عندما تظهر صورة القائد الملهم أو يأتي الخطيب على ذكر اسمه..
مضت منظمة التحرير على مدى عقود دون أن تعرّف الفلسطيني بوطنه وتاريخ بلداته ومدنه، ولا حتى بالتاريخ الفلسطيني. لم أجد بين صفوف التنظيمات حتى داخل المعتقلات تدريسا حقيقيا حول الجغرافيا أو التاريخ، حتى أن قادة كبارا تبين أنهم لا يعرفون عن وطنهم أكثر من معلومات عامة غير دقيقة يمكن أن يعرفها ابن الشارع العادي. أما الشعارات التي نشأ عليها الفلسطيني لم تبق ذات الشعارات. عمدت المنظمة إلى تغيير مقولاتها وشعاراتها مع الزمن وكان على الفلسطيني أن يتغير معها دون أن يدري كيف ولماذا ومبررات التغيير. كان ينام على شعار ليصحو على شعار آخر، ولم يكن يتردد في ترديده ورفعه. فما كان خيانة بالنسبة لشعار أصبح وطنية بالنسبة لشعار آخر، وما كان جبنا أصبح شجاعة، وما كان مرفوضا أصبح مقبولا. ودار الفلسطيني يتخبط وهو يأمل بأن يأتي عليه الشعار الجديد بخير أو أمل مستقبلي. عل الجديد يحقق ما عجز عنه القديم. وفي غياب البرنامج الذي يساعد الشخص على تنمية شخصيته ويعزز ثقته بنفسه ويحفزه إلى المبادرة، أصبح الفلسطيني إمّعة وتبعيا كثير اللجوء إلى قوى خارجة عن ذاته لتحقيق أهدافه.
لقد نُبّهت منظمة التحرير بوسائل مختلفة إلى ضرورة العمل بجد على مساعدة الفلسطيني في امتلاك نفسه حتى تتعزز قدرته على التحرير، لكنها بدل الاستعانة بخبراء تربويين ومفكرين لوضع سياسة تربوية عامة، قام رموزها بالتركيز على مهمة الاستقطاب الجماهيري وترسيخ فكرة الولاء للتنظيم والفرد الذي يقوده لا لفلسطين ولا للمبادئ التي يمكن أن تقود إلى تحريرها. وقد استخدمت الأموال في استقطاب الأفراد وخلقت تقاليد شراء الفرد وبيعه والتي ما زالت قائمة حتى الآن. بدل أن يستعمل المال لتحرير فلسطين استعمل لتعزيز موقف سياسي على حساب آخر أو لتعزيز سلطوية فرد على التنظيم. تحول الفرد إلى هتّاف يصرخ بالشعارات التي يُطلب منه أن يصرخ بها، واعتاد اليد السفلى التي تحصل على مكافأة كلما أقدمت على عمل يسر القيادة.
خلقت منظمة التحرير الفلسطينية قيمتين تربويتين بارزتين وهما الببغاوية والتسول. الأولى تقود إلى الثانية، والثانية شرط أساسي لحصول الأولى. نشأ الناس على مد اليد وتلقي العون من الثورة التي كان من المفروض أن يدعموها، ولقاء حصولهم على شيء كان لا بد أن يقولوا نعم باستمرار ويرددوا ما يريده منهم مانح المال. هكذا هي اليد السفلى: :إنها يد خالية من الكرامة والعزة وذات دناءة بحيث تردد باستمرار ما يريده سيدها. والأمر يبدو محزنا جدا عندما ينظر الشخص إلى احتفال فلسطيني فيرى الشباب يهيجون ويموجون مترنمين وكأنهم سكارى على كلام خطابي فارغ من أي محتوى لكنه يلهب فيهم بعض العواطف بعباراته المنمقة.
ثانيا: السرية
من المعروف أن الوطن العربي يعيش في حالة عدم استقرار، وأن نفوذ الاستعمار ما زال قويا فيه ويكاد يسيطر على أغلب الأنظمة العربية. من هذه الزاوية لم يكن من المتوقع أن تتعايش الأنظمة العربية مع أي ثورة عربية بما فيها الثورة الفلسطينية. تعايشت الأنظمة أو بعضها مع ثورة الجزائر في الخمسينات، لكن ظروف تلك المرحلة قد انتهت، وأصبح واقع التجزئة العربية أكثر حدة وعمقا في النفس العربية، وأصبحت التبعية صفة ملازمة للسياسة العربية بصورةعامة. وجود ثورة عربية تعمل على تغيير المعادلات والأوضاع التي أوجدها الاستعمار في الوطن العربي يشكل خطرا على المصالح الاستعمارية بما فيها إسرائيل وأغلب الأنظمة العربية التي ما كانت لتبقى في الحكم لولا الدعم الاستعماري لها. وإذا سمح نظام عربي بحرية العمل لثورة معينة فإنه سرعان ما يتعرض للعقوبات المختلفة والتهديدات من قبل الدول الغربية وبالأخص الولايات المتحدة ومن إسرائيل. وقد تعرضت أنظمة عربية حاولت فك الطوق ومناهضة السياسة الاستعمارية في المنطقة لعقوبات عسكرية واقتصادية.
ولهذا فانه ليس من الحكمة أن تعمل أي عناصر أو تنظيم بصورة علنية في الوطن العربي حتى لو كان هدفها تحرير الأرض الفلسطينية. ربما يحب أن يرى حكام العرب فلسطين عربية إسلامية حرة، لكن الحب ليس كالواقع. العلنية تعرض صاحبها لأخطار كبيرة وجسيمة، وإن لم يُضرب فورا من قبل الأنظمة فانه يتم الضغط عليها لتوجيه الضرب. قد يتباطأ نظام ما في توجيه الضرب، وقد يماطل ويناور لكنه لا يستطيع إلا أن ينفذ ولو جزئيا بحيث يمنع أعمال العنف.التسلح بالسرية كان أكثر أهمية بالنسبة لمنظمة التحرير من أي تنظيم آخر في الوطن العربي وذلك بسبب حشد إسرائيل لقدراتها الاستخبارية والعسكرية في ملاحقة الفلسطينيين. إسرائيل تدافع عن وجودها، وهي عبارة عن ثكنة استخبارية وعسكرية وفي حالة استنفار مستمر لملاحقة أي تطور عسكري عربي أو فلسطيني من شأنه أن يشكل خطرا عليها. وهي بالتالي لا تصبر على وجود تنظيمات عسكرية تعمل على الحدود المجاورة سواء كان عملها سريا أو علنيا، ومن الأسهل عليها أن تتناول الأهداف العلنية. وفي جهودها هذه تتلقى إسرائيل دعما غربيا متواصلا.
ضمن هذه الأجواء كان من المفروض أن تركز منظمة التحرير على السرية وأن يتم فصل القيادتين السياسية والعسكرية وذلك لإعطاء القيادة السياسية حرية الحركة العلنية التي قد تكون ضرورية. كان من المفروض أن يبقى العمل العسكري سريا لكي يكون له مفعول وتأثير يخدمان الأهداف المعلنة للمنظمة، سريته هي سر قوته بغض النظر عن حجمه، وهي تشكل قوة ردع تفوق قوة ردع جيش نظامي يتكون من عشرات الألوف من الجنود. وجود عشرات الألوف من المقاتلين الفلسطينيين في لبنان لم يردع إسرائيل عن دخول الأراضي اللبنانية عام 1982، بينما ردع عدة آلاف من مقاتلي حزب الله جيش إسرائيل الذي رأى أخطار دخول لبنان أثناء العملية العسكرية المسماة عناقيد الغضب عام 1996. ذلك لأن حزب الله يخوض حرب عصابات متخفية، بينما ظهر الفلسطينيون عام 1982 كجيش نظامي لا يشكل خطورة أمام الآلية العسكرية الإسرائيلية. وبالسرية يستطيع التنظيم أن يحافظ على وجوده السياسي وذلك بصورة غير مباشرة، ولا تستطيع الأطراف السياسية في المنطقة تجاوزه.
لم تستمع منظمة التحرير الفلسطينية لهذا التحليل الذي لا ينطلق من خيال أو أوهام وإنما من واقع يلمسه ابن المنطقة كل يوم. ضربت المنظمة بالسرية عرض الحائط وفتحت الفصائل الفلسطينية أبوابها أمام كل من رغب في دخول التنظيم. كانت النتيجة أن اخترقت أجهزة المخابرات المهتمة كل الفصائل الفلسطينية، والمكاتب التابعة لمنظمة التحرير والأجهزة والدوائر المختلفة. اخترقت القواعد العسكرية والمدربين والمخططين والمجالس واللجان بحيث باتت نشاطات المنظمة والفصائل ككف مفتوح أمام العديد من الدول والأنظمة. وبلغ الاختراق إلى حد أنه يمكن للمواطن العادي أن يعرف أسرار المنظمة. فمثلا علمتُ أنا كاتب هذا المقال بتخطيط رجال عرفات لإطلاق النار علي، واستطعت أن أعرف الذين أطلقوا علي النار وأصابوني بأربع رصاصات بعد وقت قصير من قيامهم بالعمل. عرفت الذي أطلق النار، واللذين أرسلاه، والذين طلبوا منهما إرساله. فإذا كنت أنا كمواطن عادي أستطيع اختراق صفوف منظمة التحرير فكيف بأجهزة مخابرات إسرائيل والولايات المتحدة والأردن؟
لقد اختُرقت صفوف المنظمة والفصائل بحيث فشلت الغالبية الساحقة من المحاولات العسكرية ضد إسرائيل وقتل أبناء فلسطين في البر والبحر قبل أن يصلوا إلى أهدافهم. كانت تصدر بيانات فلسطينية حول نجاح العمليات وإعمال القتل في الجنود الإسرائيليين واستشهاد بعض المقاتلين، إلا أنها لم تكن جدية وخدمت أغراض الاستهلاك الفلسطيني. دوريات الاحتلال كانت تنتظر المقاتلين الفلسطينيين في البر والبحر وتهاجمهم قبل الوصول إلى هدفهم، حتى أنها كانت تنادي أحيانا بعض المقاتلين بأسمائهم عبر مكبرات الصوت طالبة منهم الاستسلام. عمليات نادرة جدا نجحت عبر السنين وما زالت الفصائل الفلسطينية تتغنى بها وتعتبرها إنجازات عظيمة، ولا بد أن يكون هناك سر في نجاح هذا العدد القليل. لقد تكرر هذا الموقف مرات ومرات كثيرة، وكانت تعلم القيادات الفصائلية وقيادة منظمة التحرير بما يجري، وتدرك تماما أن الذين كانوا يجندون للقيام بعمليات عسكرية إنما كانوا يذهبون إلى المقصلة، لكنها لم تقم بأي عمل جدي من أجل تصحيح الوضع واستمر نفس الخطأ (أو الجريمة) يتكرر. تكرار المأساة يشير بوضوح إلى الاختراقات الرهيبة في صفوف المنظمة والفصائل المختلفة، وعدم قيام القيادة بتصحيح الوضع يعني شيئا واحدا وهو أن الاختراق موجود أصلا في القمة.
