اتفاق أوسلو
تتميز اتفاقية أوسلو بصورة عامة بمنح الفلسطينيين حكما ذاتيا في بعض الأراضي المحتلة عام 1967، دون أن يكون لهم أي سيادة. تعطي الاتفاقية الفلسطينيين حق إدارة شؤونهم اليومية مثل التعليم والصحة والمواصلات والشؤون الاجتماعية، الخ، وتضع خطوطا عريضة لأسس التعامل بين سلطة الحكم الذاتي والاحتلال الإسرائيلي، وتؤجل البت في القضايا الحاسمة في الصراع مثل اللاجئين والقدس والمستوطنات. وفيما يلي مناقشة مختصرة للاتفاقية.
ديباجة الاتفاق
تنص ديباجة الاتفاق على أن الفريق الفلسطيني المفاوض والذي لم يفقد صفته التمثيلية والموضوعة بين قوسين (في الوفد الأردني-الفلسطيني إلى مؤتمر السلام في الشرق الاوسط ) (لوفد الفلسطيني) ممثل للشعب الفلسطيني. هذا النص يختلف عما جاء في رسالة رابين من اعتراف بالمنظمة من حيث أن إسرائيل، من الناحية الرسمية والقانونية، رفضت أن يكون الفريق المفاوض ممثلا لمنظمة التحرير. على الرغم من أن منظمة التحرير هي التي كانت تفاوض من الناحية العملية إلا أن اعترافا إسرائيليا بذلك لم يصدر، والنص الحالي في إعلان المبادىء يشكل مخرجا قانونيا لإسرائيل للتنصل من مشاركة المنظمة في المفاوضات فيما إذا دعت ضرورة للتنصل.أتت الديباجة بشىء جديد خاصة في النص وهو الاعتراف بالحقوق المشروعة والسياسية المتبادلة. هذا تطور جديد على الموقف الاسرائيلي الذي أصبح يعترف بحقوق مشروعة وسياسية للشعب الفلسطيني. كان الموقف الإسرائيلي تقليديا يتحدث عن الحقوق المدنية والدينية والإنسانية للفلسطينيين، وانتقل الآن ليصرح كتابة بالحقوق السياسية. هذا عبارة عن تطور عن تصريح بلفور الصادر عام 1917 والذي تجاهل الحقوق السياسية لمن أسماهم السكان غير اليهود0
لكن الديباجة لم تعط أي إشارة حول مفهوم هذه الحقوق المشروعة والسياسية أو المواضيع التي يمكن أن يشملها في نهاية الأمر.
مرجعية المفاوضات
تتحدث المادة الأولى عن أن هدف المفاوضات الإسرائيلية-الفلسطينية الدائرة حاليا هو إقامة سلطة حكومة ذاتية فلسطينية لمدة خمس سنوات كحد أقصى وتنتهي الى تسوية دائمة تقوم على أساس قراري مجلس الامن 242 و 0338 أي أن مرجعية الوضع النهائي تستند على هذين القرارين.
بنظرة سريعة على قراري مجلس الأمن 242 و 338 نلاحظ ما يلي :
أ- لا يأتي القراران على ذكر الشعب الفلسطيني وحقوقه بتاتا. حتى عندما يقول 242 اللاجئين لا يتبعها بالفلسطينيين.
ب- يؤكد 242 على أن الحل في الشرق الأوسط بين دول، وأن الاعتراف فقط شأن الدول وكذلك الأمن. الفلسطينيون ليسوا دولة ولا يشملهم القرار كأصحاب حق سياسي. المعنيون هنا هم الدول العربية وإسرائيل0
ت- لا ينص قرار 242 على الانسحاب من كل الأراضي المحتلة عام 1967، ويختار نص الانسحاب من أراض … ليترك المسألة خاضعة للتأويل والتفاوض. وفي هذا يناقض القرار المبدأ العام الموضوع في الديباجة والتي تؤكد عدم قبول مجلس الأمن بالاستيلاء على أراض بوساطة الحرب0
ث- يصر قرار مجلس الأمن على الاعتراف المتبادل بين الدول وضمان الأمن وحرية الملاحة في الممرات المائية، وضمان المناعة الإقليمية لكل دولة في المنطقة. هذه قضايا كلها لصالح إسرائيل لأنها هي التي تريد الاعتراف وهي التي تبحث عن الأمن والمناعة الإقليمية ولأن الممرات المائية بيد العرب.
ج_ القرار 338 يؤكد فقط على 242.
فما هي علاقة شعب فلسطين بهذين القرارين، ولماذا يطالب قادة منظمة التحرير وبإصرار أن يكون القراران مرجعية التفاوض؟ هذا علما أن التصريحات والبيانات الصادرة عن هؤلاء القادة التي تصف القبول بالقرارين عبارة عن خيانة وخيانة عظمى تملأ كتبا ومجلدات. هذا فضلا عن أن قرارات المجالس الوطنية الفلسطينية قبل عام 1988 قد رفضت هذين القرارين. أما مجلس عام 1988 فقد قبل القرارين جنبا الى جنب القرار 181 الصادر عن الجمعية العامة والذي ينص على إقامة دولة عربية على حوالي 44% من مساحة فلسطين الإنتدابية.
الانتخابـات
يتحدث الاتفاق عن انتخابات لتشكيل مجلس سلطة الحكومة الذاتية الانتقالية في مدة لا تتجاوز تسعة أشهر من دخول إعلان المبادىء حيز التنفيذ. وعلى هذا تُسجل الملاحظات التالية:
أ- قدمت إسرائيل تنازلا في هذا المجال حيث قبلت بأن تجري الانتخابات “تحت إشراف متفق عليه ومراقبة دولية. كانت تصر إسرائيل على أن تكون هي المشرفة على الانتخابات ولكن تنازلت إلى إجراء انتخابات يتم الاتفاق على مسألة الإشراف عليها. بالطبع هذه صيغة غير محددة لكنها على أية حال صيغة مختلفة عن الموقف الإسرائيلي الذي كان يرفض الإشراف غير الإسرائيلي. أما المراقبة الدولية فتبقى شكلية ما دامت تتم بموجب إشراف قد تم الاتفاق عليه. وهذا ما حصل فعلا إبان الانتخابات وقد كان المراقبون الدوليون شهاد زور.
