ياسر عرفات
لماذا سارت السياسة الفلسطينية على هذا النحو على مدى سنوات طويلة؟ ألم يكن هناك عقل جماعي يعمل على المراقبة ورصد الأخطاء وتصحيحها؟ أم أن مجمل القيادات الفلسطينية سارت كالدهماء لا تستطيع أن تلحظ خطأ أو أن تعطي التطورات لحظة تفكر وتعقل؟ أم أن القيادات استغرقت في أمور أبعدتها عن الحصافة وأبسط قواعد الذكاء؟ للإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها لا بد من البحث في أداء القائد الأول وهو ياسر عرفات، فقد يكون في ذلك مفتاح لوضوح الأمور.
لن أخوض هنا بتطور حياة عرفات الشخصية من حيث أن ذلك لا يعنينا كثيرا في هذا الكتاب، فضلا عن أن عددا من الكتاب قد كتبوا بهذا الشأن مثل الكاتب الإنكليزي كيرنان في كتابه المعنون بالإنكليزية ياسر عرفات. لكني أركز هنا على قيادة عرفات لمنظمة التحرير الفلسطينية والشعب الفلسطيني والتي صبغت المسيرة الفلسطينية ووضعت بصماتها النافذة على تطور القضية الفلسطينية. ومن الممكن، بعد التعرف على أسلوب عرفات في القيادة، أن نقول أن تطور القضية الفلسطينية كان عبارة عن نمط عرفات في اتخاذ القرار. وفهم مختلف الأساليب القيادية داخل منظمة التحرير لا يتأتى إلا من خلال فهم أساليب عرفات في رسم السياسة واتخاذ القرار.
تربع ياسر عرفات على رئاسة حركة فتح ومنظمة التحرير لفترة طويلة تتعدى السنوات الثلاثين، وقد بقي طوال هذه الفترة الشخصية المركزية الوحيدة التي تستطيع الحشد واتخاذ القرار والسيطرة. ظهرت بجانبه شخصيات هامة أخرى، لكنها بقيت متقزمة أمامه غير قادرة على تكبيل حريته في المناورة والاستقطاب والتأثير، وبقي دورها هامشيا لا يقوى على الحركة إلا ضمن ما يخططه من سياسات. فقد ظهر إلى جانب عرفات يوسف عرابي إلا أنه قتل في ظروف غامضة، وظهر أبو علي إياد إلا أنه استشهد في معارك الأحراش في الأردن عام 1971. وظهر كذلك أبو إياد إلا أنه أزيح عن الموقع القيادي الثاني ليبقى قياديا بلا قيادة. أما أبو جهاد فلم يكن طارحا نفسه كمصحح للمسار الفلسطيني كلما بدت عليه علامات الخلل. وعلى أية حال، تم اغتياله من قبل المخابرات الإسرائيلة. وظهرت قيادات فلسطينية عدة تميزت بقدراتها الفكرية أو العسكرية لكنها لم تستطع أن تندفع إلى مركز القيادة الأول مثل جورج حبش وأحمد جبريل وسعيد موسى.
عبر السنوات، برزت لدى عرفات الصفات القيادية التالية:
أولا: الصلابة
ياسر عرفات رجل صلب صعب المراس قوي الشكيمة ويتمتع بقدرة عالية على الصبر والتصميم. إنه صاحب إرادة قوية يصعب أن تهتز أو تلين أمام قسوة الحدث أو بطش الخصوم وجبروتهم ومؤامراتهم. إنه لا يلين أمام قسوة الظروف أو هول الأحداث أو ظلمة المستقبل، بل يشق طريقه بعنفوان وقوة تاركا خلفه الخصوم ومؤامراتهم ومختلف محاولاتهم للتأثير عليه أو مصادرة قراره. فلا يرهبه الرصاص ولا انفجارات القنابل ولا هدير الدبابات ولا بيانات الأحزاب أو تهجماتها وتشويهها له ولسياساته.من الصعب جدا أن تحفر الأحداث في نفسيته الألم أو تقوده إلى الضعف والهوان، ولا تثنيه عما صمم عليه أو ارتأى في قرارة نفسه أنه الصواب. يصعب أن تهتز إرادته على العمل ومواصلة الطريق التي يراها مناسبة، أو أن يغير مسار تفكيره نحو الخلف.