زد على ذلك أن المقاتلين لفلسطينيين وبالأخص على مستوى القيادات قد أُلهيت بالمراتب والرواتب. أدخلت قيادة المنظمة الرتب العسكرية إلى الجهاز العسكري وحددت راتبا لكل رتبة وامتيازات مما يعني إدخال نوع من التنافس يلهي المقاتلين عن مهامهم الأساسية في تحقيق التحرير. تربع الكبار على عرش الرواتب والمراتب وضاع في قتال وهمي أبناء الفقراء والمساكين الذين تدفق حماسهم من أجل فلسطين. هذا ويعرف المقاتلون الذين عاشوا في لبنان أن الحظ كان دائما لصالح الذين بحثوا عن اللذة والفراش الوثير والمتع فوُلّوا مسؤوليات الأجهزة المختلفة وأفسدوا كل ما كان فيه شيء من الصلاح أو أثر من السرية..
أما في المناطق المحتلة عام 1967 فكان واضحا أن حجم المعتقلين الفلسطينيين لا يتناسب أبدا مع حجم العمل الذي قاموا به في مواجهة إسرائيل. بلغ عدد المعتقلين على مدى السنين مئات الآلاف، وفي المقابل كان العمل ضئيلا جدا. السبب يعود إلى أن أغلب الخلايا الفلسطينية كانت تسقط بيد الاحتلال قبل أن تقوم بالعمل. وكأن أجهزة الاحتلال الأمنية كانت تعلم مسبقا بأمور الخلايا وتنظيمها وكانت تنتظر حتى اللحظة الأخيرة لتهاجمها. ومن تجربتي في المعتقلات الفلسطينية، أفاد عدد كبير من المعتقلين أنهم اعتقلوا قبل القيام بالعمل بوقت قصير.
ثالثا: أقلمة القضية الفلسطينية
لا يوجد شخص لديه أدنى معرفة بالأمور العسكرية الاستراتيجية يمكن أن يتوقع إمكانية انتصار الفلسطينيين على إسرائيل ومن يواليها من الدول الغربية في ظل الموازين العسكرية القائمة. إسرائيل دولة قوية عسكريا ومدعومة من قوى عسكرية عظيمة، ومواجهتها تتطلب حشد الطاقات والجهود ليس على مستوى الوطن العربي فقط وإنما على المستوى الإسلامي أيضا، فضلا عن ضرورة تحشيد دول العالم سياسيا والسعي للاعتماد تقنيا وتسليحيا على بعضها. القوة المعادية ليست سهلة ولا بسيطة، وهي تواصل البناء التقني والعسكري، وإذا كان هناك من بين الفلسطينيين من يظن أنه سيهزم إسرائيل منفردا أو سيحقق الأهداف الفلسطينية دون عون ومساندة ومساعدة من العرب والمسلمين فانه لا شك واهم ولا يعرف شيئا عن الخلل القائم في التوازنات في المنطقة.
لم تأخذ منظمة التحرير الحالية بهذا الأمر على الرغم من أن سالفتها التي قادها أحمد الشقيري قد تبنت خطا قوميا كان واضحا في الميثاق القومي الفلسطيني ورأت ضرورة تحشيد الدول العربية لمساندة الفلسطينيين. اتخذ المجلس الوطني الفلسطيني قرارا عام 1968 بتحويل الميثاق القومي إلى الميثاق الوطني الفلسطيني وأصبحت بموجبه فلسطين وطن الشعب العربي الفلسطيني بعد أن كانت وطنا عربيا. كما ذكرت سابقا، تمشى المجلس في ذلك مع فكر حركة فتح التي اعتبرت نفسها حركة وطنية تعمل على تحقيق الأهداف الفلسطينية بسواعد فلسطينية. وأخذت منظمة التحرير بتغذية الفلسطينيين بقيم القطرنة أو القطرية والانفصال عن العرب والمسلمين على غرار ما فعلته أنظمة عربية عدة. أصبحت هناك شعارات قطرية خاصة وتوجهات انفصالية واضحة حتى مست أبسط الأمور مثل الكوفية البيضاء والسوداء. حولت المنظمة كما فعلت بعض الأنظمة العربية الكوفية العربية إلى رموز لتكريس التمزق والتناحر. كان من شأن هذا أن يحرر الأنظمة العربية والإسلامية من مسؤولياتها تجاه فلسطين، وأن يزيح عن كاهلها أمرا متعبا لم يكن لتستطيع الفرار منه أو التخلي عنه بمحض إرادتها. وقد توج هذا بتحميل منظمة التحرير مسؤولية فلسطين في مؤتمر الرباط عام 1974، على الرغم من أن القادة العرب وعدوا بالمساعدة. ثم أخذت المنظمة تتصرف وكأنها دولة عربية فدخلت في الصراعات العربية الداخلية وأصبحت طرفا في تحالفات وتحالفات مضادة. تارة كانت تكون المنظمة صديقة لسوريا ومعادية لخصوم سوريا من الأنظمة العربية، وتارة كانت تلعب دور الصديق للعراق على حسب الصداقة مع إيران، وتارة كانت تعادي أصحاب معاهدة كامب ديفد وتارة تصالحهم، وهكذا. فبعد أن كانت المنظمة صاحبة قضية أصبح ينظر إليها كطرف عربي جديد له مصالحه الخاصة وارتباطاته الذاتية التي تخرج عن منطق تحقيق الأهداف المعلنة فلسطينيا. وتعززت هذه النظرة مع دخول المنظمة ميدان الحلبة الديبلوماسية والتعاطي مع الجهود الدولية لتحقيق تسوية سلمية للقضية الفلسطينية. حتى أن المنظمة عملت على تدهور احترامها لدى الأنظمة العربية المساندة للقضية الفلسطينية من حيث أنها كانت تبذل الجهود للتسوية في ذات الوقت الذي تحدث فيه الشعب الفلسطيني عن الصمود والتحرير والإصرار على المواقف التقليدية الهادفة إلى تحقيق الآمال الفلسطينية.
لقد أفقدت منظمة التحرير نفسها حرية مخاطبة الشعوب العربية والإسلامية وحشد طاقاتها من أجل القضية المقدسة ذلك لأنها أصبحت طرفا مسؤولا عن قضية خاصة وليس عامة، وأصبح ينظر إلى أي محاولة لمخاطبة الشعوب على أنها تدخل في الشؤون الداخلية للدول وتعدّ على صلاحيات الحكومة. بما أنها قبلت أن تكون ضمن منطق قطري كان عليها أن تتحمل التبعات.
رابعا: الانفصال عن الجماهير
لم تكتف منظمة التحرير الفلسطينية بالتوجه نحو القطرنة ومحاولات عزل أنظمة العرب والمسلمين عن القضية الفلسطينية، بل عملت على عزل الشعوب العربية والإسلامية أيضا. كانت الشعوب العربية والإسلامية رصيدا هائلا للقضية الفلسطينية، وكان لديها الاستعداد لبذل التضحيات المطلوبة من أجل فلسطين. وتشهد منظمة التحرير إقبال الناس في كل أنحاء الوطن العربي على التبرع المادي للمقاتلين الفلسطينيين وعلى الالتحاق بصفوف الثورة الفلسطينية بعد حرب عام 1967. أقبل العرب على المساعدة بصورة مباشرة لأنهم اعتبروا فلسطين قضيتهم ولأنهم اعتبروا الثورة بعد هزيمة حزيران على أنها الوسيلة الفعالة في مواجهة العدوان ودحره، فضلا عن أن صورة الثورة كانت ناصعة في تلك الفترة واستحوذت على اهتمام الناس وثقتهم. وقد أثبتت جماهير العرب والمسلمين رغبتها الأكيدة في دعم قضايا العرب والمسلمين، وكان في البوسنة والشيشان مثالان بارزان على ذلك.حيث استنفرت الجماهير للدفاع عن الشعبين المسلمين وتوجه عشرات الآلاف من المقاتلين للجهاد وإنقاذ الديار الإسلامية. كان من الممكن أن تحصل منظمة التحرير على الدعم الشعبي الهائل فيما لو أثبتت أنها جادة في سعيها وإدارتها لمختلف النشاطات وأوجه الصراع.
الجماهير العربية والإسلامية عبارة عن سند حقيقي لكل جهد يهدف إلى تحرير فلسطين أو حل القضية الفلسطينية بطريقة تعيد للفلسطينيين حقوقهم. وإذا كانت الحكومات العربية مقصرة تجاه القضايا العربية الأساسية وغير راغبة في تحرير شعوبها من الظلم والاستعباد، فانه كان في منظمة التحرير أمل للوقوف مع الشعوب من أجل إحداث تغيير على مستوى الوطن العربي وذلك من خلال قيادتها لنضال جاد في مواجهة إسرائيل. عملها الجاد من أجل تحرير فلسطين كان من شأنه حشد الناس وتحقيق إنجازات تكسب المنظمة احترام الجماهير والتأييد الذي يشكل سياجا لها ويمنحها الجرأة في دعم الجماهير في مواجهة الاستبداد. كانت أمام المنظمة فرصة تاريخية لإحداث تغيير جذري على مستوى الوطن العربي.
