الأرض المحتلة/67 بعد أوسلو

إذا كان القارىء في شك مما قرأ في الفصول السابقة فما عليه إلا أن يقرأ هذا الفصل ويقارن ما يأتي به مع ما يجري على أرض الواقع. الواقع العملي هو الذي يصدق القول أو يكذبه، وهو الذي يؤكد التحليل أو ينفيه، والأرض المحتلة/67 في هذه المرحلة التاريخية (وهي الأعوام التي شهدت قيام السلطة الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات بعد توقيع اتفاق أوسلو عام 1993) تشكل المقياس الحقيقي للأخلاق القيادية الواردة سالفا والامتحان الحقيقي لصحة التحليل الذي ميز الكتاب حتى الآن. وفي هذا يخاطب الكاتب عقل الإنسان ورغبته في القيام إلى الحقيقة ولا يخاطب مواقفه السياسية أو ما سلف منها. فالكتاب بالأساس لا يهدف إلى تعرية الأمور لتظهر على حقيقتها فحسب وإنما يهدف أيضا إلى المساهمة في بعث صحوة تقودنا إلى تغيير جذري في طريقة فهمنا للأمور وطريقة معالجة المشاكل والتغلب على الهموم.

إذا وجد القارىء أن الواقع قد كذب التحليل، وأن التحليل كان خيالا، وأن الكاتب لم يرق إلى مستوى الأمانة فليسجل أمام الناس أن كاتب هذا الكتاب حاول الاختلاق للتجني على منظمة التحرير وقياداتها.

قالت منظمة التحرير الفلسطينية للشعب الفلسطيني بعيد توقيعها على اتفاق أوسلو أن الاتفاق مع إسرائيل فتح الباب أمام إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس، وكذلك أمام عودة اللاجئين الفلسطينيين، وإزالة المستوطنات الإسرائيلية من الأرض المحتلة/67، وخروج المعتقلين الفلسطينيين من السجون الإسرائيلية، وكذلك أمام المساندة المالية الخارجية بحيث أن المليارات من الدولارات ستتدفق على الوسط الشرقي (الضفة الغربية) وساحل غزة بحيث ستكون الدولة الفلسطينية المقبلة هونغ كونغ المنطقة أو سنغافورة. بسبب هذه التوقعات وبناءً عليها دعت منظمة التحرير الفلسطينية الشعب الفلسطيني الخروج إلى الشوارع احتفالاً بالنصر الذي تم تحقيقه، وبهجة بقطف ثمار النضال الوطني.

خرج العديد من الناس، بخاصة المؤيدين للاتفاق مع إسرائيل، إلى الشوارع يحتفلون إما بعقد حلقات الدبكة أو برفع الأعلام أو بإطلاق العنان لسياراتهم في شوارع المدن . خرج الآلاف من الناس يهتفون للدولة الفتية ولقائدها ياسر عرفات ، وأخذ الخطباء ما يكفيهم من الوقت لدغدغة مشاعر الناس وأمانيهم . ولم يتعرض الاحتلال للناس ولم يمنع تجمعهم. لقد تركهم يفرحون بالطريقة التي رأوها مناسبة .

انتظر الناس تطور تطبيق الاتفاق، وانتظر الأهالي في غزة وأريحا الفرحة الكبرى الخاصة باعادة الإنتشار بفارغ الصبر آملين اللقاء بقائدهم وجنوده المظفرين. ومجرد أن دخلت طلائع القوات الفلسطينية إلى غزة وأريحا تدفق آلاف الناس مبتهجين مرحين مرحبين بالقادمين بالقُبل والأحضان وإقامة الاحتفالات. وتزاحم الناس على التقاط الصور التذكارية بخاصة مع بندقية الكلاشينكوف. وتهافتوا على تقديم العون والمساعدة لأبطال التحرير سواء على مستوى التموين الغذائي أو الأثاث ، ولم يبخلوا في إقامة موائد الطعام الفاخرة على شرفهم.

كثيرون هم الذين انتظروا إكمال خطوات إعادة الإنتشار في باقي مناطق الوسط الشرقي، وكثيرون هم الذين اتعبتهم المماطلات الإسرائيلية في التوصل الى اتفاقات تفصيلية حول إعادة الإنتشار. لكن الفرج بالنسبة لهم أتى مع اتفاقية طابا التي نصت على انسحاب الجيش الإسرائيلي من المدن الرئيسة وإعادة تموضعه في مناطق جديدة. وأعاد الإسرائيليون انتشارهم مع أواخر عام 1995م مما أتاح للناس المؤيدين للاتفاق مع إسرائيل الخروج إلى الشوارع محتفلين مبتهجين. وقد تجمع الناس بأعداد لا بأس بها بحيث بلغ عدد المحتفلين في مدينة نابلس حوالي خمسين ألفا، بينما بلغ عددهم في طولكرم حوالي ثلاثين الفا.

لكن الفرحة لم تكتمل والوعودات التي أطلقتها منظمة التحرير ومن بعدها السلطة الفلسطينية لم تتحقق. دارت الأيام لتكشف للناس حقيقة الاتفاقات وأنهم جروا وراء الكثير من الأوهام والتمنيات، وأنهم وقعوا فريسة التضليل الإعلامي وأساليب التلاعب بالعواطف والأحاسيس. سرعان ما ظهر للناس أن الاحتلال لم يغادر البلاد، وأن السلطة الفلسطينية لا تملك من الأمور الحساسة التي تخص الاستقلال شيئا، وأن المستوطنات باقية ومصادرة الأراضي مستمرة، وأن مليارات الدولارات لم تجعل كل واحد منهم ثريا. وسرعان ما وجدوا أيضا أن عددا من الذين تم الإحتفاء بقدومهم كمحررين يحاولون ابتزاز الناس ويعملون على تحقيق ثراء سريع وإقامة نفوذ تسلطي.