إنه يتمتع بعزيمة قوية ولا يأبه بمن خلفه وبما يمكن أن يتم بعد أن يترك المكان.
ثانيا: القدرة على المناورة
يتمتع ياسر عرفات بقدرة فريدة على المناورة والمراوغة والخداع. إنه بارع في الالتفاف والتمويه والتعمية وزرع الشكوك والظنون والتملص والانفلات. لقد قضى أغلب وقته فيما يسميه هو التكتيك، أي البحث عن الوسائل والأساليب والآليات التي تخرجه من المآزق إلى بر الأمان، أو جر الآخرين إلى مآزق يصعب عليهم الانفلات منها سالمين. إنه مناور فذ يستطيع تسيير أموره من يوم إلى يوم بالكثير من السلاسة.
وهو في قدرته هذه يعتمد على أنماط بارزة منها:
أ- الاستعداد المستمر لعدم قول الصدق بطريقة يصعب معها تكذيبه. إنه ماهر في مراوغة الحقيقة والالتفاف عليها وماهر في تجنب الصدق أو ذكر الحقائق كما هي. عدم قول الصدق عبارة عن عادة بالنسبة له إلى درجة أنه أصبح ثابتا حياتيا أو حقيقة يعبر عن فلسفة في العمل. قول الحقيقة عبارة عن كشف للأوراق مما يعني الهبوط إلى موقف ضعيف. بالنسبة له، هذا نمط يجب استعماله ضد الأصدقاء والأعداء على حد سواء. لكنه استعمله ضد الشعب الفلسطيني أكثر من أية جهة أخرى بسبب وجود الإمكانيات الاستخبارية لدى الآخرين ومن السهل أن يكتشفوا الأمور.
ب- الاستعداد للمجاملات التي يحبها العرب بصورة عامة. إنه حاذق في استعمال المعسول من الكلام الممزوج مسبقا بحرارة القبل والأخذ بالأحضان. إنه يحاول أن يأخذ نده أو من يقابله من الأقوياء وأصحاب الرأي بحرارة اللقاء ودفء المعاملة وحلاوة اللسان قبل أن يتحدث بموضوعه. وقد مكنه هذا الأسلوب من الاستمرار في المناورة والسير عبر الأسلاك الشائكة دون أن يصاب بصورة جارحة أو مؤذية.
نجح أسلوبه هذا بشكل كبير مع القادة العرب الذين يتميزون بعقد نفسية لها علاقة بالشعور بالنقص. يحسن عرفات المديح، أو حسب المتعارف عليه شعبيا النفخ في الرأس والإطراء وإعطاء محدثه الانطباع بأنه يحوز على ثقة مطلقة وتقدير عميق. فشل هذا الأسلوب إلى حد كبير مع الرئيس السوري حافظ الأسد. وفي إطرائه لا ينسى عرفات أن يعرج على التاريخ والمصير المشترك والدور التاريخي الذي يقوم به الزعيم المعني.
ج- الاستعداد المستمر للتخلي عن مشاعر العزة والرغبة في المحافظة على الكرامة. العزة والكرامة تقودان إلى التشنج أحيانا والإصرار على قيم ومبادىء. إنه لا يحب التمسك بقيم محددة ولا بمبادىء قد تضفي عليه صفة الإيمان أو الثبات أو قد تقوده إلى الغضب وقطع شعرة معاوية مع الآخرين. وهو مستعد أن يهادن الإهانات وألا تثور أعصابه بسببها، وأن يتظاهر بأنه لم يحصل أي شيء ينال من كرامته أو يمس شخصه.