لكن المنظمة اتخذت خطوات من شأنها الإساءة لصورتها في صفوف الجماهير خاصة في الأردن ولبنان، وإلى حد ما في تونس. عمدت المنظمة في كل من الأردن ولبنان، كما أشرت سابقا، إلى تهميش الشعبين الأردني واللبناني وإلحاقهما إلحاقا بالثورة الفلسطينية التي اعتبرت نفسها القيادة الشرعية التي يجب أن يأتمر الشعبان بأمرها. حاولت المنظمة أن تفرض قيادتها وأن تجعل من قيادات الشعبين شخصيات مساندة في الصف الثاني خلف قيادات المنظمة. أي أن المنظمة حاولت لعب دور السيد بدل التعامل بأخوة وصداقة مع الشعبين. شكل هذا اغتباطا في صفوف أعداء الثورة الذين يرفضون فكرة المقاومة المسلحة أصلا، وعمل على صد تأييد الناس وتحويلهم إلى أعداء يرجون اليوم الذي يتخلصون فيه من منظمة التحرير. لقد ارتكبت المنظمة أعمالا ذات خطورة كبيرة في الأردن وكررتها في لبنان مما جعل الشعبين يكرهان شعب فلسطين وليس المنظمة فحسب. هذا لا يعني أنني أبرىء النظامين في الأردن ولبنان، لكنني أشير فقط إلى دور المنظمة التي ساهمت مع الأنظمة العربية في خلق الكراهية بين الشعوب العربية. أما في تونس، فقد بدأ الشعب التونسي يتراجع عن مواقفه تجاه القضية الفلسطينية بعدما تعرف على تصرفات قيادات فلسطين ومسلكياتها اليومية.
تقول منظمة التحرير الآن أن الشعوب العربية قد خذلتها، وكان في خذلانها سبب أساسي في التوجه نحو الحل السلمي مع إسرائيل. هذا القول غير صحيح لأن المنظمة فضلت العمل مع الحكومات وأدارت ظهرها للشعوب، بل أنها عملت على تشويه الصورة الأولية التي بنتها الشعوب حول المنظمة. لقد أعطت المنظمة انطباعا سيئا عن نفسها لدى الجماهير العربية بحيث لم تعد هناك ثقة ولا استعداد للدعم والمساندة. كان الشاب الفلسطيني عام 1967 يسير بصندوق التبرعات في عاصمة عربية فيملأه من شارع واحد، لكنه لن يستطيع أن يملأه الآن حتى لو طاف كل العواصم العربية.
خامسا: صرف الأموال
يقال أن منظمة التحرير الفلسطينية برزت من بين مختلف التنظيمات والثورات على أنها الأكثر ثراء، وأنها التنظيم الثوري الوحيد الذي يقدم الدعم المالي للشعب بدل أن يستند على الشعب. أتقنت منظمة التحرير فن مد اليد والبحث عن أموال وأتقنت كذلك فن إهدارها وصرفها بطرق لم تخدم مهمة التحرير.
مد اليد أكسب الشعب الفلسطيني عادة التسول ووضعه في حالة اليد السفلى التي تؤثر سلبا على المعنويات وعلى الرغبة في العمل والجد والنشاط. الدعم الخارجي يكسب الكسل والخمول، والاعتماد على الغير خاصة إذا كان بهدف سد حاجات يومية للناس وليس مواجهة أخطار استراتيجية يؤدي إلى ربط مصير الناس باقوى التي تقدم الدعم. ربما كان بعض الدعم ضروريا لشراء السلاح ودعم عائلات المقاتلين وتطوير أسلحة جديدة، لكنه لم يكن ضروريا لغايات الاستهلاك.
على أية حال، كان الأمل أن يتم توظيف أموال التسول من أجل بناء اقتصاد فلسطيني متلائم مع متطلبات التحرير. كان المفروض دعم الاقتصاد المنزلي بحيث يعتاد الناس على دعم أنفسهم بأنفسهم من خلال إنتاج يتوسع باستمرار ويولد عمالا مهرة ومحترفين. وكان من المفروض أن تقوم منشآت اقتصادية ضمن الممكن في ظل الاحتلال تستقطب العمال من المصانع والمزارع الإسرائيلية، وتوظف العمالة الفلسطينية من أجل إنتاج فلسطيني متصاعد. كان من العار، وما زال، أن يعمل عشرات الألوف من الفلسطينيين في مواقع الإنتاج الإسرائيلية وذلك لأن العمل مصدر قوة اقتصادية للعدو الذي يحتل الأرض ويشرد الشعب، ولأن من يعتمد على عدوه في لقمة خبزه لن يقوى على التحرير. كان من الحكمة أن توظف الأموال لغسل مثل هذا العار.
لكن المنظمة لم تعر انتباها لأي تخطيط استراتيجي يشكل رصيدا اقتصاديا للشعب الفلسطيني. فأثناء تدفق أموال الدعم التي سميت بأموال الصمود ازداد عدد العمال الفلسطينيين في مراكز العمل الإسرائيلية، ولم تعمل المنظمة حتى على توفير فرص عمل متناسبة مع الزيادة الطبيعية في الأيدي العاملة. لم تكن المنظمة معنية سوى بانشاء مؤسسات هشة غير إنتاجية لتقول للناس والدول أنها تملك مؤسسات ترفع شعار أن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. أنشأت مؤسسات غير إنتاجية لتقول للمحافل الدولية أن البنية التحتية لإقامة الدولة موجودة، في الوقت الذي رأى فيه العالم أن البنية التحتية في الحقيقة غير موجودة. العامل لم يدعم، والفلاح لم يلق أي رعاية، والمناضل لم يلق إلا القليل من الاكتراث، وتبددت الأموال في جيوب كثيرين لم يكونوا أساسا بحاجة إلى مال.
لا شك أن بعض الأموال قد صرفت بطريقة جيدة، لكن ذلك لم يكن كافيا، ولم تكن تلك الطريقة هي المعهودة والمعروفة لدى الناس. كثير من الأموال استخدم لشراء الذمم والمواقف السياسية مما حفز الناس إلى تبني سياسة النفاق والدجل من أجل الحصول على مكاسب مادية. كان الفساد المالي كبيرا ومستشريا وما زال حتى الآن في عهد السلطة الفلسطينية.
سأعود إلى هذا الموضوع ثانية.
سادسا: أصحاب النفوذ التقليدي
عانت فلسطين كما عانت كل أنحاء الوطن العربي من النفوذ العائلي التقليدي، أو من العقلية القبلية التي لا تؤمن بالمصلحة العامة وتفضل دائما الحرص على المصالح الخاصة. العقلية القبلية بالتعريف عقلية متحوصلة ومنغلقة وعنصرية وتضحي بالمصالح العامة من أجل المصلحة الخاصة. سادت هذه العقلية في فلسطين على مدى قرون، وهي التي كانت سائدة إبان الحكم العثماني والانتداب البريطاني والحقبة الأردنية. وقد ثبت أن هذه العقلية تجنح دائما للتعاون مع السلطة الحاكمة بغض النظر عمن تكون وذلك لأن مصالحها الاقتصادية والاجتماعية تتطلب ذلك. تعاونت القبائل المتنفذة مع الحكم التركي وأثقلت على الناس الضرائب وراكمت ثروة نقدية وعقارية كبيرة حتى باتت بعض القبائل إقطاعية ضمن معايير المساحة المتوفرة في فلسطين. وتعاونت مع الانتداب البريطاني إلى درجة أنها، في أغلبها، باعت الأراضي لليهود في الوقت الذي قادت فيه البلاد ووعدت الناس باستمرار بتحقيق الاستقلال. ولم تتورع هذه العائلات المتنفذة عن التعاون مع الاحتلال الإسرائيلي في تنفيذ سياسات عامة من أجل مصالحها.
مت وسلمت أمورها للغير، وإنما بقيت على علاقة من نوع ما مع النظام الأردني والاحتلال الإسرائيلي وبعض الدوائر والحكومات الغربية وذلك لتستلم السلطة في الوقت الذي تنهار فيه المرحلة الثورية. وقد وجدت لها الأصدقاء الذين يحافظون عليها ويدعمونها بسبب ميلها إلى المهادنة والتعاطي مع الطروحات الإسرائيلية والأمريكية لحل القضية الفلسطينية. بالطبع لا أشمل هنا كل أبناء العائلات التقليدية، وإنما أتحدث عن الاتجاه العام للعقلية العشائرية والسلوك العشائري القائم. أما من ناحية الأشخاص فهناك فروقات، ومن بين العائلات التقليدية خرج مناضلون فلسطينيون وقدموا التضحيات.
كان الظن أن منظمة التحرير تشكل قيادة جديدة باتجاهات نحو تحديث المجتمع الفلسطيني ليكون قادرا على مواجهة التحديات الكبيرة التي تنتظره. لكن الأيام كشفت أن قيادة المنظمة لا تتعامل بصورة جدية إلا مع الذين يمثلون العائلات التقليدية. لقد تعاملت مع مناضلين، لكن هذا التعامل بقي سطحيا وعرضة للتوقف أو التغيير. أما التعامل مع العائلات فبقي ثابتا وتصاعدت وتيرة أواصره إلى درجة أن رموز هذه العائلات أصبحوا الأكثر نفوذا في دوائر منظمة التحرير، علما أن بعضهم عرفوا على المستوى الشعبي بأنهم عملاء لإسرائيل. واستمر تصاعد مكانة هؤلاء في صفوف منظمة التحرير إلى أن أصبحوا رموزا لها يحتلون المقاعد الأولى خلف ياسر عرفات، في حين تراجع من تبقى من المناضلين عبر السنوات إلى المقاعد الخلفية. وإذا تتبع أحد خلفيات مندوبي منظمة التحرير إلى مؤتمر مدريد وفي مختلف مراحل المفاوضات مع إسرائيل وفي المناصب الأساسية في السلطة الفلسطينية يجد أنهم، في أغلبهم، من جذور عائلية لها تقاليد عريقة في المساومة على الوطن.الأسماء كثيرة ومعروفة ويتم ذكرها في الأوساط الشعبية الفلسطينية باستمرار، لكنني أمتنع عن ذكرها هنا حتى لا يتحول الكتاب إلى سبب لمنابزات شخصية. وهناك ثقة بأن التاريخ لن يغفل عن ذكر الحقائق وتفصيلها. لكن المأساة تبقى تبقى ماثلة حتى لو كان في كتابة التاريخ شيء من العزاء. سبق أن كانت لنا قيادات وباعت أراض لليهود ولم يكتب التاريخ إلا بعد زمن كانت حينه تلك القيادات قد ماتت.