فوجيء العديد من الناس بتطورات الأمور وما تكشفت عنه من هزل فلسطيني وعناد إسرائيلي وفساد شمل مختلف مجالات الحياة الفلسطينية. فرح الناس بناءً على ظنٍ بأنه كان هناك ثورة فلسطينية وقادة ثورة عظماء لا يكذبون ولا ينافقون ولا يضللون. ظنوا عبر سنين أن رجالات الثورة أنقى الناس ولا يرقى إلى أخلاقياتهم أي شائبة ولا يمكن أن يكونوا موضع شك، فشعروا بنوع من الصدمة أن هؤلاء الرجالات لم يكونوا على مستوى الظنون أو التوقعات. شعر العديد من الناس بخيبة أمل شديدة وبرعب الحالة التي وجدوا أنفسهم فيها. ولم يكن يتصور عدد لا بأس به من الناس أن قائد ثورة يمكن أن يتسامح مع إقامة ملهى ليلي أو خمارة أو سرقة أموال الجمهور، ولم يخطر على بالهم أنه من الممكن لإسم ثوري لامع أن يسير في وساطات وحذلقات إجتماعية. أو أن يبحث عن شهوة جنسية، أو أن يشتري شيئا دون أن يدفع ثمنه، أو أن يبني بيتا دون أن يدفع أجور العمال.

أُصيب الناس بانتكاسة أضافت إلى إحباطهم وشعورهم بالحسرة والألم. بدا لهم مع الزمن أن السياسات الفلسطينية على أغلب الصعد تسير بطريق غير صحيح، وأخذوا يدركون أن المسألة لا تتعلق بأخطاء يمكن تصحيحها وإنما بمنهجية، إما أنها متعمدة وعن سابق إصرار أو أنها مفروضة على الذين يمارسونها. لتوضيح هذا أحاول أن أضع إصبعا على مختلف السياسات الفلسطينية التي تعبر عن طريقة أداء السلطة، لكن قبل ذلك من المهم الإشارة إلى مفهوم التعاون الأمني مع إسرائيل وانعكاسه على كيفية ترتيب اتفاق أوسلو لأن فيه ما يتدخل مباشرة في كيفية قيام السلطة الفلسطينية بأعمالها ونشاطاتها.

التعاون الأمني

جرى جدل عام 1997م حول مسألة استمرار التعاون الأمني بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية بسبب المأزق في تنفيذ اتفاقيتي أوسلو وطابا . أصر الجانب الإسرائيلي على ضرورة استئناف التعاون الذي بدأ مع بداية أوسلو، بينما رأى الجانب الفلسطيني أن هذا التعاون لم يعد قابلا للاستئناف بسبب تعثر العملية السلمية وعدم تنفيذ الجانب الإسرائيلي لعدد من بنود الإتفاق. وقد أضاف مسؤول فلسطيني تعليقا يحمل في طياته نوعا من التمرد على اتفاق أوسلو وذلك بقوله أن السلطة الفلسطينية ليست جيش أنطوان لحد ولا تتحمل مسؤولية الدفاع عن الأمن الإسرائيلي.

جدر الإشارة هنا أن التعاون الأمني حسب اتفاق أوسلو لا يعني التبادلية، وإنما يعني التعاون ضمن الحدود التي توفر الأمن إسرائيل والإسرائيليين والتي توفر أمنا للسلطة الفلسطينية كافيا لتمكينها من المحافظة على مستوى نشاط يكفي للقيام بمهامها الأمنية تجاه إسرائيل. فمثلا تعهد عرفات في رسالته إلى رابين قبل توقيع الاتفاق عام 1993 بمحاربة الإرهاب وملاحقة الإرهابيين، لكن رابين لم يتعهد بتوقف إسرائيل عن الإرهاب أو بتجريد نفسها من القنابل النووية. كما أن ملاحق الاتفاق تحدد النشاطات الأمنية الفلسطينية وتحدد أعداد الشرطة المسموح بها، لكنها لا تتطرق أبدا إلى تحجيم القوات الإسرائيلية ولا تقلص من مسؤولياتها عن الأمن الخارجي والأمن الإجمالي.

السلطة الفلسطينية مسؤولة حسب الاتفاق عن ملاحقة كل من يحاول المس بالأمن الإسرائيلي من المناطق التي تسيطر عليها، ومسؤولة عن تزويد إسرائيل بمختلف المعلومات الأمنية التي تمكن أجهزة الأمن الإسرائيلية من القضاء على ما يسمى بالإرهاب والإرهابيين. ولإسرائيل الحق في أن تطالب السلطة بتسليم معتقلين، وأن تدخل مناطق السلطة عسكريا إذا رأت ذلك ضروريا وذلك تبعا لمسؤوليتها عن الأمن الإجمالي. وقد سبق لإسرائيل، كما ذكرت سابقا، أن دخلت مناطق السلطة في غزة ونابلس بدون ضجيج إعلامي أو بإعلام خفيف. في المقابل لا تسلم إسرائيل الجانب الفلسطيني معلومات أمنية إلا إذا كانت ضرورية لتمكين السلطة من تعزيز الأمن الإسرائيلي. مثَل هذا التعاون كمثل الإقطاعي الذي يطعم الفلاحين من أجل الإبقاء على قدرتهم للقيام بالأعمال المطلوبة.

جرى تعاون أمني بعد اتفاق أوسلو بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، فقد حصل بعض الفلسطينيين على تدريبات استخبارية في إسرائيل، وبعضهم تلقى تدريبا على أيدي رجال المخابرات الأمريكية في الولايات المتحدة، وزودت أجهزة الأمن الفلسطينية إسرائيل بالمعلومات الوفيرة إلى درجة ان تقارير أمنية يومية كانت ترفع لإسرائيل. وسهلت السلطة اعتقال بعض الفلسطينيين من قبل إسرائيل، وقامت هي نفسها باعتقال أعضاء في المعارضة اتهموا بالتحريض أو بتعريض الأمن الإسرائيلي للخطر. لكن السلطة رفضت حتى الآن تسليم فلسطينيين معتقلين لديها لإسرائيل. وقد عمدت إلى استخدام اتفاق الترتيبات الأمنية لتغطية هذا الرفض والتي تقول أن لإسرائيل الحق بالمطالبة بتسليم معتقلين لدى السلطة خلال فترة وجيزة ما لم يكن قد صدر بحقهم حكم من قبل محكمة فلسطينية. لجأت السلطة إلى عقد محاكمات فورية للذين يُظن بأن إسرائيل ستطالب بهم، وإصدار أحكام سريعة بحقهم. كان من شأن هذا الإجراء أن يجنب الجانب الفلسطيني مسألة خرق الاتفاقات من هذه الزاوية.