تعرض عرفات مرارا للنيل منه شخصيا في الوطن العربي من قبل زعماء عرب، إلا أنه كان مستعدا لامتصاص الأمور والعودة ثانية إلى مصدر النّيل. وقد نيل منه من قبل الإسرائيليين لكنه لم تثر أعصابه. ومن أبرز ما استطاع تحمله هو خلعه للكوفية الفلسطينية عندما دخل تل أبيب لتعزية أرملة إسحق رابين. وقد منعه الإسرائيليون من السفر بطائرته متجولا في الضفة الغربية بعض الأحيان لكنه لم ينبس ببنت شفة.
لكن هذه الصفة لا يتصف بها عندما يتعلق الأمر بفلسطينيين. لديه الاستعداد أن يقتل إذا تعرض لنوع من المس من قبل فلسطيني أو فيما إذا حاول أن يتحدى سلطته أو زعامته.
ثالثا: حب السيطرة
ياسر عرفات مغرم بالسيطرة على الآخرين. إنه صاحب نمط فوقي أبوي لا يحب أن يسمع آراء معارضة أو انتقادات. إنه يفضل أن تبقى الخيوط جميعها بيده دون منافسة. وقد أبدى في سياسته الداخلية قدرة عجيبة على الإمساك بالأمور ومراقبة مختلف الشؤون والتصرفات سواء على مستوى الأشخاص أو المؤسسات الفلسطينية. وفي سبيل هذا اتبع عددا من السياسات منها:
أ- توريط المعاونين:
عمل عرفات على توريط معاونيه بمسائل لا يستطيعون معها التمرد عليه أو الإفلات من قبضته. وقد استخدم عرفات سلاح المال بفعالية للجم معاونيه وكبح أي محاولة من قبل أي منهم للاعتراض على سياسته، واستغل إلى حد كبير دناءة النفس التي تجر المرء للتنازل عن قناعاته من أجل المال. لقد عمل دائما أن تكون يده اليد العليا وأن تبقى أيدي معاونيه يدا سفلى. ولم يكن المال المستخدم في هذا المجال على شكل رواتب أو مستحقات أو أجور وإنما كان فوق ذلك. لقد كان نعمة من عرفات مباشرة بهدف تحسين أحوال الشخص أو تدبير أموره .
عرفات يحب أن يطلب معاونوه منه المال، ويكاد لا يخذل أحدا. إنه سرعان ما يصرف الأموال اللازمة والتي تدخل في سجل المصروفات لتبقى شاهدا على أن الشخص المعني قد حصل على مال لا يستحقه ولم يقم مقابله بأي جهد. وإذا لم يسْع المعاون أو المقرب إلى الحصول على مال لا يستحقه فإن ذلك يثير استغراب عرفات، وقد يلجأ إلى استشارة المعني أو تحفيزه بطريقة أو بأخرى لطلب المال. أي أنه يجب على المعاون أن يتورط بشيء ما حتى لو كان بفضيحة أخلاقية.
عرفات لا يحب بتاتا من لا يتمتعون بدناءة النفس من حيث أن أعزاء النفس يحافظون على قدرتهم على المعارضة وإبداء الرأي. أعزاء النفس لا تنكسر عيونهم ولا يدينون لأحد بشيء. إنهم أناس لا يعجبونه ويفضل التخلص منهم إما بالتصفية أو الطرد أو النقل إلى مهمة بعيدة عن مركز اتخاذ القرار أو أي وسيلة أخرى.