سابعا : الانتفاضة
شكلت الانتفاضة الحدث التاريخي الكبير الثاني الذي يتسلم الشعب الفلسطيني فيه قضيته بيده بعد إضراب عام 1936 وما أعقبه من ثورة استمرت ثلاث سنوات. لقد تراكمت هموم الشعب الفلسطيني وآلامه بسبب الاحتلال الإسرائيلي وسياساته القمعية الدموية. تأمل الشعب الفلسطيني بمخرج عبر سنين من الثورة والجهود السياسية والديبلوماسية يريحه من عناء الاحتلال وقهره دون فائدة على الاطلاق.شكل الاحتلال الصهيوني للأرض والشعب نقيضا للذات الفلسطينية في الأرض المحتلة/67وأداة إرهابية بطشية شديدة. شكل الاحتلال حاجزا ما بين الفلسطيني كفرد وكعضو في جماعة وبين طموحاته وتطلعاته الإنسانية والوطنية وإرادته في أن يكون حرا قادرا على الحركة والتعبير والمشاركة.
كان يعمل الاحتلال على صنع أمر واقع يقبل فيه الفلسطيني ما يعطى له ويخلد إلى الهدوء والسكينة، لكن ذلك خالف المنطق التاريخي وخالف أيضا المنطق الانساني. من الناحية الإنسانية يبدو أن الإنسان لديه طاقة محدودة على تحمل القمع والذل، وأنه مهما استكان فإن استكانته تبقى مؤقتة ولا يمكن الاطمئنان إلى استمرارها. أما من الناحية التاريخية فقد شهدت البلاد والمناطق التي شهدت احتلالا ثورات وصراعات أدت في النهاية إلى إنهاء الاحتلال وتحقيق حق تقرير المصير لمن عانى من الاحتلال. لا يختلف الشعب الفلسطيني عن الشعوب الأخرى ولم يكن من الممكن أن يستسلم لا للظروف ولا لضغوط الاحتلال.
على الرغم من أن الاحتلال هو السبب المباشر والأول في نشوب الانتفاضة إلا أن السؤال الذي يبقى قائما هو لماذا يضطر الشعب أن يحمل قضيته بنفسه كجماهير غاضبة تعبر عن رفضها للأمر الواقع. عودة إلى مرحلة عام 1936 نجد أن الشعب الفلسطيني وجد نفسه في تلك الفترة وحيدا بلا معين. غرقت القيادة الفلسطينية حينئذ بالصراعات القبلية وتنافست على الثراء والجاه وحاولت جاهدة ألا تُغضب الانتداب البريطاني وحاولت أن تلهي الناس بالخطابات والمهرجانات والوعودات. كانت تضيع الأرض ولا يلوح في الأفق أمل في إنقاذ الوضع. حتى البلاد العربية والإسلامية لم تقدم أي أفكار أو آمال في مد يد العون. ولذلك لم يكن من المستغرب أن يخرج الشعب محتجا وحاملا السلاح في وجه الأعداء.
لم يكن الوضع مختلفا جذريا عام 1987 عنه في عام 1936. سنوات القتال والوعودات المتواصلة في تحرير البلاد أو الوصول إلى حل يحقق للفلسطينيين جزءا من آمالاهم لم تنتج شيئا إيجابيا إن لم تكن قد أنتجت المزيد من المعاناة والآلام. دفع الناس ثمنا باهظا جدا من أجل الحرية دون أن يبزغ أمل في الوصول إلى باب مفتوح.خرجت منظمة التحرير التي بنوا عليها الآمال من الأردن ومن بيروت، وسقط العديد من الشهداء وهدمت البيوت واقتيد المعتقلون إلى السجون بالآلاف وتعرض الشعب للمجازر والتجويع ومختلف صنوف التنكيل.
لم يبد أن القيادة الفلسطينية قادرة على لعب دور حاسم في إنجاز الحرية للشعب، ولم يبد أيضا أن الدول العربية مكترثة بالقضية الفلسطينية إلى حد أن مؤتمر القمة العربي الذي عُقد في عمان عام 1987 لم يناقش القضية الفلسطينية وكأنها قضية تخص العالم الآخر. كذلك كان الوضع على الساحة العالمية حيث لم تناقَش القضية في لقاء أمريكي سوفييتي عقد على مستوى القمة. قاد هذا الوضع إلى الشعور باليتم وبعدم جدوى البكاء والحزن، فخرج الشعب يحمل همومه ضمن وضع جماهيري واسع.
هذا ما يفسر خروج الشعب في هبّة جماهيرية تلقائية. لم يخطط أحد لهذه الهبة ولم يتوقعها أحد ضمن حدود زمنية. لو كان قد خطط لها أحد لكان الوضع مختلفا من حيث أنها تكون مبرمجة وذات خطوات متتابعة بناء على وعي مسبق بكل خطوة وبأهدافها وبما يمكن أن تحققه. عندها تكون انتفاضة واعية ذات حسابات وسياسات تستطيع المناورة ونقل الشعب نقلة جدية نحو الثورة. من المعروف تاريخيا أن الهبات الجماهيرية عبارة عن هبات تلقائية ناجمة عن الشعور باليأس لا عن الوعي، وهي هبات احتجاجية قد يتخللها بعض العنف لكنها ليست ثورة. الانتفاضات احتجاجية ينقصها التنظيم والوعي، أما الثورات فصدامية واعية تعتمد أساليب المقاومة.
إذا كان هناك من خطط للانتفاضة الفلسطينية فإنه لا بد قد خطط لتخزين المواد الغذائية لمواجهة الطوارىء، وإن لم يكن قد فعل فإنه مخطط فاشل. بحكم اشتراكي المباشر في النشاطات الجماهيرية منذ الأيام الأولى للانتفاضة أعرف تماما أنه لا منظمة التحرير ولا الفصائل الفلسطينية كانت تملك مخزنا واحدا يختبىء فيه كيلوغرام واحد من السكر أو الزيت أو أي مادة غذائية أخرى. وأعرف تماما أن فلسطينيي المنطقة المحتلة/48 هبوا للنجدة وزودونا بسرعة فائقة بمختلف انواع المواد الغذائية. وللتاريخ لا بد أن أذكر أن الفلسطينيين الدروز لم يتوانوا في مد يد العون ووصلت شاحناتهم إلى المخازن التي قمنا بإعدادها وإلى المخيمات والتجمعات الفلسطينية المختلفة. حتى أن حاكم عسكري نابلس حينئذ الدرزي الهوية أقدم على اعتقال أعضاء من لجنة المبادرة الدرزية.
كانت الانتفاضة تطورا جماهيريا تاريخيا، وكان من الممكن الإمساك بها وتطويرها وتصعيدها بحيث تشكل تحديا كبيرا للاحتلال، كان الأمل كبيرا في استغلال الوضع الذي نشأ من أجل نقل الجماهير من حالة التراكمات الضاغطة إلى حالة الوعي الذي من شأنه أن يولد ثورة، أثناء ذلك كان الأمل كبيرا في البدء بمقاطعة اقتصادية فعالة ثم الانتقال إلى عصيان جزئي فشامل فثورة.
تم طرح الأساليب التي يمكن بوساطتها تحقيق مثل هذا الهدف، وتم توضيح ذلك لمنظمة التحرير عبر طرق عديدة، وتم التركيز على نقاط عديدة منها:
أ- المحافظة على جماهيرية الانتفاضة :: الجماهير صنعت الانتفاضة، ومن المفروض إبعاد شبح الفئوية عنها والإبقاء عليها جماهيرية. الفئوية خطيرة وقد جزأت الشعب الفلسطيني قبل الانتفاضة ومن شأنها أن تقتل الانتفاضة إذا زحفت إليها. لم تسمع قيادة منظمة التحرير هذا الكلام وسارعت منذ الأيام الأولى للقول بأنها هي التي قامت بالانتفاضة وأنها هي التي تحركها بـالريموت كونترول، على حد قول أحد قيادات المنظمة، وظهر ياسر عرفات يقول بأن البيان رقم 75 في جيبه وأن الانتفاضة من سبع مراحل.
خلقت قيادة المنظمة جوا من التنافس بين الفصائل، وحاول كل طرف أن يثبت أنه قائد الانتفاضة، أو على الأقل أحد قادتها، كان من شأن هذا تجزئة الجماهير إلى أطر وفصائل، ومن ثم انحسار المد الجماهيري إلى أطر وفصائل، ومن ثم انحسار المد الجماهيري لصالح أعمال فصائلية، وتقلص دور الجماهير إلى درجة متدنية للغاية، وهو الحد الذي ترى فيه الجماهير أن الانتفاضة -التي تحولت إلى انتفاضة إغلاق المحال التجارية- قد تحولت إلى عبء على الجماهير ولم تعد رصيدا لصالحها.
ب- الأمــــوال:: أُبلغت قيادة منظمة التحرير بأن أموالها قبل الانتفاضة قد لعبت دورا سلبيا على الساحة الفلسطينية وكانت، في أغلبها، أموال هدم لا أموال بناء. وما دامت أوضاع القائمين على هذه الأموال لم تتغير خلال الانتفاضة فانه من الأفضل أن تبقى أموالهم معهم، وإذا أرسلوا الأموال فلن يكون مفعولها إلا تخريب الانتفاضة.