مفهوم التعاون الأمني هذا هو الذي يعبر عن المصلحة الإسرائيلية ويجسد متطلباتها، وهو ذات المفهوم الذي فرضته إسرائيل على بعض الدول العربية. ببساطة، تقول نظرية الأمن الإسرائيلية أن إسرائيل تواجه خطر الإعتداء والإبادة على الرغم من هيمنتها العسكرية، وإذا أراد العرب إقامة سلام معها فإن عليهم الوفاء بمستلزمات إسرائيل الأمنية أولا وقبل كل شيء. أو بعبارة تخلو من الدبلوماسية، على العرب الذين يريدون عقد اتفاقيات سلام أن يقبلوا بالقيام بدور الحارس على الحدود الإسرائيلية أو على أمن المواطنين الإسرائيليين كما هو مطلوب من السلطة الفلسطينية. عندها فقط، حسب رأي الإسرائيليين، يمكن الحديث أو الحوار أو التفاوض حول قضايا أخرى عالقة أو مستجدة.

انعكس هذا المفهوم على اتفاقيات السلام التي تمت بين بعض الدول العربية وبين إسرائيل. كان لزاما، على سبيل المثال، على الأردن أن يُحكِم مراقبة الحدود مع إسرائيل ويمنع المتسللين ويلاحق من ينجحون بمحاولة المس بأمن إسرائيل. وفي اتفاقيات كامب ديفيد فرضت إسرائيل وجودا عسكريا مصريا رمزيا على الضفة الشرقية لقناة السويس، وأصرت على وجود محطات إنذار مبكرة في سيناء. لكن في المقابل لم تُقِم إسرائيل مناطق منزوعة السلاح في الأراضي التي سيطرت عليها. في ذات الوقت، استمرت إسرائيل في التسلح الذي يضمن تفوقها النوعي على الدول العربية، وذلك بمساندة الولايات المتحدة التي تستمر في رقابتها على التسلح العربي والضغط على الدول العربية للحد من برامج تسلحها ووقف بعضها.

يخيم هذا المفهوم أيضا على محادثات السلام التي تجريها إسرائيل مع سوريا ولبنان. فهي تريد من الجيش اللبناني حارسا على حدودها، وتريد من سوريا تجريد الجولان من السلاح في حالة الانسحاب مع وجود ترتيبات أمنية إضافية لا تقدم هي شيئا مقابله. إذا دفعنا النقاش إلى مداه النهائي، تريد إسرائيل من العرب أن يحاربوا العرب بالنيابة عنها ولمصلحتها، وتريد من الأنظمة العربية أن تفتح معتقلاتها لتزج بها المناضلين أو المجاهدين الذين يأملون باستعادة الأرض الفلسطينية. لقد أنشأت جيش جنوب لبنان لهذا الغرض، وضغطت على عدد من الأنظمة العربية حتى بدت وكأنها في حلف مع إسرائيل ضد من يسمونهم بالإرهابيين.

انعكس ذات المفهوم على اتفاقيات أوسلو وما تبعها من اتفاقيات. فلولا الضمانات بأن السلطة الفلسطينية ستقوم بدور أمني لصالح إسرائيل لما تم التوقيع على الاتفاقية. المسألة الأمنية كانت دائما العقبة الرئيسة أمام إسرائيل منذ عام 1967م في بحثها عن حل لمشكلة السكان (وليس الأرض) الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية، وقد حاولت البحث عن شريك عربي يتولى مسؤولية إدارة شؤون السكان ويكرس جهوده لمنع أعمال المقاومة. جرت محاولات لإعادة الإدارة الأردنية إلى بعض أجزاء الضفة الغربية وربما غزة أيضا، وحاولت إسرائيل،كما أسلفت، إقامة روابط قرى يمكن أن تتولى مدارك الحياة اليومية للسكان، لكنها فشلت. وأخيرا وجدت ضالتها في منظمة التحرير الفلسطينية.

فهل يمكن أن تقبل إسرائيل وضعا يرفض فيه الجانب الفلسطيني التعاون الأمني ؟ الجواب بالقطع لا، وهي بالتاكيد تعتبر أن الاتفاقيات خالية من المضمون إذا تم تفريغها من مسؤولية الفلسطينيين الأمنية تجاهها. أي أنها تعتبر الاتفاق لاغيا إذا رفض الفلسطينييون تنفيذ ما التزموا به أمنيا. فهل تملك السلطة الفلسطينية خيارات ؟

تقول السلطة الفلسطينية في هذه الفترة وهي أوائل عام 1998م بأنها ليست أداة بيد إسرائيل ولا تتلقى منها الأوامر وأنها لن تعود إلى سابق التعاون الأمني ما لم تفي إسرائيل بالتزاماتها وعلى رأسها وقف مصادرة الأراضي والاستيطان. (هذا الوقف غير منصوص عليه في أي اتفاق وقعته السلطة الفلسطينية مع إسرائيل ) فهل سيستطيع الجانب الفلسطيني أن يصمد، وما هي البدائل أمامه ؟

أمام السلطة أربع احتمالات في بحثها عن مخرج. يتمثل الاحتمال الأول في العادات والتقاليد العربية الذي جربته منظمة التحرير مع الدول العربية وأعطى في أغلب الأحيان نتائج لا بأس بها. يقوم هذا الاحتمال على تطييب الخواطر والعبارات الرقيقة الفضفاضة التي تستلهم من روح الأخوة ونسيان الماضي والسعي نحو مستقبل يكون بإذن الله جيدا، وتستحضر التاريخ والأمجاد الغابرة.