احتفظ عرفات بسجلات خاصة بكل المساعدين المباشرين له وبكل من ارتقى في السلم التنظيمي أو في مؤسسات منظمة التحرير، وحفظ تماما كل عمل مخجل قام به كل واحد منهم. ولهذا يتلذذ في الاجتماعات عندما يبدي أحدهم معارضة أو يختلف معه في الرأي. إنه سرعان ما يذكره بفعلته أو بالمال الذي قبضه مباشرة بتوقيع منه. إنه لا يتوانى في فضح الشخص أمام حشد من الناس بوسائل مختلفة. فمثلا قد يفضح شخصا في اجتماع عام بسؤاله فيما إذا أراد مزيدا من المال بالإضافة إلى المبلغ الذي صُرف له قبل مدة من الزمن. أو من الممكن أن يقول للشخص أنه يعتذر عن عدم تمكنه من صرف الصك وأن الرصيد ستتم تغطيته في القريب العاجل.
وقد استعمل عرفات هذا الأسلوب مع أعضاء بارزين في الفصائل الفلسطينية المختلفة، واستطاع بذلك أن يجعل معارضتهم شكلية بهدف إبراز الوجه الديموقراطي لأسلوبه القيادي. اعتمد قياديون بارزون عليه في تغطية نفقاتهم وهو يعرف تماما كيف يلجم معارضتهم في الوقت المناسب. وقد كان من الواضح عبر السنوات أن قيادات فلسطينية في منظمة التحرير وفي حركة فتح كانت تتخلى عن معارضتها لمشروع أو لفكرة ما عندما تجلس على طاولة الاجتماع مع عرفات. وبات من الواضح أن يد عرفات في حلوق هؤلاء القيادات وأنهم لا يقوون على المعارضة أو الاعتراض أو إبداء الرأي بقوة. كان يقدّر المرء أن مشروعا عرفاتيا لن ينجح لدى اللجنة التنفيذية أو اللجنة المركزية لحركة فتح بسبب ما كان يقوله الأعضاء والمعنيون قبل عقد جلسات اتخاذ القرار، لكنه كان يفاجأ أن عرفات ينجز ما يريد بموافقة من أعربوا عن معارضتهم. بالطبع لا يكمن الخلل هنا بالأسلوب القيادي فقط وإنما أيضا بالناس الذين من المفروض أن يتحملوا الأمانة الملقاة على عاتقهم.
ولهذا حرص عرفات على ألا يفلس يوما. كان دائما يحتفظ باحتياطي مالي يحافظ به على قيادته وقدرته على اتخاذ القرار بدون منافسة أوتحديات جدية. كانت تقع مؤسسات منظمة التحرير في مأزق مالي، وكذلك حركة فتح بين الحين والآخر، أما هو فلم يكن يسمح بأن تقوده الظروف إلى مآزق. وقد كان بإمكانه أن يتدبر أمره المالي ويجد من يقدم له الدعم. وهذا يرتبط بالفكرة التي طرحت سابقا من أن منظمة التحرير، على الرغم من أنها وصفت بالإرهابية، إلا أنها لم تكن شحيحة المال كما كانت مختلف الثورات العالمية. وربما كان المقصود ألا يفلس عرفات وليس منظمة التحرير.
ب- الأسلوب الفهلوي في القيادة:
لا يتمتع عرفات بنمط قيادي بارع أو حكيم ولا يملك القدرة المعرفية أو العملية على ذلك. فمن الواضح أن عرفات ضعيف جدا من الناحية الفكرية، حتى أنه ضعيف جدا في اللغة العربية. قدرته على تركيب جمل مفيدة محدودة، ولا يملك طاقة على موازنة كلماته نحويا. وإذا لم تكن الكلمة مكتوبة فإنه يصعب عليه أن يرتجل كلاما مترابطا متوازنا يعطي معنى دقيقا. حتى أنه يقع في أخطاء لفظية ونحوية عندما يقرأ كلمات مكتوبة.