طبعا لم تستمع قيادة منظمة التحرير، خصصت بعض الأموال للصرف بالطرق السليمة كمساعدة المعتقلين وأهالي الشهداء، لكن أموالا كثيرة صرفت لشراء الذمم ولعمل المظاهرات الإعلامية من أجل إبراز قيادة منظمة التحرير. وبما أن شراء الذمم عبارة عن قاعدة أساسية من قواعد عمل قيادة المنظمة، فان نصيب أصدقاء إسرائيل والولايات المتحدة وغير الفاعلين وطنيا كان الأوفى والأكبر من هذه الأموال، وبالتالي أصبح هؤلاء قادة للمناضلين في الشارع. هؤلاء المناضلون الذين استمر الإعلام في خداعهم وتضليلهم، ومع مرور الأيام وانكشاف الصورة رويدا رويدا، أخذوا ينسحبون حتى تقلصت أعدادهم إلى درجة كبيرة .
أذكر هنا اجتماعا عُقد بتاريخ 11/12/1987 لتقييم الأوضاع واتخاذ قرار عملي للمساهمة في الأوضاع. كان التقييم حينه أن الاضطرابات الشعبية ستكون طويلة الأمد ولا بد من وضع خطة للمشاركة الفعالة بقدر الإمكان في التوجهات الشعبية. المهم أن المجتمعين، بعد أن وضعوا خطتهم، انتقلوا للحديث عن متى ستبدأ قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بتخريب الوضع الشعبي الذي نشأ وكيف. وقد كانت الخلاصة أن القيادة ستقضي على وحدة الشعب بالفئوية والتركيز على زعامة عرفات وصوره.ومن خلال الأموال التي ستستعمل للاستقطاب السياسي وتحويل الوضع من مظهر وطني إلى مظهر سياسي.
ت- الاقتصـــــاد: قيل لقيادة المنظمة أيضا أن الأموال، إن كان لا مفر من إرسالها، يجب أن توظف لصالح بناء اقتصاد جديد شبيه بما كان مطروحا قبل الانتفاضة وذلك من أجل دعم مسيرة الجماهير، ومن أجل استيعاب الذين يتركون أعمالهم في الدوائر التي يشرف عليها الاحتلال. إذ أنه ليس من الحكمة مطالبة الناس بتنفيذ عصيان مدني دون توفير بديل يضمن لهم لقمة العيش، لكن الذي حصل هو صدور بيانات تطالب بالعصيان المدني دون توفير قاعدة اقتصادية صحيحة. قامت بهرجة إعلامية كبيرة بخصوص استقالات رجال الشرطة وبشأن امتناع البعض عن دفع الضرائب، لكننا كنا متأكدين من أن الناس سيدفعون الضرائب، ومن أن التعليم الشعبي سيفشل، الخ. ذلك لأن القاعدة لنجاح هذه الأمور غير متوفرة، وأن ما عُمل في سبيل ذلك لا يتجاوز الأغراض الإعلامية .
ث- التصعيـــد: قيل لقيادة منظمة التحرير أن استغلال الوضع الذي خلقته الجماهير يتطلب المحافظة على قوة الدفع، وأن ذلك يتم من خلال خطوات تصعيدية تبقي على الحشد الجماهيري وتعزز من ضغط الجماهير على الاحتلال. الرتابة في العمل الجماهيري مرفوضة لأنها تقود إلى الملل والاسترخاء ولا بد من التجديد.
لكن قيادة المنظمة انتهجت طريق التنازلات بدل التصعيد والتجديد، انتهزت القيادة فرصة المد الجماهيري لتقول للشعب الفلسطيني أنها تعلن الاستقلال تحت عباءة الإعلان عن الاعتراف بقراري مجلس الأمن 242 ، 338 وهذه كانت خطوات تنفيسية أثرت سلبيا على الوضع.
ج- الإضرابــــات: منذ بداية الانتفاضة والأصوات ترتفع ضد الإضرابات لأنها تثقل الجماهير وتحدث أثرا تخريبيا في مرافق الحياة وخاصة في الاقتصاد والتعليم، لكن أحدا لم يسمع ولم ينتصح أحد. حاولت قيادة المنظمة أن تغطي المأساة التعليمية التي نعيشها بتشجيع الطلاب على الغش فأحدثت المزيد من التخريب، أما سوء الأحوال الاقتصادية فاستغلته القيادة كعنصر يبعث اليأس لدى الجماهير، فكلما زاد الإحباط واليأس زاد قبول الجماهير للسياسة التي تنتهجها المنظمة، أي أن المنظمة تستخدم سلاح الإضراب كأداة ضارة بالشعب مما يدفع به إلى القنوط.
ألحقت الإضرابات الضرر بنا دون أن تؤثر بإسرائيل، حتى أن دوريات الجيش كانت ترتاح أيام الإضراب لأنها تعرف أن الهدوء سيسود. ومن الناحية الإعلامية، لم تجد الإضرابات نفعا إلا في الأيام أو الأشهر الأولى للانتفاضة، ربما كانت إذاعة مونت كارلو هي أكثر الإذاعات اهتماما بالموضوع لأنها تعكس وجهة نظر قيادة المنظمة.
ح- الساحة الدولية: قيل للمنظمة أن الساحة الدولية مهمة ويجب التركيز عليها من أجل كسب التأييد والتعاطف العالميين، لقد سمعت قيادة المنظمة هذا الكلام، لكنها سمعته كثيرا جدا بحيث أصيبت بطرش المواضيع الأخرى. وقد قاد تركيزها على هذا الأمر وترك الأمور الأخرى إلى ظهور الفلسطينيين بمظهر المتسولين الذين يستجدون العطف والشفقة، وكأن العلاقات الدولية تقوم على النوايا الطيبة واستدرار العطف .
الساحة الدولية بدون مقومات لا تجدي نفعا، المقومات تتمثل بعناصر القوة كوجود اقتصاد قوي أو خلايا سرية أو أسلحة فتاكة، أو انتفاضة. كان لدينا انتفاضة، لكن قيادة المنظمة توجهت إلى الساحة الدولية بجهود ذاتية كبيرة لم تساهم عمليا في تقوية الانتفاضة وإنما في إضعافها.
خ-التعليم: كان تخريب العملية التعليمية في المدارس من أسوأ ما حل بالشعب الفلسطيني خلال الانتفاضة. أتت الإضرابات على أيام الدوام المدرسي بحيث تقلص عدد أيام الدراسة في إحدى السنوات الدراسية إلى حوالي أربعين يوما. كان الأمر محزنا ولم تفلح كل الناشدات لإعفاء المدارس والمعامل والمصانع من الإضرابات، لكن لا أذن تسمع. كيف كان من الممكن أن ينتصر شعب يعطل مدارسه ومصانعه في حين أن قياداته تتقن الخطابة حول أهمية العلم والانتاج الوطني في مواجهة العدو.
تحولت امتحانات الثانوية العامة (التوجيهي) إلى مهرجانات من الغش على مدى عدد من سنوات الانتفاضة.أُنشأت مراكز وطنية لتحضير الإجابات عن أسئلة الامتحان ولتصويرها وتوزيعها على الطلبة في قاعات الامتحان. بدأت عملية الغش أولا من خلال استعمال مكبرات الصوت التي كان يذاع من خلالها الإجابات من خارج قاعات الامتحان، لكن الحركة الوطنية طورت أساليبها وجعلت المهمة أكثر تنظيما وكفاءة. وقد تم إنشاء لجان وطنية للغش على نمط لجان الغش الوطنية التي كان معمولا بها في السجون الإسرائيلية.
تعرفت على لجان الغش الوطنية بداية في سجن جنيد الكائن في مدينة نابلس. أدهشني فتح أبواب أقسام السجن يوم بدأ امتحان الثانوية العامة حيث تسمح إسرائيل بأداء الامتحان تحت إشراف مديريات التربية والتعليم. لكن المعتقلين القدامى شرحوا لي أن إدارة السجن تفتح الأبواب لتسهيل حركة لجنة الغش الوطنية التي تقوم بالإجابة عن الأسئلة وتلاوة الإجابات أمام الممتحنين. ولدى تتبعي للأمر وجدت أن لجان الغش تتشكل من ممثلين عن الفصائل الفلسطينية المشاركة في منظمة التحرير الفلسطينية. ووجدت أيضا أن اللجنة تكلف شخصا لتأدية الامتحان بالنيابة عن شخص قد يكون مريضا أو غير قادر على القراءة والكتابة أو خارج أسوار السجن.
اقتبس العالم الحر هذه التجربة الثورية وطبقها على امتحان الثانوية العامة. قاد عناصر الحركة الوطنية عملية الغش وذلك مساعدة منهم للطلبة الذين شغلتهم الانتفاضة عن الدراسة. وقد تردد، على الرغم أنني لست متأكدا من هذه النقطة، أن عملية الغش قد تم صدور فتوى بإجازتها من تونس حيث كانت قيادة منظمة التحرير.
هل كانت تعرف قيادة منظمة التحرير أن الجاهل لا يقوى على التحرير؟ وهل كانت تعي خطورة تدهور التعليم على الشعب الفلسطيني وقضيته؟ ربما لم تصدر أوامر للقيام بالغش (علما أنني أرجح الصدور من حيث أن جني التأييد السياسي على الساحة تم عبر السنوات من خلال التسيب والاستزلام وعلف المنافقين بالمال) لكن ما الذي منع القيادة من إصدار أوامر للتوقف عن هذا العمل المشين؟ كانت منظمة التحرير قادرة على تصحيح الأوضاع بسهولة من خلال الإعلان بأن كل من يقوم بالغش خائن للوطن، لكنها لم تفعل.