جربت السلطة هذا النمط مع حزب العمل الذي أخذ بعض أعضائه يفهمون شكلياته لكن دون الإنجرار إلى نتائجه. لم تنجح السلطة مع حزب العمل ولا أظنها ستنجح مع حزب الليكود.

يتمثل الاحتمال الثاني بالصمود على الموقف والإصرار على عدم التعاون الأمني إلا مقابل انسحاب إسرائيلي كامل وتفكيك المستوطنات وإقامة الدولة. هذا احتمال لن ينجح لأن إسرائيل، بغض النظر عمن يحكمها، تربط التقدم في العملية السلمية بالتقدم على الصعيد الأمني، ولا أرى أنها تقع الآن تحت ضغط هائل يجبرها على تلبية المطالب الفلسطينية دفعة واحدة. وإذا أرادت السلطة أن تعزز صمودها بتشجيع المعارضة على مهاجمة إسرائيل عسكريا فإنه من الوارد جدا أن تبدأ إسرائيل بممارسة ضغوط عسكرية على السلطة بحيث تحيلها إلى جسد خاو لا يقوى على شيء.

أما الاحتمال الثالث فيتمثل بقرار يصدر عن عرفات بمغادرة مناطق السلطة والعودة إلى التنقل من عاصمة عربية إلى أخرى. هذا احتمال ينطوي على عدد من العقبات منها الشك بإمكانية قبوله في مكاتب دائمة في أي دولة عربية. هناك عين على دمشق وأمل في أن تقبل سوريا بعودة المنظمة، لكن تجارب سوريا مع المنظمة لا تجعلها موقعا سهلا لعودة ياسر عرفات. وكذلك هناك مشكلة الذين عادوا مع عرفات والذين يمكن أن يتعرضوا للطرد والتهجير، ومشكلة المؤسسات والعدد الهائل من الموظفين الذين يتقاضون رواتبهم من السلطة.

أما الاحتمال الرابع والذي أرجح فوزه في صناعة سياسة السلطة الفلسطينية وهو يتمثل بقبول المطالب الإسرائيلية الأمنية مقابل استرخاء نسبي في الضغط الإسرائيلي على السلطة مثل التخفيف من بناء المستوطنات أو التخفيف من إجراءات إغلاق المناطق المحتلة خاصة بوجه العمال، أو عدم التركيز الإعلامي على ما تقوم به إسرائيل من أعمال قد تؤدي إلى إحراج السلطة أمام الجمهور.

إذا تتبعنا مسيرة منظمة التحرير عبر ثلاثين سنة، وحسب ما اتضح في الصفحات السابقة، والتي هي السلطة الآن نجد أنها لم تصمد أبدا على موقف ولم تحدد سقفا لا يمكن التنازل عنه. كانت تطلق المنظمة الشعارات وتقيم المهرجانات وتلقي بالوعودات، لكنها كانت دائما تتراجع وتجد المبررات والتبريرات لتراجعها وعدم صمودها.

منظمة التحرير لم تعمل لغدها واستندت سياستها على عدد من التكتيكات والمناورات والتحالفات المتموجة. لقد تركت نفسها والشعب الفلسطيني بدون ظهر قوي وبدون سند تستطيع الارتكاز عليه في الأوقات الصعبة. حتى الأموال بذرتها والمؤسسات أفسدتها، ولا أظنها قادرة على إخراج الشعب الفلسطيني من مأزقه، لقد تركت نفسها أمام خيار واحد طوال الوقت ولن تحيد السلطة التي انبثقت عنها عن القاعدة.

لكن السؤال الحاسم هو : إلى أي مدى يمكن أن تذهب السلطة الفلسطينية في تعاونها الأمني مع الإسرائيليين ؟ اتفاق أوسلو واضح في تجنيده للسلطة لخدمة الأمن الإسرائيلي، وإسرائيل تصر على تطبيق نموذج المنطقة الأمنية بجنوب لبنان لكن دون إئتمان السلطة على أسلحة ثقيلة. لكن هذا يتناقض ويتنافر مع حركة شعب ما زالت قائمة وموجودة وتكتسب نضوجا متزايدا مع الزمن. فالشعب الفلسطيني لم يندحر واتفاقيات أوسلو ليست مقنعة بالنسبة له، وهو ما زال يبحث عن وطنه. وقد أصبح هذا الشعب أكثر وعيا بقضيته وأفضل قدرة على التنظيم وأعلى كفاءة في ضرب إسرائيل. فهل يقبل بوضع تكون فيه السلطة الفلسطينية حارسا على أمن إسرائيل ؟ حتى تتضح المتطلبات الأمنية الإسرائيلية كفرض على السلطة الفلسطينية فإن القارىء يستطيع أن يربط بين مسلسل خطوات المنظمة عبر ثلاثين عاما وما آلت إليه الأمور على الأرض بمعزل عن الشعارات. هذا علما بأن عددا من الإجراءات والخطوات الأمنية التي اتخذتها السلطة فسرتها في أكثر من مناسبة بأنها دفاع عن المصلحة الوطنية الفلسطينية حيث أن اتفاق أوسلو، بالنسبة لها، يعبر عن المصلحة الوطنية الفلسطينية.

ممارسات السلطة الفلسطينية الأمنية

ورد في الملحق الثاني لاتفاق أوسلو والمعنون بروتوكول حول انسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزه ومنطقة أريحا وذلك في المادة رقم (3) البندان التاليان:

البند ( هـ ) : إقامة لجنه تعاون وتنسيق فلسطينية - إسرائيلية مشتركة لأغراض الأمن المتبادل.

البند (و) : برنامج للتنميه والاستثمار الأجنبي والدعم المالي والاقتصادي. وسيقوم الطرفان بالتعاون والتنسيق بشكل مشترك وبشكل منفرد مع الأطراف الإقليمية والدولية لدعم هذه الأهداف.

أما المادة (8) من الاتفاق فنصت على إنشاء قوة شرطة فلسطينية قوية مع استمرار مسؤولية إسرائيل الدفاعية ضد التهديدات الخارجية واضطلاعها بمسؤولية الأمن الإجمالي للإسرائيليين.