ب- تم إخراج القدس من دائرة الانتخابات وسمح لسكانها بممارسة الانتخاب فقط، وذلك بموجب الملحق رقم (1) الذي نص على أن لفلسطينيي القدس أن يشاركوا في الانتخابات دون أن تكون القدس دائرة انتخابات فلسطينية وذلك تبعا لاتفاق بين الطرفين.
ت- عدم قدرة النازحين لعام 1967 المشاركة في الانتخابات لن تؤثر سلبيا على الوضع المستقبلي لهم. أي أن مسألة التفاوض حول حق هؤلاء بالعودة إلى وطنهم أو عدمه غير مرتبطة بمشاركتهم في الانتخابات أو عدمها. وهنا يظهر بوضوح إخراج اللاجئين لعام 1948 من دائرة البحث.
الولاية الجغرافية
تتحدث المادة الرابعة من الاتفاق على أن ولاية مجلس سلطة الحكومة الانتقالية ستشمل الضفة الغربية وقطاع غزة باستثناء القضايا التي سيتم التفاوض عليها في مفاوضات الوضع الدائم. هذا مبدأ عجيب لا يمكن الإمساك لا بأوله ولا بآخره. إنه غير واضح المعالم، غامض المعنى وينطوي على تفسيرات كثيرة. وقد أظهرت تجربة تطبيق الإتفاق عدم الوضوح ورجحان كفة التفسيرات الإسرائيلية.
الضفة الغربية ليست معرّفة بحدود أو مناطق جغرافية ولا قطاع غزة. ما هي الضفة الغربية وما هو قطاع غزة؟ يقول الفلسطينيون أنها الأراضي التي تم احتلالها عام 1967، بينما تقول إسرائيل أن القدس ليست ضفة غربية وكذلك الأغوار وربما طولكرم وقلقيلية وشريط القرى المحاذي لخط وقف إطلاق النار لعام 1948. وبعض الإسرائيليين يقولون أن الضفة الغربية عبارة عن مناطق سكانية فقط. وقد أثبت التنفيذ الفعلي للاتفاق أن الجغرافيا غامضة جدا إلى حد أن التطبيق يأخذ المسألة السكانية بعين الاعتبار وليس الجغرافيا. أي أن المساحة الجغرافية التي أعطيت تنفيذيا لسلطة الحكم الذاتي لم تعط كأرض وإنما كسكان يعيشون على أرض.
استثنى النص من الضفة الغربية والقطاع تلك القضايا التي سيتم التفاوض عليها في مفاوضات الوضع الدائم. ما هي هذه القضايا؟ إنها مذكورة في عدد من المواقع من الاتفاق. فمثلا ينص البند الثالث من المادة رقم (5)على أن هذه القضايا تشمل القدس واللاجئين والمستوطنات والترتيبات الأمنية والحدود …. أما المادة الرابعة من المحضر المتفق عليه فقد نصت على أن ولاية المجلس ستمتد على أرض الضفة الغربية وقطاع غزة باستثناء المسائل التي سيتم التفاوض عليها في مفاوضات الوضع الدائم وهي القدس والمستوطنات والمواقع العسكرية والاسرائيليين.
من الواضح أن طرح قضية الولاية الجغرافية لا يترافق مع طرح موضوع السيادة ولا حتى يترافق مع إمكانية طرح إقامة دولة فلسطينية على جدول أعمال المفاوضات بشأن الحل النهائي. هل ستكون الولاية على جزر سكانية أم على وطن حقيقي؟ وهل ستكون الولاية ذات صلاحيات ترقى الى مستوى السيادة أم ستبقى ضمن تشريعات محلية تنظم الحياة اليومية؟ لا يوجد في الطرح ما يُدخل في نفوس الفلسطينيين أي نوع من الطمأنينة، بل يقدم الاتفاق لهم هواجس واستفسارات وحيرة. فهل وقّعت المنظمة على أن تكون فلسطين جميعها وطنا قوميا لليهود ويبقى الفلسطينيون مجرد أقلية؟ أم أن هناك أمل بأن تكون إسرائيل حسنة النية فتمنحنا جزءا واسعا من الأراضي المحتلة نتصرف به كيفما نشاء؟ لا أظن أن الاعتماد على حسن النية يشكل أسلوبا جيدا في توقع نتائج مفاوضات.
الإنســـحاب
ينص الاتفاق على الإنسحاب من قطاع غزة ومنطقة أريحا. تقول المادة (5)على أن فترة السنوات الخمس الانتقالية تبدأ فور الإنسحاب من قطاع غزة ومنطقة أريحا. وتنص المادة (14) على أن تنسحب إسرائيل من قطاع غزة ومنطقة أريحا، كما هو مبين في البروتوكول المرفق في المحلق(2 ). ينص الملحق(2) على أن إسرائيل ستنفذ انسحابا مُجدْولا وبسرعة متصاعدة لقواتها العسكرية من قطاع غزة ومنطقة أريحا.