حتى أن عملية الغش أو الضغوطات من أجل الغش قد انسحبت على الجامعات. عدد من مدرسي الجامعات كانوا يخضعون لمشاعر الموالاة أو لأساليب الإرهاب ويعطون بعض القيادات الطلابية درجات لا يستحقونها. وأنا أعلم العديد من الطلاب في الجامعات المختلفة قد حصلوا على معدلات عالية على الرغم من أنهم كانوا فاشلين ولا يحرصون على الدوام لكونهم أعضاء في مجالس طلبة موالية لقيادة منظمة التحرير أو قيادات طلابية موالية. وللحق، لا ينطبق هذا الغش على هذه الحالة فقط وإنما من الملاحظ أن الغش قد طال الفصائل الأخرى التي لها حظوة لدى مدرسين يميلون لها.
بعد هذا كله تأتي المنظمة لتقول: ما هو البديل ؟ ثم تعدد في تبريراتها للمفاوضات والاتفاق كل العيوب التي تم التحذير منها عبر السنين. لقد قيل للمنظمة أن سياساتها تقود الى الهاوية، لكنها لم تنتصح، بل أنه من الواضح أنها كانت تسير عبر السنوات ضمن برنامج محدد وواضح يقود الى هذه النتيجة ، أي أن سياسة التكتيك التي دأبت قيادة المنظمة على الحديث عنها طوال السنين الماضية لم تكن حقيقة سوى استراتيجية المنظمة التي أخفتها عن الشعب تحت ستار من الشعارات والتبريرات.
من الواضح تماما أن المنظمة لم تكن تخطئ في سياساتها، وإنما كانت سياسات متعمدة من أجل أن تقود إلى نتيجة تريدها القيادة وهي النتيجة التي نراها أمامنا، وإلا كيف نفهم الإصرار على هذه السياسات والإصرار على قمع كل من يخالفها؟ من المفهوم أن يخطئ الإنسان مرة أو مرتين أو ثلاثة ، فهذا من شأن من يعمل، لكن أن يخطئ ويستمر في الخطأ على الرغم من النصائح والتوضيحات والتحذيرات، فهذا أمر يفوق هامش الخطأ. قيادة المنظمة لم تكن في وهم مما تصنع لأنها أرادت أن تقود الشعب الفلسطيني إلى هذه المرحلة والتي يصادق فيها على تنازلها عن حقوقه.
أرادت المنظمة أن تخلق جوا من اليأس بحيث يقبل الشعب بما تطرح من حلول مع العدو، وأخذا بميزان القوى القائم، أن يقبل بما يريد العدو. أي أن المسألة ليست مسألة سوء في التقدير، وإنما تعمُد التقدير السيء. فهل هناك برنامج مسبق كان من المفروض أن يتم تنفيذه؟
من يسمع قيادة منظمة التحرير يظن أنها لم تدخر جهدا إلا وقامت به من أجل التحرير. إنها تتحدث عن البطولات والتضحيات والمؤامرات والدسائس والطائرات والقصف والصراخ والغبار،الخ. لكن العبرة تبقى في السياسة العامة. ما الذي يمكن أن يحققه فدائي بطل إذا كانت بطولاته ستستثمر في المزايدات السياسة؟ وما الذي يمكن أن يحققه إنسان فذ يحاول أن يرسخ القيم العلمية أمام تيار من الغش والتحايل. الشعارات لا قيمة لها أمام السياسات العامة ولا تصمد مع الزمن الذي من شأنه أن يعري الحقائق.
غطاء سياسة منظمة التحرير
المتتبع لسياسة منظمة التحرير وعبر النقاط الرئيسة المشار إليها في الصفحات السابقة يصل إلى استنتاج أن هناك خللا كبيرا في هذه السياسة وأن أمرا ما يبقى غير واضح. لماذا لم تكن هناك تربية أخلاقية تساعد على القيام بثورة؟ لماذا تُرك الشعب الفلسطيني فريسة للشعارات الغوغائية الفارغة التي لم يكن لها سوى الرنين؟ ولماذا يترك العملاء يصولون ويجولون في صفوف المنظمة والفصائل فيدفع الشعب الفلسطيني الثمن الباهظ عبر السنوات؟ لماذا لم يتم فتح أبواب التحقيق والتدقيق والتقييم؟ لماذا نخر الجواسيس الشعب الفلسطيني والقادة يعلمون تماما أن الاختراقات كبيرة وواسعة وتصل إلى أعلى مستويات المسؤولية؟ وما ذنب الشعب الذي رغب في تحرير وطنه لكي يموت أبناؤه ويلاقي الويلات والمصائب دون أن يحقق أي نتائج؟ إنه أمر رهيب ويدفع الإنسان إلى الحيرة والشرود والتفكير بما يظنه البعض أنه محرم. ألم تكن تعلم القيادات أن أبناءنا الذين رغبوا في القتال من جنوب لبنان أو البحر يموتون قبل أن يصلوا لأن قوات إسرائيل كانت دائما في انتظارهم؟ لقد كانوا يعلمون.
ولماذا الإفساد المالي وعدم الحرص على البناء وتوفير فرص العمل للفلسطينيين؟ لماذا تُبذر الأموال العامة ويُدفع الفلسطينيون دفعا إلى العمل في إسرائيل؟ ولماذا تصل الأموال إلى الحيتان بينما يحرم العامل والفلاح والحرفي من الدعم وهم عماد بقايا الإنتاج الفلسطيني؟ ولماذا الإساءة لصورة الفلسطيني عبر تصرفات قبيحة حمقاء؟ لماذا الخصام مع أخوتنا الأردنيين واللبنانيين؟ لمصلحة من تُزرع كراهية العرب في النفوس؟ أسئلة كثيرة لا تنضب حول سياسة منظمة التحرير.
لكن السؤال الأكبر يكمن حول الشعب الفلسطيني ذاته: أهو شعب إلى هذه الدرجة من الغباء؟ لا. الشعب الفلسطيني كغيره من شعوب المنطقة التي تعاني من التخلف والجهل، وقدرته على تحليل الأمور وفهمها لا تختلف جذريا عن قدرة شعوب المنطقة. إنه يعاني من مشكلة عامة تشكل ظرفا موضوعيا يمكن القفز عنه مع الزمن. لكن هذا الظرف الموضوعي تم تعزيزه بسياسات عدة شكلت تغطية لسياسة المنظمة وتقف الأمور التالية على رأسها:
أولا: الإبقاء على قيادة منظمة التحرير قادرة ماديا لتبقى قادرة على استقطاب التأييد. كانت المنظمة تمر بأزمات مالية مفتعلة بين الحين والآخر، ولكن سرعان ما كانت تنفرج الأمور. كانت تحصل المنظمة على أموال من دول عربية موالية للولايات المتحدة في الوقت الذي كانت تشهّر فيه الولايات المتحدة بالمنظمة على أنها إرهابية وتشن على قيادتها حربا إعلامية قوية. إذا كان موقف الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين جديا، فلماذا كانت تسمح بتمويل المنظمة؟
منعت الولابات المتحدة الأموال عن عدد من التنظيمات الثورية في العالم ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، وكانت دائما قادرة على التحكم بسياسة الدول العربية الموالية لها بهذا الخصوص. فرضت الولايات المتحدة حصارا ماليا على حركة حماس وأجبرت الحكومات العربية على المشاركة في الجهود، وحاصرت ليبيا والسودان والعراق وأجبرت الدول العربية على الالتزام، فلماذا سمحت بتمويل قيادة منظمة التحرير على الرغم من أنها وصفتها بالإرهابية على مدى طويل من الزمن؟شعبنا في فلسطين يدرك أن المنظمة لم تعلن إفلاسها في أي يوم وأنها بقيت قادرة على صرف الأموال في البلاد. لقد تأرجحت ميزانيتها بين الحين والآخر إلا أنها بقيت قادرة على الوفاء بجزء كبير من الاحتياجات. وبقيت قادرة أيضا على تلبية متطلبات القيادة التي، كما سنرى فيما بعد، لم تكن قادرة على الاستمرار في القيادة بدون أموال.
ثانيا: حظيت قيادة منظمة التحرير بتغطية إعلامية واسعة عبر السنين حتى في ظل الهجمة الكبيرة من قبل إسرائيل والغرب عامة عليها وعلى المنظمة. حتى أن فرنسا قد وظفت إذاعة مونت كارلو لتكون ناطقا باسم المنظمة فيما يتعلق بقضية فلسطين. لقد كانت الإذاعة فلسطينية أكثر من الفلسطينيين ودافعت باستمرار بصورة مباشرة وغير مباشرة عن قيادة المنظمة، وعملت على طمس الكثير عن الحقائق وتهميش القوى الفلسطينية الأخرى المنافسة للقيادة. وقد ساعدت القيادة أجهزة الإعلام في قدرتها الخارقة على المناورة والخداع وافتعال الأحداث التي كانت تخرج منها في النهاية كصاحبة بطولة وشجاعة. وكان آخر هذه الأحداث هو ما سمي بانتفاضة الأقصى عام 1996 والتي ذهب ضحيتها حوالي ثمانين فلسطينيا وحوالي ألف جريح لا لشيء إلا لتحسين صورة القيادة التي تدهورت بعد تطبيق اتفاق أوسلو.
ثالثا: اتبعت قيادة منظمة التحرير سياسة ما يسمى بالتكتيك. لقد أتقنت قيادة المنظمة عملية المناورة والخداع بدرجة كبيرة جدا وكانت تطلق على هذا الفن التكتيك والذي يعني اتخاذ الخطوات الآنية واليومية والقصيرة المدى والتي تمكنها من تجاوز الصعاب والعراقيل والسياسات المعادية. لقد كان هذا الفن ظاهرة سلوكية لدى القيادة الفلسطينية إلى درجة أن عرفات لُقب بالمتكتك.