وقد تعهد ياسر عرفات في رسالته إلى رابين قبيل توقيع اتفاق أوسلو بمكافحة الإرهاب وقال بأن منظمة التحرير الفلسطينيه تعتبر أن توقيع إعلان المبادئ يمثل حدثا تاريخيا ويبدأ عصرا جديدا من التعايش السلمي، خال من العنف وجميع الأعمال التي تهدد السلام والاستقرار، وعليه، فإن المنظمة تشجب استخدام الإرهاب وأعمال العنف الأخرى وستتولى المسؤولية على جميع عناصر المنظمة وموظفيها لضمان امتثالهم ومنع خرق هذا التعهد ومعاقبة خارقيه.

كان واضحا من خلال هذه البنود والإلتزامات أن منظمة التحرير الفلسطينية قد قبلت المفهوم الإسرائيلي للإرهاب وأنها ستقوم بملاحقة من يصفهم الإسرائيليون بالإرهابيين. الإرهابيون حسب المفهوم الإسرائيلي هم الذين اعتبرتهم منظمة التحرير مناضلين يعملون علىالتحرير، ويعتبر تعهد المنظمة نجاحا للمفهوم الصهيوني للإرهاب والإرهابيين.

أما اتفاقية طابا والتي تعتبر تفصيلا لاتفاق أوسلو فيما يخص إعادة الانتشار في الضفة الغربية فقد قضت في المادة الثانية عشرة على أن إسرائيل تبقى تتحمل مسؤولية الدفاع عن كل تهديد خارجي بما في ذلك مسؤوليتها عن حماية الحدود مع الأردن ومصر والدفاع ضد أي تهديد خارجي من البحر والجو. وكذلك مسؤوليتها عن الأمن العام الإسرائيلي ومستوطناتها من أجل حماية أمنها الداخلي وفرض النظام….

أما المادة الخامسة عشرة فقد نصت أن على الطرفين أن يتخذا الخطوات الضرورية اللازمة من أجل وقف أي أعمال عدوانية ووقف أي شكل من أشكال الإرهاب …،أما البند الثاني من المادة السادسة عشرة فقد نص على أن المتعاونين من الفلسطينيين مع الإسرائيليين يجب أن لا يتعرضوا لأي أذى أو ملاحقة وستكون هناك خطوات مناسبة بهذا الخصوص .

لم يعد أمر التعاون الأمني مجرد تكهن أو تحليل لعبارات وإنما أصبح حقيقة واقعة تتردد على ألسنة المسؤولين الفلسطينين وتعكسها أعمالهم. فعقب كل عمل يقع ضمن مفهوم منظمة التحرير، التي تتمثل الآن في سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني، السابق حول التحرير والنضال، يقوم مسؤولوها بالإدانه والاستنكار والشجب ويأمرون قواتهم في مختلف الأجهزه الأمنية لملاحقة الفاعلين على اعتبار أنهم إرهابيون ويجب تقديمهم للمحاكمة.ما أن تحصل عملية عسكرية من قبل الفلسطينين ضد الإسرائيلين إلا ويسارع المسؤولون الفلسطينيون وعلى رأسهم ياسر عرفات بالإعلان عن غضبهم واستنكارهم ووصفهم للذين يقومون بالعمل بالمجرمين والإرهابيين. ولا يكتفي الفلسطينيون بممثل عنهم يقوم بعملية الشجب والإستنكار بل يتقدم كل مرة عدد أمام شاشات المرناة الإسرائيلية والعالمية للتعبير عن مشاعرهم. ثم تشرع قوات الشرطة الفلسطينية بملاحقة من تعتقد أن لهم علاقة بمن تسميهم الإرهابيين.

الأعمال التي تقول عنها سلطة الحكم الذاتي أنها إرهابيه وتعمل على معاقبة المسؤولين عنها على أنهم إرهابيون هي من نفس نمط عمليات معلوت والساحل وفندق سافوي، وهذه العمليات اعتبرتها منظمة التحرير عمليات بطولية وما زال عدد من الشباب يتغنى بها كتعبير عن فخرهم واعتزازهم.

هذا ولم تتوقف سلطة الحكم الذاتي عند حد تبني مفهوم إسرائيل للإرهاب بل اتخذت عددا من الإجراءات التي هي بحد ذاتها إرهابية ولا تختلف شكلا أو جوهرا عن أعمال الإحتلال. وفيما يلي أهم هذه الإجراءات :

أولا : إقامة أجهزة الأمن

أقامت سلطة الحكم الذاتي عددا من الأجهزة الأمنية وهي : جهاز الشرطة، الأمن الوقائي، الأمن الرئاسي (القوة 17)، المخابرات العامة، الإستخبارات، البحرية .عدد كبير من أجهزة الأمن، وكلها نشطة في استقطاب عاملين في صفوفها. وقد تفوقت السلطة على الدول العربية في عدد الأجهزة التي تلاحق المواطنين وترصد تحركاتهم. وبالطبع كان لهذا الأثر الكبير في نفوس المواطنين وعلى مدى استعدادهم للتفاعل مع السلطة.

والسؤال لماذا تقيم سلطة الحكم الذاتي كل هذه الأجهزه في حين أنها لاتحتاج إلا إلى قوة شرطه وجهاز تعقيب خاص بالشرطة ومختص بالأمور الجنائية ؟ أمن سلطة الحكم الذاتي في مواجهة العدوان الخارجي مكفول إسرائيليا وذالك حسب المادة الثامنة من إتفاق أوسلو، وهي بذلك ليست بحاجة إلى أجهزة مخابرات على المستوى الدولي. وبما أنها تعتمد على إسرائيل في أمنها ضد التهديدات الخارجية فإنها ليست بحاجة إلى أجهزة مخابرات لجمع المعلومات عن إسرائيل. إذا فعلت ذلك فإنها ستثير غضب إسرائيل التي لا يصعب عليها أن تعرف ماذا تفعل هذه الأجهزة من خلال عيونها المبثوثين هنا وهناك.