ضعف اللغة العربية لديه يعبر بوضوح عن ضعف الفكرة لديه. فهو ليس بالمفكر ولا بصاحب رؤيا واضحة للأمور، ويبدو أنه لا يهتم بتثقيف نفسه ولا يجبر نفسه على القراءة ورفع مستوى الحصيلة المعرفية لديه. اللغة عادة مقياس للفكر. كلما ارتقى المستوى الفكري للشخص انعكس ذلك على قدرته اللغوية فبدا فصيحا متمكنا وانسيابيا في حديثه وتصريحاته ومناقشاته.
ولهذا اعتمد منذ بدايات قيادته على الأسلوب الفهلوي الذي من شأنه أن يعتمد الحيل والردود السريعة المتهربة من الموضوع والشعارات الفضفاضة ومحاولة السخرية من الجدية. وهو يستعين بيديه إلى درجة كبيرة لتهييج مستمعيه خاصة من عامة الناس وبتكرار عبارات وجمل لا تحمل الكثير من المعنى لكنها تهيج العواطف والأحاسيس. وقد وجد هذا الأسلوب صدى في مجتمع ما زال ينساق إلى حد كبير عاطفيا ولا يصر على التفكير العلمي والتحليل الموضوعي للأمور. لقد استطاع عبر السنين أن يوهم الكثيرين بقدراته واستطاع بذلك أن يستقطب تأييدا جماهيريا.
رفع عرفات شعار ثورة حتى النصر حتى النصر حتى النصر. ورفع شعار يا جبل ما يهزك ريح و القرار الوطني الفلسطيني المستقل و جنرالات الحجارة ، الخ. كلها شعارات واهية لكنها ذات وقع في نفوس من يريدون أن يظنوا أنهم يحققون انتصارات في زمن الهزيمة. ومع الشعارات لا يتردد عرفات في الحديث عن الانتصارت وإلحاق الهزائم بالأعداء. وكان يستطيع أن يقنع الكثيرين من العوام بأنه يسير من نصر إلى نصر، حتى أنه استطاع أن يقنع أتباعه بالانتصار أثناء الخروج من بيروت فرفعوا أصابعهم منفرجة على شكل 7 وأطلق الجنود المغادرون الرصاص في الهواء.
ولأنه غير قادر من الناحية الفكرية ولا يستطيع استخدام اللغة لخوض نقاشات فكرية متطورة يلجأ عادة إلى المهاترات الكلامية والسباب وتحقير الآخرين. إنه يستعمل ألفاظا لا تليق حتى بابن الشارع البسيط وينال من أمهات وأخوات الذين يصب غضبه عليهم. من الممكن أن يصف بعض محدثيه ومنهم معاونين له بالبغال أو البهائم أو أولاد الكلاب وغير ذلك. فاذا ناقشه أحد ولم يرُق له الحديث فانه يستطيع بسهولة أن يلجم محدثه. ومن الممكن، إذا وجد أن محدثه شجاعا ولا يقبل الإذلال، أن ينهي الحديث بطريقة أو بأخرى مثل التذرع باجتماع أو سفر.
لكن عرفات لا يستعمل هذه الأساليب مع من هم أقوى منه.
ت- استخدام وسائل الإعلام:
عرفات بارع في استخدام وسائل الإعلام للإبقاء على قيادته حية في نفوس أبناء الشعب الفلسطيني. إنه يجيد الانتقال من حدث إلى حدث، ويبدع في تجاوز أحداث ليصنع حدثا خاصا به، وهو حاذق في استقطاب وسائل الإعلام وفي البقاء في نشرة الأخبار وعلى شاشة التلفاز. وهنا لا يهمه العالم الخارجي الذي قد لا ينظر باحترام إلى حركاته الإعلامية المختلفة، لكنه يهتم بالشعب الفلسطيني الذي يعتبر ركيزة في استمرار قيادته. فهو لا يرى أن الرأي العام الخارجي كفيل بمساعدته على البقاء على قمة الهرم السياسي الفلسطيني. لا ينفعل العالم الخارجي من مقابلات عرفات ولا يتفاعل مع حركاته الإعلامية. حتى أن بعض وسائل الإعلام كانت تجري معه مقابلات على الشاشة لكي تسبب أذى للقضية الفلسطينية. وهذا رأي ساد في الولايات المتحدة إذ كان العرب يرددون أن وسائل الإعلام الأمريكية كانت تجري مقابلات مع عرفات كلما أرادت الإساءة لقضية فلسطين. وقد سبق أن أجرى مذيع محطة ال CNN الأمريكية لقاء معه سأله فيه عن مصدر الأموال التي ينفقها هنا وهناك فكان الجواب أمام المجتمع الأمريكي أنه عمل في الكويت واستطاع أن يدخر المال الذي ينفق منه.