حتى الآن الاتفاق جميل ويوحي بانسحاب حقيقي للقوات الاسرائيلية. لكن الملحق رقم (2) يضيف بأن مسؤوليات السلطة الفلسطينية والتي سيتم الاتفاق عليها لا تشمل “الأمن الخارجي والمستوطنات، والإسرائيليين والعلاقات الخارجية ومسائل أخرى متفق عليها بشكل مشترك.” فإذا كان الأمن الخارجي سيبقى في يد إسرائيل وكذلك مسؤولية أمن المستوطنات والإسرائيليين الذين يتجولون في البلاد، فمن أين ستنسحب القوات الاسرائيلية؟ إذا كانت المستوطنات منتشرة في مختلف أنحاء البلاد، وإذا كان الإسرائيليون يتجولون في كل ركن وزاوية، وإذا كانت الحدود مع الأردن ومع مصر والبحر واسعة، فماذا بقي من الأرض حتى تنسحب القوات الإسرائيلية بصورة فعلية. فإذا قرر إسرائيلي أن يشتري غرضا من نابلس، فهل ستلحق به الدورية الإسرائيلية لحمايته؟ وإذا واجه شخص من الخليل مستوطنا في قريات أربع، فهل سيقوم جنود إسرائيل بملاحقته داخل مدينة الخليل؟ مضمون الاتفاق يقول نعم. وعلى أحسن الأحوال الأمر متروك للشرطة الفلسطينية، فإذا عجزت عن القيام بواجبها حيال حماية الإسرائيليين فإن قوات إسرائيل تتدخل. وهذا ما تشير اليه الفقرة هـ من البند 3 من الملحق (2). تنص الفقرة على إقامة لجنة تعاون وتنسيق فلسطينية-إسرائيلية مشتركة لأغراض الأمن المتبادل ….
الاتفاق لا يترك الأمر مبهما وتوضحه المادة(13). تتحدث المادة عن إعادة انتشار أو إعادة تموضع القوات الاسرائيلية. وإعادة الانتشار هذه مترافقة مع ما أسمته المادة 14 انسحابا. هذه المادة تفيد بأنه ليس هناك انسحابا حقيقيا من الأرض المحتلة وإنما حسب البند 2 منها عند إعادة موضعة قواتها العسكرية، ستسترشد إسرائيل بمبدأ وجوب إعادة تموضوع قواتها العسكرية خارج المناطق المأهولة بالسكان.
إذن ما هو سلطان الشرطة الفلسطينية في ظل هذا الوضع. تنص المادة(8) على أنه من أجل ضمان النظام العام والأمن الداخلي للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة سينشيء المجلس، مجلس سلطة الحكومة الانتقالية، قوة شرطة قوية. بمعنى أن وظيفتها تبقى في إطار محلي وبخصوص الحياة اليومية للسكان، أما إسرائيل فستستمر في الاضطلاع بمسؤولية الدفاع ضد التهديدات الخارجية وكذلك بمسؤولية الأمن الإجمالي للإسرائيليين بغرض حماية أمنهم الداخلي والنظام العام. أي أن المسألة الأمنية ستبقى بيد إسرائيل، أما الفسطينيون فيكونون مجرد أدوات بيد إسرائيل إذا تطلب الأمن الإجمالي والنظام العام ذلك. وقد بانت المسألة جليا في الملحق الثاني للمحضر المتفق عليه. ينص المحلق على أنه من المفهوم أنه لاحقا للإنسحاب الإسرائيلي، ستستمر إسرائيل في مسؤولياتها عن الأمن الخارجي وعن الأمن الداخلي والنظام العام للمستوطنات والإسرائيليين. ويمكن للقوات الإسرائيلية والمدنيين الإسرائيليين أن يستمروا في استخدام الطرقات بحرية داخل قطاع غزة ومنطقة أريحا.
أثبتت التجارب العملية أن الشرطة الفلسطينية بما فيها الأجهزة الأمنية تقوم بدور الحارس على أمن إسرائيل، وتعمل على ملاحقة الفلسطينيين الذين يحاولون القيام بأعمال ضد إسرائيل أو يقومون بها. إنها تقوم بالضبط بالدور الذي يقوم به جيش جنوب لبنان. لقد لاحقت أجهزة أمن السلطة المجاهدين واعتقلت عددا كبيرا منهم وعذبت عددا منهم، ومنهم من قتل في السجون الفلسطينية. وقد سلمت السلطة عددا لإسرائيل مثل حسن سلامة وأعضاء خلية صوريف. هذا وتستمر السلطة الفلسطينية بتزويد إسرائيل بالمعلومات الأمنية وتلقي التدريبات الاستخبارية على أيدي المخابرات الأمريكية والإسرائيلية. وقد أشاد الإسرائيليون مرارا وعلى رأسهم شمعون بيريس وبنيامين نتنياهو بالدور الأمني الذي تقوم به أجهزة السلطة لصالح إسرائيل.
أما في حال فشل السلطة في القيام بمهماتها فإن إسرائيل لا تتردد في دخول مناطق الحكم الذاتي. وقد دخلت القوات الإسرائيلية مناطق الحكم الذاتي في غزة دون إعلان ودخلت مدينة نابلس بإعلان. صحيح أن القوات الإسرائيلية خارج المناطق السكنية الفلسطينية لكن شبحها ما زال موجودا ويمكن أن يظهر في أي لحظة.
القــــدس
لا ذكر للقدس في الاتفاق إلا كموضوع سيتم نقاشه في مفاوضات الوضع الدائم. أما سكان القدس فقد سمح لهم، كما قلت، بالمشاركة في انتخابات مجلس سلطة الحكومة الذاتية. وكأننا بذلك قد قبلنا بفصل أهل القدس عن دائرتهم الانتخابية، ووضعناهم على الطريق نحو تبعية لدائرة انتخابية غير دائرتهم.
اللاجـــئون
لا يوجد في الاتفاق إطلاقا ما يشير إلى حق العودة لأحد سواء من فئة النازحين أو اللاجئين. لكن هناك إشارة إلى قدوم بعض الناس ممن تدربوا على أن يكونوا شرطة. تقول الفقرة (ج) من البند الثالث من الملحق الثاني أن قوة الشرطة ستشكل من ضباط الشرطة المجندين محليا ومن الخارج (حاملي جوازات السفر الأردنية والوثائق الفلسطينية الصادرة من مصر.) وتضيف المادة أن الذين سيشاركون في قوة الشرطة الفلسطينية القادمون من الخارج يجب أن يكونوا مدربين كشرطة وضباط شرطة. لقد بات واضحا أن اسرائيل ستسمح بقدوم بعض رجالات منظمة التحرير وذلك لتنفيذ الاتفاق، وبات واضحا أيضا أنها ستسمح بعودة عدة آلاف بناء على أسس تضعها هي، لكنها لن تسمح بعودة مئات الآلاف كما يحلو لبعض المسؤولين الفلسطينيين أن يصرحوا. والصورة تبدو الآن كالتالي:
أ- سمحت إسرائيل بعودة آلاف المبعدين وستسمح بعودة آخرين.