هذه الأجهزة حقيقة هي لمراقبة الشعب الفلسطيني أفرادا وجماعات حتى تفي سلطة الحكم الذاتي بتعهداتها الأمنية الواردة في اتفاق أوسلو. وإلا ما هي حاجة الشعب الفلسطيني لكل هذه الأجهزة ؟إسرائيل وأمريكا معنيتان بوجود جهاز مخابرات فلسطيني قوي ليكون دعامة للأمن الإسرائيلي. وبالطبع تبرر السلطة الفلسطينية ذلك بناء على ما يسمى بالمصلحة الوطنية الفلسطينية، وأنه من المهم المحافظة على الاتفاقات مع إسرائيل وتنفيذ بنودها لما سيترتب على ذلك من فوائد مستقبلية للشعب.

والملاحظ أن الشارع الفلسطيني قد أخذ يطور سلوكيات جديدة في الآونة الأخيرة وبالتحديد بعد قيام سلطة الحكم الذاتي، وهي سلوكيات شبيهة بتلك السائدة في البلاد العربيه. فمثلا أصبح يتردد الفلسطيني كثيرا في التعبير عن رأيه ويفضل الصمت إلا أمام من يظن أنهم ثقة. وكذلك أصبح الشعب يسمع عبارات : إوع دير بالك منهم ، أنا مليش مصلحه وما دخلني، هدول ياعمي غير عن اليهود بتحملوش الحكي، … الخ. أي أن ثقافة الحيطان لها آذان أخذت تنمو في صفوف الشعب، وأصبح المرء أكثر حذراً في التعبير عن نفسه، خاصة أنه يرى السلاح يلمع أمام عينيه وفي أيد غير أمينة على استعماله.

محكمة أمن الدولة

صدر أمر من ياسر عرفات في 7/شباط،فبراير/ 1995 بإنشاء محكمة أمن دولة عليا في غزة مختصة في القضايا المتعلقة بالأمن. وقد تم تشكيلها من ضباط يقومون بالفصل في الجرائم التي تمس الأمن في الداخل والخارج والخاصة بالجنايات والجنح الوارد ذكرها في الأمر رقم 555 لعام 1957. صدر الأمر 555 إبان الحكم العسكري المصري لقطاع غزة ونص على عدد من العقوبات منها الإعدام بخصوص قضايا متعلقة بالأمن.

ويستند هذا الأمر أيضا على المادة 59 من النظام الدستوري لقطاع غزة الصادر عام 1962م والذي يعطي الحاكم العام لغزة صلاحية تشكيل محاكم عسكرية للبت في المسائل المتعلقة بالأمن. ولكن لا تنفذ أحكامها إلا بعد تصديق الحاكم العام.

بهذا الأمر حلّت المحاكم العسكرية محل المحاكم المدنية في البت في مسائل الأمن، وأعطى الأمر الحق للحاكم العام للمصادقة على القرار بدلا من أن تكون هناك محاكم استئناف. وعلى الرغم من أن هذا ينافي المعايير العالمية ومعايير العدل، إلا أنه أيضا عمل رهيب بحق شعب عانى على مدى عشرات السنين من العسكر وحكامهم. هذه المحكمة مخالفة للحقوق المعترف بها دوليا والتي تتمثل بحق المتهم بالمثول أمام محكمة مختصة وأن يملك حق الدفاع عن الذات من خلال محام أو محامين يختارهم هو، وحقه في استئناف الحكم.

والمحكمة هذه لا تخالف القواعد المعترف بها دوليا فقط وإنما أيضا تخالف مبادئ اتفاق القاهرة الموقع عليه من قبل إسرائيل ومنظمة التحرير في 4/أيار،مايو/1994 إذ تقول المادة (14) من الاتفاق: تمارس إسرائيل والسلطة الفلسطينية سلطتهما ومسؤوليتهما بموجب هذا الاتفاق آخذين بعين الإعتبار المعايير و المبادئ المقبولة دوليا لحقوق الإنسان وسيادة القانون. أما المادة (6) فنصت على ان السلطة الفلسطينية تتولى مسؤولية القضاء من خلال سلطة قضائية مستقلة . محكمة أمن الدولة لا تلتزم بالقواعد المعترف بها دوليا ولا هي مستقلة. أي أن إجراءات سلطة الحكم الذاتي القضائية أكثر جوراً مما طلبت إسرائيل.

وقد احتجت منظمة العفو الدولية على هذه المحكمة واعتبرتها منتهكة للحد الأدنى من المعايير الأساسية للمحاكمات العادلة. ( نشرة بعنوان محاكمة منتصف الليل، حزيران ،يونيو/1995).

وعلى المستوى المحلي، اعتقلت سلطة الحكم الذاتي المحامي راجي الصوراني الذي عمل كمدير لمركز غزة للحقوق والقانون بسبب انتقاده العلني لهذه المحكمة وذلك بعيد منتصف الليل في 15/2/1995م. أما نبيل شعث، أحد مسؤولي سلطة الحكم الذاتي فقال له في تصريح له في جريدة Jerusalem Post الصادرة في 30/4/1995م أن محكمة أمن الدولة سوف تلغى إذا أعلنت جميع فئات المعارضة عن التزامها بالاتفاقية المعقودة بين منظمة التحرير وإسرائيل.

الاعتقالات العشوائية

يبدو أن سلطة الحكم الذاتي متأثرة جداً بعادات جلادي الشعب الفلسطيني الاعتقالية. فهي تقوم بالاعتقالات الجماعية عقب كل ذي حدث هام خاصة إذا كان ضد الإسرائيليين، ولا تكلف نفسها عناء التأني والبحث عن تبريرات للاعتقال. وفيما يلي أنماط من سلوكياتها الاعتقالية :

أ- قيام مختلف أجهزة السلطة الأمنية باعتقال الفلسطينيين من مختلف الفصائل المتمسكة بالحقوق الفلسطينية، وبتركيز خاص على حركتي حماس والجهاد الإسلامي. وبسبب عدم التنسيق بين الأجهزة حصل وأن اقتحم بيوت الفلسطينيين أكثر من جهاز أمني لاعتقال نفس الأشخاص.