لكن هذا العالم الخارجي كما يبدو كان يدرك أن القيادة الفهلوية لا تقود شعبها إلى نصر ولم يكن ينظر إلى قيادة عرفات كمصدر قلق لإسرائيل أو الغرب، وبالتالي لم يتوانى الغرب خاصة في تقديم الدعم الإعلامي له ولو من خلال تصويره على أنه إرهابي. فالغرب يدرك تماما أن كيل التهم لقائد عربي يعزز من مكانته في صفوف شعبه وذلك من منطلق أن الغرب لا يذم عربيا إلا إذا كان مخلصا للقضايا العربية. حتى أن فرنسا سهلت لعرفات وسيلة إعلامية فعالة من خلال إذاعة مونت كارلو. وقد وصل الأمر إلى أن أحد مراسلي إذاعة مونت كارلو كان يتقاضى راتبه من عرفات مباشرة.
أما وسائل الإعلام المحلية فكانت بصورة عامة شديدة الولاء لياسر عرفات وكان بعضها يتلقى دعما ماليا مباشرا منه. كانت تشذ جريدة القدس عن هذا الوضع في فترة ما بحيث كانت تميل إلى وجهات النظر الأردنية، لكن عرفات استطاع أن يؤثر عليها ويغير من طريقة طرحها للأمور. وبالفعل حدث تغيير جوهري في جريدة القدس حتى بدت أكثر تأييدا لعرفات وسياساته من الجرائد التي تحصل على تمويل مباشر منه.
يحب عرفات أن يرى صوره على صفحات الجرائد ويحب أن يرى الناس يهتفون له ويصفونه بالرمز والقائد والمعلم. إنها متعة عظيمة بالنسبة له. وهو يمقت أن يرى صور غيره أو أن يتردد اسم شخص غيره في وسائل الإعلام. حتى أنه عبر ذات مرة عن استيائه عن استخدام صور أبو جهاد بعد استشهاده بصورة تطغى على صوره هو. لم يكن مرتاحا لظهور صور من أصبح من أهل القبور.
ث- القضاء السريع على قيادات بديلة:
على النمط العربي العام، عرفات ينظر إلى نفسه على أنه القائد الوحيد للشعب الفلسطيني والذي يجب أن يكون وحيدا. وهو لا يتحمل وجود منافسين لقيادته ويعمل دائما على تدميرهم بوسائل مختلفة. إنه يكره أن يرى منافسا من قيادات فصائل الحركة الوطنية الفلسطينية مثلما يكره وجود قيادات بارزة في حركة فتح. لقد عمل باستمرار على محاصرة الفصائل المختلفة ماديا، وعمل على فتح النار عليها سواء في الأردن أو في لبنان، وعمل دائما على شقها وشق الانشقاق داخلها. لقد شق الجبهة الشعبية وشق الديمقراطية وشق الجهاد الإسلامي والقيادة العامة وغيرها.