التكتيك كان من الناحية العملية تجاوزا للمحرمات على الساحة الفلسطينية. كانت القيادة تستغل الأزمات والصعاب لتعلن عن مواقف جديدة لم تكن مقبولة على الساحة الفلسطينية، ولتفسرها على أنها تكتيك يهدف إلى تجاوز المرحلة. كانت تقبل القيادة الجديد وتشيع في صفوف المناضلين أنها متمسكة بالثوابت الفلسطينية وأنها إنما تحني رأسها قليلا حتى تنتهي العاصفة. وبقي التكتيك سياسة مستمرة حتى نزل السقف الفلسطيني إلى أدنى درجة، وضاعت الثوابت.
إن ما يجعل المرء متشككا بهذا التكتيك هو أنه لم يكن مغطى بعمل استراتيجي. إن من يريد أن يناور أو يخادع من أجل تجاوز الأزمات لا بد له أن يجد قاعدة يسند ظهره عليها حتى لا يضيع في خضم التكتيكات ويفقد نفسه وأهدافه. فمثلا يمكن أن تكون هناك علاقة مع عدد من الدول العربية التي يسند المرء ظهره عليها، أو أن يكون شعبه معتمدا على نفسه من الناحية الاقتصادية، أو أن تكون هناك خلايا سرية ترهب العدو، أو أن يكون له جيش قوي، الخ. ماذا فعلت القيادة الفلسطينية من أجل أن تدعم تكتيكها وتجعل الشعب الفلسطيني واقفا على أرضية صلبة؟ طبعا لا شيء. بل على العكس دمرت ما كان يمكن أن يكون نواة لقاعدة يستند عليها الشعب الفلسطيني. كما شرحت سالفا، ارتكزت السياسة الفلسطينية على منطلقات غريبة لا يمكن أن تدخل ضمن التحليل المنطقي للدفاع عن مصلحة الأمة والشعب.
عمل ثالوث المال والإعلام والتكتيك على إضفاء تغطية على السياسات السالفة الذكر مما جعلها تنجح وليجد الشعب الفلسطيني نفسه في النهاية خالي الوفاض ينادي بضرورة القبول بالأمر الواقع ويتساءل عن البديل. لقد أصيب الشعب بهزائم ونكسات كثيرة (طالما وصفتها القيادة بأنها انتصارات) مما جعله فريسة للإحباط، ووجد نفسه في النهاية وحيدا محشورا في زاوية لا يستطيع معها إلا القبول بما يمنح له. وبالرغم من ذلك صورت له القيادة ذلك على أنه إنجاز عظيم يستحق الاحتفالات وإقامة المهرجانات. وهناك من بين الشعب الفلسطيني عدد لا بأس به ما زال يرقص لاستقلال لم يحصل ولدولة لم تقم.
بدأ تكتيك القيادة الفلسطينية مع أواخر الستينات عندما تحدث مسؤولون فلسطينيون عن عدم إمكانية نجاح الحل العسكري ضد إسرائيل. (راجع كتاب أبو إياد فلسطيني بلا هوية). ثم تدرج نحو طرح مبدأ الدولة العلمانية في بداية السبعينات التي تضم أصحاب كل الديانات في فلسطين. بعدها جاء طرح السلطة الفلسطينية الذي تحدث عن التحرير على مراحل وأن منظمة التحرير مستعدة لإقامة دولة فلسطينية على أي جزء من فلسطين يتم تحريره. وفي العام 1974 دخلت منظمة التحرير الحلبة الديبلوماسية العالمية بقوة، وطرحت على الولايات المتحدة بصورة غير مباشرة استعدادها للقبول بإسرائيل على أن يتم الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير. وفي العام 1977 قررت قيادة المنظمة السير قدما نحو البحث عن حل سلمي للقضية الفلسطينية وعينها على تلبية الشروط الأمريكية التي أعلنها كيسنجر عام 1975 وهي: الاعتراف بإسرائيل، والاعتراف بقراري مجلس الأمن 242 و 338، وإلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني ونبذ الإرهاب.
وجدت قيادة المنظمة فرصة تاريخية للوصول إلى حل سلمي عامي 1977 و 1978 إثر زيارة السادات لإسرائيل وتوقيع اتفاقيتي كامب ديفيد، لكن الشعب الفلسطيني لم يكن مستعدا في ذلك الوقت للقبول بهذا الحل، وسارع أهل الضفة الغربية وقطاع غزة إلى عقد مؤتمر جماهيري في حرم جامعة النجاح الوطنية عام 1978 أعلنوا فيه موقفهم الرافض لاتفاقية كامب ديفيد. لم تكن القيادة مرتاحة لما جرى، وحدث خلاف بين عرفات وبعض قيادات الأرض المحتلة حول الموضوع مثل بسام الشكعة، لكنها اضطرت أن تقبل بالوضع نتيجة الرفض الشعبي.
انتقلت القيادة الفلسطينية خطوة أخرى بعيدا عن الميثاق الوطني الفلسطيني عند خروجها من بيروت عام 1982 حيث أنها وافقت على الطرح الأمريكي الذي قضى عندئذ باقامة حكم ذاتي فلسطيني في بعض الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967 بقيادة المنظمة. وعززت هذه الخطوة عام 1983 بفك الطوق عن النظام المصري الذي كان مقاطعا من قبل الدول العربية بسبب اتفاقية الصلح مع إسرائيل. أما عام 1985 فقام التكتيك الفلسطيني بنبذ الإرهاب حيث أعلن ياسر عرفات في القاهرة عن نبذه للإرهاب. وتطورت الأمور عام 1988 عندما اتخذت القيادة قرارا في المجلس الوطني الفلسطيني يعترف بقراري مجلس الأمن 242 و 338 وبحق دول المنطقة في العيش بسلام. وبعد شهر من اتخاذ القرار وقف عرفات أمام وسائل الإعلام العالمية معلنا قبوله بالشروط الأمريكية الثلاث.
لم يتوقف التكتيك عند هذا الحد، بل هبط السقف الفلسطيني المعلن ليصل إلى حكم ذاتي تسميه القيادة الفلسطينية الآن دولة وتسمي رئيسه رئيس دولة فلسطين.
تدرج التكتيك الفلسطيني مع تدرج الإحباط الفلسطيني والهزائم التي مني بها عبر الزمن بقيادة منظمة التحرير. مع كل إحباط كان يظهر مجال أمام القيادة للقيام بتنازل جديد، وكان يجد الشعب الفلسطيني من خلال طوابير المستفيدين من أموال المنظمة التبرير لهذا التنازل. وقد استشرت بسبب ذلك على الساحة الفلسطينية ظاهرة العقلية التبريرية بحيث لم يعد هناك مجال للبحث علميا في الظواهر أو التطورات، واعتمدت التفسيرات على عبقرية القيادة وحسن قيادتها وإخلاصها المطلق لقضية الشعب. فالتنازل كان متناسبا مع درجة الإحباط، وإذا ظهرت حاجة لعمل تنازل كان لا بد من إسباقه بعمل يعود على الشعب بالإحباط. وقد ظهر هذا جليا وواضحا أثناء الانتفاضة التي انقلبت لتكون عبئا ثقيلا على الشعب. ومع تطور الأمور لم يعد السؤال حول سقف المتطلبات الفلسطينية قائما، وإنما تمحور حول الأرضية النهائية التي يقف عندها التنازل.
السقف الإسرائيلي
حتى نفهم سياسة طرف في معادلة صراع، من المهم التعرف على سياسة الطرف الآخر. ما الذي طرحه الجانب الإسرائيلي عبر الزمن وما هو الموقف الذي أصر عليه؟
أعلنت إسرائيل عقب حرب عام 1967 موقفا أصرت عليه على مدى السنين. قالت أن أي حل للمشكلة القائمة في المنطقة لا يأتي إلا من خلال مفاوضات ثنائية مباشرة بين إسرائيل والدول العربية. على الرغم من القرارات الدولية والوساطات والمحاولات العديدة والكثيرة للوصول إلى حل بين العرب وإسرائيل، وعلى الرغم من قرار مجلس الأمن الغامض 242 إلا أن إسرائيل ثبتت عند موقفها المعلن، وأصرت على أنه إذا أراد العرب أن يحصلوا على شيء من المكاسب التي حققتها إسرائيل بالحرب فان عليهم الجلوس على طاولة المفاوضات الثنائية المباشرة. قالت للعرب أن طاولة المفاوضات هي وحدها التي تقرر الحلول المقبولة للطرفين. لا الاتحاد السوفييتي ولا الولايات المتحدة ولا أي دولة أخرى تستطيع فرض حل على المنطقة، وأن على دول المنطقة أن تقرر ما يناسبها.
كانت إسرائيل معنية بحرب بينها وبين العرب منذ بداية الخمسينات وذلك لتلقنهم درسا قاسيا ولتفرض حلا ينتهي باتفاقيات سلام بينها وبين كل دولة عربية على حدة. ملأ العرب الدنيا بالخطابات الحماسية التي تتحدث عن تحرير فلسطين وتوعدوا وتهددوا الكيان الصهيوني حتى بات النصر العسكري حلم الشارع العربي. حسب إسرائيل، ملأ القادة العرب شعوبهم بالأوهام والأكاذيب حتى باتت تلك الشعوب تتأهب للقفز على إسرائيل بضربة ساحقة ماحقة. هذا بحد ذاته شكل مشكلة بالنسبة لإسرائيل لأن التعبئة الشعبية حتى لو قامت على أوهام وأسس واهية لا بد أن تبني مواقف شعبية يمكن أن يستمر تأثيرها وقتا طويلا مما ينعكس سلبا على المصلحة الإسرائيلية. أي أن سياسة الكذب التي اعتمدها القادة العرب تحدث مفعولا يمكّن الأجيال من حمل الكراهية لإسرائيل والتفكير دائما في البحث عن وسائل لإلحاق الهزيمة بها. ولهذا اعتقد بن غوريون ومعه عدد من قادة الكيان الصهيوني أنه من الأفضل لإسرائيل أن تدخل في حرب ضد العرب حتى يقف الشعب العربي على الحقيقة ويعرف العرب أن زعماءهم يحاولون خلق صور كاذبة. حتى أن بن غوريون كان على استعداد لأن يدفع مبلغا ضخما من المال لأي زعيم عربي يدخل الحرب ضد إسرائيل. أي كان لديه الاستعداد لاستئجار محارب وهمي.