ب- إخلاء سبيل عدد من المعتقلين بعد فترات قصيرة من اعتقالهم والاحتفاظ بآخرين لمدد طويلة دون أن توجّه ضدهم تهم محددة. وفي هذا ظلم أكبر من ذلك الذي مارسه الاحتلال حيث درج الاحتلال على عادة الـ 18 يوماً فالشهر يليه شهر أو شهران معاً، وهي المدة التي يجب أن توجه خلالها تهمة محددة للمعتقل.

ت- اعتقال الأشخاص بدون إذن قانوني.

ث- اقتحام البيوت وترويع ساكنيها، وأحياناً تحطيم بعض المحتويات والاعتداء بالضرب على أفراد الأسرة أو بعضهم.

جـ- احتجاز الأشخاص لفترات طويلة في أمكنة سرية وبدون إعلام أهاليهم أو السماح بزيارتهم.

ح- اعتقال أشخاص بناءً على الإنتماء السياسي أو المواقف السياسية.

التحقيق

يتعرض الفلسطينيون في سجون سلطة الحكم الذاتي الأمنية للتحقيق، وفي هذا تتّبَع عدة أساليب منها :

1- الضرب باستعمال الأيدي أو أدوات تشبه الحبال.

2- الشبْح.

3- الحرمان من النوم لفترات طويلة ووضع المعتقل في ظروف غير مريحة للنوم.

4- الحدّ من حرية استعمال الحمامات.

5- استخدام ألفاظ بذيئة حول الدين والشرف والانتماء.

6- حلق بعض اللحى والرؤوس.

7- استخدام أغطية للوجوه.

8- اقتناص عملاء ومخبرين.

هذا وقد خفت حدة التعذيب في السجون الفلسطينية في الآونة الأخيرة، أي في أواخر عام 1997وأوائل عام 1998. لكنه يقبع في المعتقلات خلال هذه الفترة عدد من معتقلي حماس والجهاد الإسلامي والقيادة العامة. وقد مرت عدة شهور على اعتقالهم دون مساءلة وتقديم للمحكمة. وقد احتج المعتقلون والأهالي على استمرار الاعتقال وقاموا بالمناشدات المختلفة لجهات عدة إلا أن السلطة الفلسطينية لم تستجب ولم تفرج عن المعتقلين حتى ساعة إعداد هذا الكتاب. هذا ومن المتوقع أن تستمر السلطة باعتقال المجاهدين والمناضلين الفلسطينيين والمنتمين لفصائل وأحزاب ترفض الاتفاقات مع إسرائيل حتى لو أفرجت عن المعتقلين الحاليين.

هذا وقد أعلن المعتقلون الفلسطينيون في السجون الفلسطينية الإضراب عن الطعام احتجاجا على اعتقالهم في أواخر شهر آذار،مارس/1998. وقامت حملة شعبية للدفاع عنهم وعن قضيتهم.

المحاكمات

محاكمات سلطة الحكم الذاتي غريبة من نوعها، وهي تمارس ضد فلسطينيين اكتوت جلودهم بنار الظلم والاضطهاد. إنها محاكمات غامضة وسريعة وتتم في ظروف مثيرة للاشمئزاز خاصة تلك المحاكمات المتعلقة بمحكمة أمن الدولة.

تقول منظمة العفو الدولية أن جميع المحاكمات في محكمة أمن الدولة (قد عقدت) سراً. وورد أنها عقدت جميعا باستثناء واحدة في منتصف الليل، وكانت الإجراءات فورية. إذ كانت كل محاكمة تنتهي في نفس الليلة التي تبدأ فيها، بل ورد أن بعضها لم يستغرق سوى دقائق معدودة.(نشرة بعنوان محكمة منتصف الليل ، حزيران،يونيو/1995،ص 11).

عقدت المحاكم سرا بدون إعلام أهالي المعتقلين وحتى بدون إعلام المعتقل نفسه وفي منتصف الليل. فمثلا تمت محاكمة رائد العطار ومحمد أبو شمالة في منتصف الليل واستغرقت عدة دقائق وصدر ضد كل منهما حكم بالسجن لمدة سنتين بتهمة التدريب على السلاح بشكل غير مشروع. أما محاكمة سمير الجدي فتمت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل وحكم عليه بالسجن خمسة عشر عاماً.

أما عزيز الشامي الذي اعتقل ليلة 5/شباط، فبراير/1995 فقد قيل له مراراً في المعتقل أنه سيسرح. لكنه اقتيد ليلا إلى المحكمة في ذات اليوم الذي زاره فيه بعض أفراد عائلته، ولم يكن يدري أنه سيحاكم. حَكمته المحكمة مدة خمسة عشر عاما ولم تعلم أسرته بذلك إلا عندما أذاع مذياع إسرائيل الخبر. أما محمد السمري الذي اعتقل في 21/3/1995 فلم يسمح له برؤية عائلته إلا بعد ثمانية وعشرين يوما من الاعتقال. وقد كان ذلك بعد محاكمته والحكم عليه بالسجن مدة سبع سنوات بتهمة نقل قنابل لاستخدامها ضد الإسرائيليين.

أما سيّد أبو مسامح رئيس تحرير الوطن فقد حكم عليه بالسجن مدة سنتين بعد 24 ساعة من اعتقاله، وحكم على عضوين في الجبهة الشعبية هما عوني الكفارنة وطاهر الكفارنة بعد 48 ساعة من اعتقالهما. والجدير ذكره أنه ليس كل الحالات كانت مطلوبة لإسرائيل وذلك كتبرير للمحاكمة السريعة.

الحالات كثيرة ولا يتسع المجال لذكرها جميعا، ولكنني أورد هنا بعض أسماء الضحايا : محمد السيد، خالد مطلق، منصور البحابصة، محمد الديراوي، حارث عبد الكريم ابو حميد، أشرف قنديل.