وفي داخل فتح، عمل على تغيير القيادات من خلال تغيير أدوارها أو من خلال التخلص منها لصالح قيادات أخرى. هذا فضلا عن عمليات التوريط التي انتهجها في سبيل الحد من خطر استقلالية الرأي. وفي داخل الأرض المحتلة، كان يعمل على إيجاد قيادات ثم يحرقها بعد عدة سنوات ليأتي بفوج جديد من القيادات في انتظار الحرق لصالح قيادات جديدة، وهكذا. إنه لا يطمئن لقيادات أو شخصيات خشية أن تنفذ إلى الشعب الفلسطيني وتأخذ الدور القيادي منه. وفي سبيل ذلك لم يكن عرفات يتورع عن انتهاج أساليب لا يمكن أن تكون أخلاقية بأي مقياس.
واضح أن عرفات يعاني من ضعف الثقة بالذات وأن علاجه لهذا الضعف كان يتم من خلال التآمر والانقضاض على مصادر الخطر قبل أن تكون بؤرة استقطاب على الساحة الفلسطينية. وربما يكون هذا هو السبب الأساس في تطويره المستمر لعقلية الخداع والمناورة عبر مراحل حياته المختلفة. ولعل في العودة إلى كتاب الكاتب الإنكليزي كيرنان المعنون ياسر عرفات ما يفيد في هذا المجال.
ومما يشير إلى ضعف ثقته بنفسه هو تعامله مع معاونيه والمقربين منه. فهو لا يستطيع في الغالب الخوض في جدل منطقي مستند على أسس علمية، فيلجأ، كما أشرت سابقا، للتغطية على ذلك إلى الكلام الحاد والعصبية واستعمال الكلمات البذيئة. وقد بات معاونوه يدركون ذلك إلا إذا شاء أحدهم أن يفقد موقعه.
عرفات لا يستطيع مواجهة المثقفين ولا يقوى على مقارعة الحجة بالحجة والدليل بالدليل. إنه يهرب من النقاش العلمي والمداولات المنطقية. فهو لا يجيدها ولا يستطيع أن يأخذ دورا فيها. ويفضل أن يتعامل مع أناس يلهثون وراء الجاه والمال. ويبدو أنه على وعي بهذه الصفة العربية ويستغلها بشكل فعال.
ج-عدم الرفاهية:
عرفات غير مرفّه بصورة عامة. لقد قضى حياته في الأماكن الصعبة ذات النزاعات والصراعات والتي تثير القلق وتوتر الأعصاب. عاش في الجبال والوديان وفي أماكن التوتر مثل بيروت وعمان، وقضى الكثير من وقته متنقلا من مكان إلى آخر عبر العالم. فهو ليس بصاحب قصور أو منتجعات ولا يعرف الإجازات وأماكن الاستجمام والراحة. وإذا كان له أن ينال من متع الحياة شيئا فإن ما يناله بمستوى محدود وبطريقة مستورة عن عامة الناس.
لكن عرفات لا يمانع في رفاهية، بل وتسيب، معاونيه، وهو مستعد لأن يغدق عليهم الأموال. غرق عدد من معاونيه في الملذات والملاهي في بيروت وغيرها. دون أن يحاسبهم أو يعمل على ردعهم أو نهيهم. بل ساعدهم على أعمالهم المشينة بالسكوت وإعطاء المزيد من المال. وعلى الرغم من سوء السمعة التي نجمت عن أفعالهم للقضية الفلسطينية إلا أنه لم يحاول أن يصحح المسار. وقد استمر هذا الوضع بعد قيام السلطة الفلسطينية إذ غرق كثيرون من أصحاب النفوذ في الملذات وهم يرتادون أماكن اللهو والترفيه في تل أبيب وغيرها. ومن المعروف أن هذه الأماكن تقود مرتاديها من العرب إلى السقوط في أيدي المخابرات الإسرائيلية.