ب—ستسمح إسرائيل بعودة بعض من فقدوا حقهم بهوية الأرض المحتلة نظرا لانتهاء مدة تصاريحهم أو لكبر سنهم.
ت- ستسمح إسرائيل بلم شمل بعض العائلات وخاصة الحالات الملحة منها.
ث- ستسمح إسرائيل بعودة بعض قيادات المنظمة.
ج- لن تسمح إسرائيل بعودة اللاجئين لعام 1948.
ح- لن تسمح إسرائيل بعودة مئات الآلاف لأن ذلك يتناقض مع نظرية الأمن الإسرائيلي ومع نية إسرائيل بتحويل الفلسطينيين إلى جزر سكانية صغيرة.
اتفاق طابا
تلا اتفاق أوسلو اتفاق سمي باتفاق القاهرة والذي نظم العلاقة التفصيلية بين السلطة الفلسطينية في غزة وأريحا، لكنه نُسخ لصالح اتفاق طابا الذي ينظم العلاقة بعد توسيع دائرة إعادة انتشار القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية. استلهم اتفاق القاهرة وطابا تفصيلاتهما من اتفاق أوسلو الذي يشكل المبادىء الأساسية التي تحكم العلاقة بين منظمة التحرير وإسرائيل، وهو بالتالي يعتبر تفسيرا للاتفاق بهدف التطبيق على أرض الواقع. وحيث أن اتفاق القاهرة قد نسخ، فإنه تكفي الإشارة هنا إلى أهم ما ورد في اتفاق طابا.
المجلس
يقيم اتفاق طابا مجلسا فلسطينيا منتخبا مباشرة من قبل الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة بمن فيهم سكان القدس. والمجلس، حسب الاتفاق، بغرض تمكين الشعب الفلسطيني من حكم نفسه ديمقراطيا، وهو يمثل بداية في الاتجاه المؤدي إلى الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وحقوقهم العادلة وهي بالتالي ستؤدي إلى إنشاء مؤسسات فلسطينية ديمقراطية ((المادة الثانية، البند رقم 2). لكن لا يقول الاتفاق كيف ستقوم ديمقراطية في حال تقييد الشعب الف لسطيني باتفاقيات مع إسرائيل تنظم مختلف شؤونه بما فيها شرعية قرارات المجلس.
ينص الاتفاق على أنه سيكون للمجلس صلاحيات تشريعية وصلاحيات تنفيذية … والمجلس سيكون مسؤولا عن كل الصلاحيات التشريعية والتنفيذية لكل المسؤوليات التي ستنتقل إليه كما هو وارد في الاتفاقية. (المادة الثالثة، المادة 2) أي أن المجلس لا يملك الصلاحيات التشريعية، وإنما هي صلاحيات بدون أل التعريف ومحددة بتلك التي ستنقل إليه. ولهذا نص الاتفاق على أن قرارات السلطة التنفيذية للمجلس الفلسطيني يجب أن لا تتعارض مع هذه الاتفاقية. (المادة التاسعة، البند رقم 3) وقد حددت السلطات التشريعية للمجلس في المادة الثامنة عشرة، البند رقم 4 والذي ينص على أن التشريع بما يشمل تشريعات تعدل أو تلغي قوانين أو أوامر عسكرية قائمة أصلا خارج صلاحيات المجلس وتشريعات تتناقض مع هذه الاتفاقية تعتبر باطلة. وتحدد الاتفاقية أن أي تشريع لا يصبح ساري المفعول إلا بتوقيع رئيس السلطة التنفيذية، كما أن رئيس السلطة لن يوقع على أي تشريعات تتناقض مع هذه الاتفاقية. وحسب البند رقم 5 من نفس المادة تبلغ التشريعات إلى الجانب الإسرائيلي في اللجنة القانونية.
من الناحية العملية، تبين أن المجلس عبارة عن هيكل أكثر مما هو جوهر فاعل. اتضح من خلال عمل المجلس الذي تم انتخابه في شهر كانون ثاني//يناير، 1996 أنه لا يملك صلاحيات جدية، وأن رئيس السلطة يسيطر عليه سيطرة تامة ويتجاهل قراراته إلى حد بعيد. لكن أعضاء المجلس مارسوا نشاطا في مجال الوساطات والمحسوبيات وانتقاد سلوك دوائر سلطة الحكم الذاتي، وحاول بعضهم بدون نتيجة إيجابية حتى الآن أن يحولوا المجلس إلى سلطة تشريعية حقيقية.
الأفراد في الاتفاق
يتطرق الاتفاق إلى أفراد لهم مواقع خاصة، أو يمكن أن يكونوا جزءا من الاتفاقية مثل المتعاونين مع إسرائيل. يقول الاتفاق بخصوص هؤلاء أن المتعاونين من الفلسطينيين مع الإسرائيليين يجب أن لا يتعرضوا لأي أذى أو ملاحقة وستكون هناك خطوات مناسبة بهذا الخصوص. (المادة السادسة عشرة، البند رقم 2). أما بشأن الفلسطينيين الذين يعودون من الخارج وسبق لهم أن قاموا بأعمال ضد إسرائيل فيقول: الاتفاق أنهم حين عودتهم إلى الضفة الغربية وقطاع غزة لا يتعرضون لأي مساءلة من الجانب الإسرائيلي عن أعمال قاموا بها ضد إسرائيل قبل تاريخ 13/9/1993. (المادة السادسة عشرة، البند رقم 3)، أما بخصوص المجاهدين الفلسطينيين فيتفق الطرفان على ضرورة ملاحقتهم ومعاقبتهم. وهذه هي إحدى ركائز تحطيم النفسية الفلسطينية. المتعاون والعميل لهما الحرية وللمجاهد الفلسطيني السجن والتنكيل. لقد أصبح العميل صاحب شأن والمجاهد خاضعا للملاحقة والاعتقال والتعذيب. تنص المادة الخامسة عشرة، البند رقم 1 على أنه على كلا الطرفين أن يتخذا الخطوات الضرورية اللازمة من أجل وقف أي أعمال عدوانية ووقف أي شكل من أشكال الإرهاب والجرائم ضد أي شخص موجود في مناطق الطرف الآخر أو الاعتداء على أملاكه وأن تتخذ إجراءات قانونية بحق من يقوم بمثل هذه الأعمال.