كانت تأمل إسرائيل أن يفهم الشعب العربي المعادلة وأن يسهل ذلك على القادة العرب الدخول في مفاوضات مع إسرائيل والوصول إلى معاهدات صلح تهيء الأجواء لدمج إسرائيل في المنطقة على مختلف الصعد. من الممكن أن تسهل الهزيمة على القادة العرب التوقف عن الخطابات الرنانة والكذب والاستسلام للحقيقة المرة وهي أن إسرائيل هي الأقوى والأقدر.
كانت هناك فرصة أمام إسرائيل عام 1956 إلا أن ظروف الحرب لم تكن مواتية. فالحرب لم تكن إسرائيلية وإنما ثلاثية، ولم تستطع تحقيق أهدافها بسبب الظروف الدولية التي كانت سائدة.
حرب عام 1967 كانت الفرصة التاريخية أمام إسرائيل لإركاع العرب. أدرك القادة العرب حقيقة الأمر لكن الهوة بينهم وبين رغبة الشعوب في استقبال الهزيمة بقيت كبيرة وواسعة. لكن إسرائيل لم تكن جاهزة لتفهم مشاعر الشارع العربي وأصرت على موقفها المعلن من المفاوضات المباشرة. لكن كان من الضروري أن تتوالى هزائم العرب حتى يفهم الشعب العربي والشعب الفلسطيني أن إسرائيل حقيقة صارخة لا يمكن إلحاق الهزيمة بها، وأن أمن المنطقة وسلامها ورخاءها الاقتصادي لا يمكن أن يتحقق بغيابها واستمرار إقصائها عن نشاطات المنطقة.
أي أن هناك سقفا إسرائيليا واضحا يتلخص في الإصرار على مفاوضات ثنائية مباشرة تفضي إلى اتفاقيات سلام ثنائية. وأهم ما في هذا السقف هو أن كل طرف عربي يجب أن يعرف مسبقا أن لإسرائيل متطلبات أمنية عليه أن يفي بها. أي أن معاهدات السلام تعني أن يكون القادة العرب حراسا على أمن إسرائيل وأن يسخروا جيوشهم وقدراتهم العسكرية لهذا الغرض. وإسرائيل ترحب بكل طرف عربي يرغب في التعامل إيجابيا مع متطلباتها، أي يرغب في خفض سقفه إلى حد الوصول إلى الأرضية الإسرائيلية.
بخصوص الأراضي الفلسطينية بالتحديد، رغبت إسرائيل بالوصول إلى حل مع الأردن عقب الحرب مباشرة وطرحت من خلال وزير خارجيتها آلون ومن خلال برنامج حزب العمل حلا تحتفظ بموجبه بمنطقة الأغوار واللطرون كمنطقتين أمنيتين، وبالقدس كعاصمة لدولة إسرائيل. رفض الفلسطينيون هذا الحل مما جعل الملك حسين مترددا في قبوله. هذا علما أن الأرض المحتلة عام 1967 كانت شبه خالية من المستوطنات في ذلك الوقت. في عام 1973، طرحت جولدا مئير رئيسة وزراء إسرائيل حينئذ فكرة الحكم الذاتي، لكنها لم تجد تجاوبا خاصة أن الشعب الفلسطيني كان مأخوذا بالثورة في ذلك الوقت وآملا بأن يتم تحرير فلسطين جميعها. أما عام 1977 طرح مناحيم بيغن، رئيس وزراء إسرائيل، مشروعا جديا للحكم الذاتي في الضفة الغربية وغزة عرض فيه إقامة مجلس فلسطيني منتخب وتشكيل قوة شرطة كبيرة مسلحة بأسلحة شخصية، واختار بيت لحم لتكون عاصمة لهذا الحكم. لكن المشروع رفض من قبل قيادة المنظمة، ولم يكن الشعب جاهزا لقبوله.
حاول مناحيم ميلسون، رئيس الإدارة المدنية في الضفة الغربية، إقامة حكم ذاتي من طرف واحد عام 1981. حاول جاهدا تشكيل مجلس فلسطيني يتولى الشؤون المدنية لكنه فشل ووقفت المنظمة بشدة ضد توجهاته والتي كانت تعتمد في الأساس على تشكيل مجلس فلسطيني من سكان الضفة الغربية. وقد أقام ميلسون روابط القرى العميلة لإسرائيل لتكون مؤسسة تعمل على تنفيذ السياسات الإسرائيلية. حاولت إسرائيل جاهدة إنجاح الفكرة على أمل أن تقيم من خلالها حكما ذاتيا فلسطينيا تحت السيادة الإسرائيلية. لم تكن إسرائيل مرتاحة لاستمرار الاحتلال بطريقة مباشرة على السكان لما في ذلك من إثقال أمني وإداري على كاهلها ومن سوء سمعة على الساحة الدولية من حيث أن الاحتلال يتناقض مع ما تتغنى به من قيم ديموقراطية ومن حرية الشعوب في تقرير مصيرها. ولهذا رأت أن تمارس الاحتلال من خلال الشعب الفلسطيني نفسه. تتيح لها فكرة الحكم الذاتي التخلص من إدارة الشؤون المدنية للفلسطينيين، وتتخلص من خلالها من وصمة تلاحقها على الساحة الدولية، وتمنحها حق مواصلة السيطرة على الأرض الفلسطينية وإعطاء الفلسطينيين المساحة الجغرافية التي تتناسب مع الأهداف الإسرائيلية وتسد حاجتهم اللازمة للتمدد السكني مستقبلا.
لكن الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية لم يتجاوب مع روابط القرى على الرغم من الضغوطات المختلفة والمتعددة التي مارستها إسرائيل. ورفضت منظمة التحرير الفكرة وحذرت كل من كان يتجاوب معها. وقد لقي يوسف الخطيب من منطقة رام الله مصرعه بسبب اتهامه بالتجاوب مع الروابط.
لكن طرح الحكم الذاتي قُبل، كما أشرت سابقا، بصورة غير معلنة عام 1982 أثناء محاولات فيليب حبيب، المبعوث الأمريكي، للوصول إلى خروج آمن للقوات الفلسطينية من بيروت. لم يعلن هذا القبول، وما زال الشعب الفلسطيني على غير معرفة مما تم في بيروت. على أية حال، لم يكن الشعب ليقبل بهذا الطرح عندئذ خاصة أنه ظن وما زال يظن أنه انتصر في بيروت إلى درجة أن المقاتلين الفلسطينيين خرجوا من بيروت وهم يرفعون أصابعهم بإشارات النصر.
أما من ناحية منظمة التحرير الفلسطينية، فقد كانت تعلن إسرائيل باستمرار أنها لن تتفاوض معها ولن تعترف بها. لكنها في نفس الوقت فتحت قنوات اتصال سرية معها، وشملت القنوات الحزبين الكبيرين: العمل والليكود. بدأت الاتصالات منذ زمن طويل على الرغم من أنها أصبحت معروفة لدى الدوائر المطلعة مع بداية الثمانينات. ويذهب البعض إلى القول أن الاتصالات القيادية قد تمت في أواخر الستينات. هذا وقد كنت أحد الذين طُلب منهم مقابلة شمعون بيرس عام 1982 باسم منظمة التحرير ولكنني رفضت. وعلى كل، تشير إعلانات رفض إسرائيل لمنظمة التحرير إلى عدم جدية وأنها لم تكن بالحقيقة مبدأية بقدر ما كانت جزءا من أهداف سياسية تكتيكية. التنديد بالمنظمة من قبل إسرائيل كان ساخنا، والحملة الإعلامية ضدها كانت عنيفة، لكن الاتصالات بينهما كانت قائمة في داخل الأرض المحتلة وخارجها، لماذا؟ هل كان الهدف من الحملة الدعائية هو الإبقاء على شعبية منظمة التحرير في صفوف الشعب الفلسطيني؟ وهل كانت منظمة التحرير تتجه نحو السقف الإسرائيلي مما تطلب بذل الجهود الديبلوماسية للتسريع من خطى المنظمة نحو هذا الهدف؟
في هذا الصدد أذكر نقاشا دار بين المعتقلين في إحدى الليالي في معتقل النقب في جنوب فلسطين. تجمع عدد من المعتقلين وكنت من بينهم وناقشوا مستقبل العلاقة الإسرائيلية مع منظمة التحرير. قال بعضنا عندئذ أن قيادة منظمة التحرير ستصل إلى حل مع إسرائيل وستقوم باعتقال فلسطينيين، وبعضنا بالغ قليلا وقال أن إسرائيل ستؤجر معتقل النقب لمنظمة التحرير عندما تسلمها الشؤون الفلسطينية. كان ذلك مع الأشهر الأولى للانتفاضة عام 1988، وقبل أن يحدث أي تغيير في ميزان القوى العالمي وقبل أن تندلع حرب الخليج. احتج شباب حركة فتح على ذلك النقاش واعتبروه مغرضا وعدوانيا ويعبر عن كراهية غير مبررة لقيادة منظمة التحرير الفلسطينية. لكن النقاش لم يدر حسب هذه الروحية وإنما بناء على رؤية مستقبلية لسياسات قائمة وتأخذ مجراها بهدوء وتواصل. وقد صدق المجلس الوطني الفلسطيني النقاش عندما أعلن عن قراراته المشار إليها عام 1988. عبر ذلك النقاش عن إحساس وعن تحليل قائم على استقراء بأن المنظمة كانت تسير قدما نحو القبول بالسقف الإسرائيلي وأنها تعمل تدريجيا على التخلي عن المتطلبات أو السقف الفلسطيني.
هذا وسيكشف التاريخ عن حقائق أعتقد أنها ستكون مذهلة حول اللقاءات السرية التي كانت تتم بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، وأشد ما أخشاه أن بعض تلك اللقاءات كانت بهدف التنسيق وليس التفاوض. النتيجة، على أية حال، ظهرت للعيان وهي اتفاقية أوسلو.