- غياب التخطيط الاستراتيجي:
عرفات لا يملك رؤية ولا هو بصاحب فلسفة في الحياة ولا يحاول أن يخطط للمستقبل إلا فيما يخص زعامته. إنه لا يبني حركاته وتصرفاته بناء على خطط معدة مسبقا ذات أهداف واضحة، وإنما يعمل على تسيير الأمور يوما بيوم. المهم بالنسبة له هو أن يجتاز اليوم دون أن تلحق به الخسائر أو بأقل خسائر ممكنة، أو بربح قليل، لكن ليس المهم ماذا سيحدث غدا. فغدا، حسب تصرفاته، ستأتي ظروف جديدة تحتاج إلى ما يسميه بتكتيكات جديدة ( أي بمناورات وخدع جديدة). ولهذا وصفه معاونوه أحيانا بالمتكتك أو التكتكجي.
هذا ينسجم تماما مع ما ذُكر بداية حول إتقانه للمناورات والخدع.
ولهذا لم يعمل عرفات على أي بناء إستراتيجي على الساحة الفلسطينية. لقد أهمل القضايا التربوية والاقتصادية والعسكرية، الخ لصالح عبور مآزق اليوم على الساحة، وترك القضايا المختلفة التي تحتاج إلى تخطيط وبناء وفق خطط وأهداف محددة. وقد كان لهذا الإهمال أثر كبير على الساحة الفلسطينية بحيث أخذت الأمور تتدهور يوما بعد يوم وتتغذى على قدرات الشعب الفلسطيني وطاقاته الأخلاقية. فغياب التخطيط الاقتصادي دفع الناس إلى المزارع والمصانع الإسرائيلية، وغياب البرنامج التربوي أدى إلى الفوضى القيمية وإلى اكتساب تقاليد القائد في المناورات والمخادعات واعتبار أن كل عمل جائز ما دام يأتي على صاحبه بخير. فتطورت التجاوزات الأخلاقية والفوضى في الحياة العامة.
غياب التخطيط الاستراتيجي على الساحة كان ممزوجا بالأبعاد الشخصية التي تركز على وحدانية القائد وتسلطه القياديي. فبدل أن يعمل عرفات على إيجاد مجتمع فلسطيني متكاتف، عمل على تربية مرتزقة من خلال ما يملك من مال يعرفون الصحيح الذي يجب أن يكون وينفذون ما هو خطأ حسب قناعاتهم حرصا على مصالحهم الخاصة. وقد كان بالنسبة لعرفات كسب تأييد مجموعة من الناس لسياسته أفضل بكثير من بناء جامعة على أسس علمية. بل وكان دائما لديه الاستعداد لتخريب أي مؤسسة من أجل أن يبقى مؤيدوه مسيطرين عليها.
وإذا كان عرفات يخطط فإن تخطيطه لا يخرج عن ذاتيته. إنه يخطط في كيف يبقى قائدا وصاحب قرار، ويخطط في كيف يواجه خصومه من العرب والفلسطينيين، لكنه لم يخطط أبدا على مدى بعيد في كيف يواجه أعداء الشعب الفلسطيني ولا في كيف يحرر فلسطين. المصلحة العامة بقيت غائبة بالنسبة لتخطيطه، وإن حضرت فهي لم تكن سوى ملحقا بذاتيته.
مجمل الصفات التي يتميز بها عرفات تخلق الظروف المناسبة لاختراق صفوفه ومجالسه وحركاته. تركيزه على شخصه وعلى أن يحيط نفسه بمن يؤدون الولاء ولديهم الاستعداد للتورط أخلاقيا أو ماليا جعل منه شخصا مكشوفا أمام مختلف أجهزة المخابرات. فكل جهاز مخابرات له اهتمام بالقضية الفلسطينية والمقاومة استطاع أن يدخل إلى مكتب عرفات أو مكاتب المساعدين المقربين من خلال امتلاك المقومات الشخصية التي يحب عرفات أن يراها متوفرة في مساعديه. ولهذا لم يكن على الساحة الفلسطينية سر، وبقيت الأوضاع الفلسطينية كفا مكشوفا أمام عدد من أجهزة المخابرات.