الأرض
تقسّم اتفاقية طابا الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق هي
1 -منطقة أ والتي تشمل المناطق الآهلة بالسكان وتشكل حوالي 4 %من مساحة الضفة الغربية. ويتولى المجلس في هذه المنطقة صلاحيات الأمن الداخلي والنظام.
2-منطقة ب والتي تشمل القرى وتشكل حوالي 26% من مساحة الضفة الغربية. يتولى المجلس في هذه المنطقة مختلف الصلاحيات المدنية، أما الصلاحيات الأمنية فتبقى بيد إسرائيل.
3-منطقة ج والتي تشمل باقي مناطق الضفة الغربية وتشكل حوالي70% من المساحة. هذه مناطق غير مأهولة بالسكان مثل منطقة الأغوار، تمارس إسرائيل الصلاحيات المدنية والأمنية عليها، وهي معرفة بالاتفاق كالتالي: المنطقة ج مناطق في الضفة الغربية خارج المنطقة أ، ب، وباستثناء المسائل التي يتم التفاوض عليها في المفاوضات النهائية ستنقل إلى ولاية المجلس حسب ما ورد في هذه الاتفاقية. (المادة الحادية عشرة، البند رقم 3، ج).
على كل حال، هذه اتفاقية مؤقتة، وهي قابلة للتطوير من خلال تنفيذ مراحل إعادة الانتشار. وهي تبقى قائمة إلى حين التوصل إلى اتفاق دائم والذي سيضع حلولا لمواضيع مؤجلة وهي القدس والمستوطنات والمناطق العسكرية المحددة واللاجئين الفلسطينيين والحدود والعلاقات الخارجية.
نتائج اتفاق أوسلو على الساحة الفلسطينية
لاتفاق أوسلو نتائج كثيرة منها الرئيسة ومنها الفرعية، وجميعها لها تأثير على المجتمع الفلسطيني داخل البلاد وخارجها، وعلى علاقات الفلسطينيين الداخلية والخارجية. الاتفاق يفرض نفسه على مجمل العلاقات، وعلى التركيبة الذهنية والعاطفية للفلسطيني على المستويين الشخصي والعام، ولا بد أن تتطور الأوضاع لتؤثر على التركيبة الاجتماعية والاقتصادية أيضا. لا نستطيع هنا تغطية كل التحولات القائمة والتقلبات المتوقعة مستقبلا، وسأقصر الحديث فقط على مواضيع محورية لها وزن كبير في تحديد ما هو قائم، ولها دور في تحديد الأوضاع المستقبلية، ويمكن تلخيصها فيما يلي:
أولا: استلام إدارة الشؤون اليومية للسكان
يعتبر استلام السلطة الفلسطينية إدارة الشؤون اليومية للسكان تطورا جوهريا على الساحة الفلسطينية، ولا شك أنه تطور أراح قليلا التوتر النفسي لدى الفلسطينيين الذي كان ناجما عن التعامل الرسمي مع جنود الاحتلال. هناك تذمر في الشارع الفلسطيني بصورة عامة من الفساد الإداري الفلسطيني والذي يتميز باستغلال السلطة والوساطات والمحسوبيات، وهناك تذمر من الفوضى الإدارية وأعباء الرسوم المالية التي تفرض على المعاملات، لكنه بصورة عامة يستطيع الفلسطيني الآن أن يجادل من أجل حقه الشخصي أو أن يجد وساطة تحل له مشكلة شخصية. هناك نوع من الاسترخاء النفسي في المدن الفلسطينية على الرغم من عدم الارتياح في نواحي مادية مثل الضرائب والرسوم. سأعود إلى مسألة الفساد.
أما من ناحية أخرى، فمن الواضح أن رجالات السلطة يكررون تجربة المنظمة في الأردن ولبنان. إنهم يتصرفون بكثير من العنجهية خاصة أنهم حصلوا على سيارات جديدة وهواتف خلوية وعلى مكانة اجتماعية مميزة لدى جزء ليس بسيطا من الشعب الفلسطيني في الوسط الشرقي وغزة. ذات التصرفات التي دعت الشعب اللبناني والشعب الأردني، وربما الشعب التونسي إلى التساؤل حول ثورية الثورة الفلسطينينية تتكرر في رام الله ونابلس وغزة وغيرها من المدن الفلسطينية. وقد عزز هذه التصرفات نوعية التربية التي تعرض لها الشعب الفلسطيني عبر الزمن والتي لا تعتمد البحث في جوهر الأمور وإنما تعتمد التبعية والشعارات الرنانة. لقد تصرف جزء كبير من الشعب بطريقة أوهمت رجالات السلطة بأنهم عظماء يصنعون تاريخا مشرفا، ويستحقون المقام الفوقي الذي وضعوا أنفسهم فيه.: فلسطين تشهد ذات التصرفات التي كانت أحد الأسباب الهامة في نشوب قتال بين قوات منظمة التحرير وبين قوات عربية دفع ثمنها الشعب الفلسطيني وشعوب عربية أخرى.
على أية حال، يعتبر استلام الفلسطينيين للشؤون المدنية إنجازا إسرائيليا عملت إسرائيل على تحقيقه منذ عام 1967. فمنذ مشروع آلون في أواخر الستينات وإسرائيل تطرح على الأردن تارة وعلى الفلسطينيين تارة أخرى إدارة شؤون السكان اليومية في الأرض المحتلة. لم تكن إسرائيل مهتمة بادارة الشؤون اليومية للسكان واعتبرت قيامها بذلك همّا يجب التخلص منه لأنه يؤدي إلى احتكاك مباشر ويومي بين السكان والاحتلال ولأنه يشغلها بقضايا لا تعنيها. وقد رأت أن حكما ذاتيا يديره العرب أو الفلسطينيون يريحها من هذا الهم ويبعدها عن المراكز السكانية الفلسطينية، ويمحو عنها صورة الدولة المحتلة التي تسيء لها على مستوى العالم. أي أن الحكم الذاتي ،كما أشرت سابقا، يريحها من همومها دون أن تتنازل عن السيادة على الأرض. وهو مجرد إدارة عربية ضمن السيادة الإسرائيلية مع اعتراف عربي باحتياجات إسرائيل الأمنية.
ثانيا: القيام بالأعمال القمعية
ورثت السلطة الفلسطينية عن إسرائيل أعمال القمع الموجه ضد الفلسطينيين مثل ملاحقة الناس واقتحام البيوت ومنع التعبير عن الرأي وإغلاق الجرائد، وإطلاق النار على الجماهير وزج المجاهدين في المعتقلات. أنشأت القيادة بعد قدومها إلى فلسطين عددا من الأجهزة الأمنية يفوق عدد الأجهزة الأمنية في الدول المجاورة وتقوم بوظائف أساسية ثلاث: تتمثل الأولى في ملاحقة الفلسطينيين والمحافظة على أمن إسرائيل تطبيقا للاتفاقيات، وتتمثل الثانية في تحييد هذه الأجهزة بعضها لبعض من خلال المنافسات فيما بين القائمين عليها والخصومات حتى يبقى رئيس السلطة سيدها والحكم بينها. ليس سرا أن هذه الأجهزة قد اشتبكت فيما بينها بالرصاص في غزة وأريحا ونابلس وغيرها وسقط من بينها الجرحى. أما الوظيفة الثالثة فتتعلق بقضايا الأمن المدني مثل ملاحقة اللصوص وفض المنازعات المدنية بين الناس، الخ.
زرعت السلطة الفلسطينية بين الناس أجهزة أمنية عديدة إلى درجة أن الشعب الفلسطيني أخذ يطور سلوكيات جديدة في الآونة الأخيرة شبيهة بتلك السائدة في البلاد العربية. وتطورت في فلسطين المحتلة/6ثقافة الحيطان لها آذان المنتشرة عند العرب عامة. وتمشيا مع هذا الإرهاب، أقامت السلطة الفلسطينية محكمة أمن الدولة والتي تعبر عن التجسيد الحقيقي للاحتلال في مفهومها وممارساتها. هذه المحكمة لا تخالف القواعد المعترف بها دوليا فقط، وإنما تخالف أيضا مبادىء الاتفاقيات مع إسرائيل. فمثلا تدعو المادة((14) من اتفاق القاهرة أن “تمارس إسرائيل والسلطة الفلسطينية سلطاتهما ومسؤولياتهما بموجب هذا الاتفاق آخذين بعين الاعتبار المعايير والمبادىء المقبولة دوليا لحقوق الإنسان وسيادة القانون.”. ونصت المادة السادسة على أن السلطة الفلسطينية تتولى مسؤولية القضاء من خلال سلطة قضائية مستقلة. محكمة أمن الدولة لا تلتزم بالقواعد المعترف بها دوليا ولا هي مستقلة. أي أن إجراءات سلطة الحكم الذاتي أكثر جورا مما طلبت إسرائيل، وإسرائيل لا تتدخل ما دام الظالم والمظلوم فلسطينيين.
أصرت إسرائيل منذ عام 1967 أن تسلم مسؤولية الحكم الذاتي لعملاء فلسطينيين يكونون أوفياء في المحافظة على أمنها ومصالحها. وقد عارضت المنظمة هذا الطرح واصفة كل من يقبل به أنه عميل وخائن ويستحق التصفية. إذا كان الأمر كذلك فعلا فلماذا سلمت إسرائيل قيادة الحكم الذاتي للمنظمة؟ لقد اتضح أن المنظمة أكثر فاعلية في تنفيذ المطالب الإسراائيلية لأنها تنفذها تحت ستار وطني وبتأييد عدد كبير من الفلسطينيين. هل كان بإمكان روابط القرى، فيما لو استلمت الحكم الذاتي، أن تمارس الممارسات القمعية التي تقوم بها السلطة الفلسطينية؟ بالطبع لا. كان من المتوقع أن يشعر رئيس روابط القرى بالحرج إذا تحدث عن اعتقال فلسطينيين، وكان من الممكن أن يسمع عبارات التخوين والعمالة بأذنيه، لكن المسؤولين في السلطة الفلسطينية يتحدثون عن التعاون الأمني مع إسرائيل دون أن تظهر على وجوههم علامات الخجل أو الحرج.
يتمشى هذا الوضع مع وضع التسيب الأمني الذي كان سائدا في صفوف منظمة التحرير الفلسطينية والفصائل المختلفة والذي أدى إلى مصرع الكثير من الفلسطينيين على أيدي الإسرائيليين. قاد التسيب إلى إحباط فلسطيني وهزائم، ويتسم الوضع الحالي باختراق صفوف السكان وقمعهم. قُتل أبناء فلسطين في السابق ببيانات عسكرية صنعت انتصارات وهمية، ويُقمعون الآن بشعارات وطنية حول “الإنجازات” التي تقول منظمة التحرير أنها حققتها. يختلف الأسلوبان والنتيجة واحدة.
ثالثا: التواكل الاقتصادي
لقمة خبز الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة الآن تأتي في الغالب من إسرائيل والدول المانحة. صحيح أن هناك بعض الأشغال في الأرض المحتلة/67، لكن الناس يتحولون إلى يتامى منهكين إذا أغلقت إسرائيل أبواب العمل وقررت الدول المانحة ألا تمنح. الشعب الفلسطيني معرض للعقاب بالجوع في كل وقت وحاجته الأساسية معرضة للضغط في كل وقت يرى عدوه أن ذلك مناسبا. أما السلطة فتستعمل هذا الوضع لخدمة أغراضها في الترويج للاتفاقيات مع إسرائيل إذ أنها تذكر الناس دائما أن احترام الاتفاقيات والابتعاد عن الأعمال التي تغضب إسرائيل يسهل عليهم العمل في إسرائيل ويشجع الدول المانحة على تقديم المزيد من الأموال. ومن أجل المصلحة العامة، تقول السلطة، لا بد من ملاحقة المناهضين للاتفاق وقمعهم. إنه ضغط اقتصادي واعتماد على الغير من أجل ضمان أمن إسرائيل.
تلتقي هذه المرحلة تماما مع المرحلة التي سبقت الاتفاق مع إسرائيل من حيث أنها لم تكن مرحلة بناء إقتصادي وإنما مرحلة شراء ذمم. لقد تُرك الشعب الفلسطيني قبل الاتفاق يبحث عن لقمة العيش في إسرائيل، والآن تستعمل السلطة الفلسطينية العمل في إسرائيل كورقة ضغط على الشعب الفلسطيني. واضح أن المراحل تتكامل وأنها تتميز بنهج واحد حتى لو اختلفت لغة الوصف من مرحلة إلى أخرى.
رابعا: صهينة المفاهيم
حدثت تغييرات جوهرية في القاموس النضالي الفلسطيني منذ التوقيع على الاتفاقيات. أصبح من السهل أن يصف فلسطيني عملية عسكرية ضد أهداف إسرائيلية بأنها إرهابية، وينعت الذين يقومون بها بالإرهابيين. ودخلت تعبيرات أخرى أصبحت متداولة مثل التعايش والاعتدال والتطرف. المطلوب من الفلسطيني الآن أن يقلب التاريخ، وأن يتنكر لكل ما درسه وقرأه وآمن به وناضل من أجله، وأن يحتضن مقولات صهيونية ويبحث عن تبريرات لها ومساحيق تجميلية.
بدأ قلب المفاهيم بالمسؤولين في سلطة الحكم الذاتي وهم يعملون جاهدين على تعميم ما بدأوه. بدأ المسؤولون بنوع من الخجل، لكنهم سرعان ما نفضوه عن وجوههم وهم يتحدثون الآن بثقة واعتزاز. فاذا قارن أحد بين حديث اللواء أنطوان لحد، قائد جيش جنوب لبنان، وحديث مسؤول في السلطة الفلسطينية لما وجد اختلافا. يتحدث الطرفان عن رفاهية الشعب سواء في لبنان أو في فلسطين وسعيهما للعيش بأمان واطمئنان لما يحقق مصلحة الجماهير. ويتحدثان عن محاربة الإرهاب والإرهابيين كمتطلب أساسي لحل مشاكل الشعب والمحافظة على إنجازاته. وفي النهاية يعمل الطرفان على صهينة العقل العربي بما فيه مصلحة إسرائيل.
صهينة العقل العربي هي أفضل وسائل التطبيع لأنها تعمل على قلب المفاهيم والأفكار ولا تقتصر على مجرد إجراءات إدارية واقتصادية. إنها عبارة عن عملية تربوية تقلب شخصية الإنسان وتحوله عن جذوره وتراثه وتاريخه ودينه ومعتقداته لصالح طرف آخر يسعى للهيمنة عليه. وقد استفادت هذه الصهينة من تربية الشعارات والتبعية التي اعتمدتها منظمة التحرير الفلسطينية قبل الاتفاقيات، والتي تركت الفلسطيني عرضة للتأثر السريع بالتقلبات نتيجة عدم قدرته على فهم التطورات وربطها بعضها ببعض واستخلاص نتائج مستقلة.
خامسا: التحول العشائري
حتى يكتمل الطوق لا بد من استكمال عملية التحول العشائري التي بدأتها منظمة التحرير مبكرا وشددت عليها في بداية الثمانينات. فإسرائيل والغرب عامة يرتاحان للتعامل مع القبائل العربية لما تبديه من مرونة ورغبة في التفاهم لقاء تحقيق المصالح القبلية. القبائل هي التي أوثقت عهدها مع الاستعمار ورسخت أقدامه في الوطن العربي مما كرس التجزئة العربية وسهل استغلال الثروات وطوع العرب عبر هزائمهم المنكرة لإملاءات الغرب. في فلسطين، كانت القيادات العائلية قيادات فلسطين قبل عام 1948، وقد أثبتت قدرتها على استقطاب الجماهير من خلال الخطابات والمهرجانات والوعودات وعلى بيع الأراضي لليهود سرا. هذا نمط قيادي مريح ويسهل التعامل معه على طاولة المفاوضات التي تتميز بمطالب عربية ينظر فيها صاحب السيادة.
من المهم، حتى تضيع فلسطين بطريقة سلسة، أن تُشن الحرب على مظاهر الحداثة وحرية العقل وذلك من خلال إعادة الفلسطيني إلى عقليته القبلية سواء جسدها في قبيلة تقليدية أو في قبيلة فصائلية تصر على تبعيته. لقد نجحت منظمة التحرير بإعادة العائلات إلى الصدارة، ونجحت السلطة في غرس القيم القبلية بصورة أكثر تجذرا من خلال أوراق المناصب وما يصاحبها من جاه وإمكانية الحصول على مال. النجاح واضح على صفحات الجرائد الفلسطينية التي تبرز التهاني والتبريكات العائلية، وكان واضحا إبان الانتخابات للمجلس الفلسطيني أن الجذور العائلية وأماكن السكن دورا بارزا في تحديد النتائج.
العقلية القبلية هي عقلية متخلفة تتغذى على الفكر الحر وعلى الدين الذي يحكم بين الناس بالعدل. وإذا كانت هناك حماية للاتفاق مع إسرائيل فان التخلف يشكل أفضلها وأكثرها جدوى. لا يوجد بالنسبة لإسرائيل ما هو أفضل من عقلية تخدمها وهي تظن أنها منتصرة. لا شك أن إسرائيل قوية عسكريا الآن بالمقارنة مع العرب، لكن تفوقها العسكري يبقى مهددا إن لم يتلازم معه تخلف عربي. التخلف في الأنظمة العربية والحكومات يكفل محاربة الظواهر الإيجابية في الوطن العربي على مختلف الصعد وفي كافة المجالات. قوة العسكر ليست دائمة ولا هي مضمونة. إنها قوة تتضمن الريبة والشك وتخضع للتقلبات، لكنها تكون في وضع أفضل إذا طور الطرف المقابل عادات وتقاليد تجعل مجال التنافس العسكري محصورا أو غير موجود.
الحاضر امتداد الماضي
قالت منظمة التحرير الفلسطينية في بحر تبريرها للمفاوضات ومن ثم الاتفاق مع إسرائيل أن ذلك يعود إلى انهيار الاتحاد السوفييتي نصير القضية الفلسطينية وهزيمة العراق الذي كان قوة عربية كبيرة يحسب حسابها. من الواضح أن هذا التبرير هو مجرد تبرير لإقناع الناس بما يجري، لكنه ليس حقيقيا. عملت المنظمة منذ سنوات طويلة على البحث عن حل سلمي للقضية الفلسطينية، وقد اتخذت السياسات المختلفة التي من شأنها زج الفلسطيني رويدا رويدا إلى زاوية من الإحباط الشديد الذي يضطره إلى القبول بأي حل. لقد نجحت تلك السياسات، ووجد الفلسطيني نفسه خالي الوفاض لا يلوي على شيء. وجد نفسه بدون قدرة عسكرية أو اقتصاد جيد أو مؤيدين عرب سواء على المستوى الشعبي أو الرسمي أو حتى معنويات يرجى منها خير. الانتفاضة لم تسلم من الفساد والإفساد وأقنعت العديد من الناس أن زوال الملثمين من الشارع الفلسطيني أو عدم ظهور الدورية العسكرية في شوارع المدن والقرى يشكل حلا مقبولا للقضية الفلسطينية.
المنطق السليم يقول أن من يفشل يترك موقعه ويسلمه لمن هو أقدر منه، أو لمن لديه طاقة على التجديد. فشلت القيادة الفلسطينية في كل موقع، ونكثت بكل ما وعدت به الشعب، وبالرغم من ذلك بقيت تتربع على الكرسي وتعمل على خلق التبريرات لما جرى عبر السنوات حتى تحولت الهزائم إلى انتصارات. أقامت هذه القيادة أجهزة مختلفة في منظمة التحرير، لكنها في الغالب كانت أجهزة تبعية يدور أشخاصها وأداؤها حول عرفات. لم تنشىء المنظمة محكمة لمحاكمة المتجاوزين والفاشلين، حتى أن المنظمة لم تعمد إلى تقييم تطورات الأوضاع إلا خلف أبواب مغلقة دون أن يسمع الشعب الفلسطيني يوما عن استخلاص عبر أو تصحيح مسار. شباب قتلوا بلا ثمن، ومجازر حصلت ضد الشعب، وانتهاكات أخلاقية خطيرة اقترفت، ولم يسمع الشعب عن حساب أو عقاب. حتى أن الضباط الذين هربوا من ساحة المعركة في لبنان عام 1982 لم يحاسبوا وإنما كوفئوا.
إذا لم يكن الفاشل مستعدا للتخلي عن موقع المسؤولية، فأين هم الثوار الذين تأبى ثوريتهم الانسياق خلف فاشل؟ لماذا طأطأ المناضلون الفلسطينيون رؤوسهم وقبلوا بما هو قائم من اعوجاجات وبما هو حاصل من تقصيرات؟ الجواب بالطبع عند من يملك المال الذي استطاع أن يطوع من حوله. من رفض المال وفضل الإبقاء على نقائه كان في مقدمة المقاتلين ولقي مصيره مبكرا. أما من قبل كان عليه أن يقبل التطورات ويوافق عليها حتى لو همس ضدها سرا. من بين شعب فلسطين من يعرف مناضلا قديما ويسمع منه همسا حول الوضع القائم. القول السائد يتلخص في أن هذه المرحلة سيئة جدا وهي تطور لنهج واضح في قيادة المنظمة، لكن ليس في الإمكان فعل شيء خاصة أن المعيشة ستتعرض لخطر في حال مناهضة القيادة. ومن السهل أن تجد هؤلاء الذين يتحدثون همسا بهذه الأفكار يدافعون بحرارة عن سياسة المنظمة في العلن. لقد حُشروا في زاوية يعرفون فيها أنهم يناقضون أنفسهم ولا ينقلون الحقيقة للشعب، لكنهم لا يريدون فقدان الامتيازات المادية التي يحصلون عليها.
السياسة التي لا تنطلق بالإنسان أخلاقيا ولا تطلق العنان للتفكير الحر والأخذ بزمام المبادرة ولا تزرع الثقة بالنفس وتحمل المسؤولية لا بد إلا أن تنتهي إلى انهيار. النتائج لها مقدمات، والحصاد من طبيعة ما يُزرع. ما زرعته منظمة التحرير على مدى السنين حصدته في المرحلة القائمة حاليا.
فما وصلنا إليه ليس منفصلا عن الماضي، إنما هو نتيجته وتطوره المنطقي. وما يجري الآن من سياسات فلسطينية لا يشذ عن سياسات الماضي، وإنما يتكامل معها ويعبر عن انسيابية سياسية تنبع من عقل يعي ما يفعل. فهل كان اتفاق أوسلو حتمية؟ نعم لقد كان حسب مقاييس سياسة منظمة التحرير. سياسة من هذا القبيل لا تنجب إلا مولودا كأوسلو.