هذا وتلاقي هذه المحاكمات استحسانا من الإسرائيليين والأمريكيين الذين يعتبرونها مدخلا نحو المضي في مباحثات ناجحة مع سلطة الحكم الذاتي، فمثلا قال مسؤول عن وزارة الخارجية الإسرائيلية لصحيفة Jerusalem Post في 10/آذار/1995 أن تنفيذ الحكم الذاتي مرتبط بما يقوم به الفلسطينيون من أعمال مكافحة الإرهاب، والتي تشمل القبض على الفلسطينيين المشتبه بهم واتخاذ الإجراءات ضدهم. أما يوسي سريد، وزير البيئة الإسرائيلي، فقد قال في 12/نيسان/1995م لذات الصحيفة أنه كان للإسرائيليين مطالب محددة أحدها محاكمة الإرهابيين، وقد حدث ذلك بالأمس، وهذا هو ما ينبغي. فإذا اتضح للإسرائيليين أن هذه الإجراءات لا تقتصر على مرة واحدة وإنما تمثل سياسة ثابتة تتسم بالحسم والعزم، فإن احتمال الانتهاء من المفاوضات قبل أول تموز ،يوليو/1995 سوف يتحسن.

أما المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية فقد أعلنت في 10/نيسان/1995م عن مباركتها لخطوات سلطة الحكم الذاتي وقالت أنها تتوقع من السلطة الاستمرار في هذا المجال ضد الإرهابيين.

وقد بارك المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية الأمريكية نيكولاس بيرنز أعمال سلطة الحكم الذاتي بعد الحكم على سمير الجدي وعمر شلح في مؤتمره الصحفي الذي عقد في 12 نيسان / 1995م قائلا : “قد صدر حكمان رئيسيان على اثنين من المجرمين وهما شخصان تعتقد السلطة الفلسطينية أنهما كانا متورطين مباشرة في أعمال إرهابية، وأود القول أنه من الضروري الإستمرار في تطبيق هذه السياسة على مر الأيام وأن تأخذ السلطة الفلسطينية مأخذ الجد البالغ ضرورة محاكمة الأشخاص المسؤولين عن الجرائم.” وقد باركت عدة دول أوروبية من ضمنها بريطانيا وألمانيا هذه الإجراءات وشجعت السلطة الفلسطينية على الاستمرار في إجراءاتها لما في ذلك من خدمة للسلام وتسريع لإنجاز المفاوضات.

من ناحية منظمة العفو الدولية فقد طالبت بحضور المحاكمات والاطلاع على الملفات. لقد وُعدت بذلك لكن الوعود لم تنفذ، ولم تبَّلغ المنظمة بمواعيد المحاكمات ولم تفتح أمامها الملفات، ولم تحصل على محاضر للمحاكم التي جرت. (نشرة محكمة في منتصف الليل، ص2).

البناء والوحدة

وعدت السلطة الفلسطينية الناس في الأرض المحتلة/67 أن تقوم ببناء دولة حديثة على أسس الديمقراطية والعدل. وعدت أن تبدأ عملية بناء شاملة في مختلف مجالات الحياة. وقد تركز جدلها على أن الاحتلال الإسرائيلي قد دمَّر كل شيء إيجابي خلال ثلاثين عاما من الإحتلال، وعمل على تقويض أواصر المجتمع الفلسطيني وتفكيكه، ودأب على تدمير الاقتصاد بحيث تحول الفلسطينييون إلى قوة عمل في المصانع الإسرائيلية. كما أن الاحتلال عمل على إفساد الناس أخلاقيا وتحويلهم عن قضاياهم الأساسية المتعلقة بتحرير الوطن.

قالت السلطة الفلسطينية أن الاحتلال قد عاث في الأرض فسادا، ودمر البنية التحتية للمجتمع الفلسطيني من مختلف النواحي، وأنها جاءت إلى البلاد تحمل لواء الاستقلال والبناء. وفي مناسبات لا حصر لها، تحدث عدد من المسؤولين الفلسطينيين عن تطلعاتهم وآمالهم وخططهم ومشاريعهم من أجل الانبثاق إلى حياة جديدة ملؤها العطاء والتقدم والحرية والمشاركة. وعَدَ هؤلاء بالتنمية الاقتصادية من خلال تطوير الزراعة واستصلاح الأراضي وإقامة المصانع وتطوير الموارد السياحية والقدرات الحرفية. ووعدوا بتحسين الأوضاع الاجتماعية والصحية والثقافية، إلخ.

وقد ساهمت الولايات المتحدة الأمريكية ومن يدور بفلكها من دول تعمل على ترسيخ اتفاق أوسلو بالوعودات والنوايا في دعم السلطة الفلسطينية في جهودها البنائية ونقل الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة/67 إلى حياة أفضل يسودها الرخاء الاقتصادي. وفي سبيل ذلك دعت الولايات المتحدة إلى عقد اجتماعات عدة للدول المانحة لمناقشة إمكانية دعم السلطة الفلسطينية وتوزيع الأعباء المالية المطلوبة على الدول المختلفة كل واحدة حسب طاقتها. وكانت تصدر عن هذه اللقاءات وعودات خصبة وأرقام كبيرة تقود القيادة الفلسطينية وجزء من الشعب إلى التفاؤل بقرب الإنفراج الذي سيؤدي إلى خير كثير.لم تقصر الولايات المتحدة ومؤيدوها النشاطات على عقد المؤتمرات وإطلاق الوعودات، وإنما أصروا أيضا على حياة فلسطينية تسودها الديمقراطية والحرية ويحترم فيها الإنسان وحريته. وفي سبيل هذه الغاية، وردت على مسامع القيادة الفلسطينية ضرورة احترام حقوق الإنسان واحترام الجمعيات والمؤسسات التي من شأنها الدفاع عن هذه الحقوق. وبرزت الولايات المتحدة ومعها بعض الدول العربية وكأنها الحريص على الإنسان الفلسطيني والساهر على راحته ورفاهيته.

أما وسائل الإعلام فكانت دائما الصدى الأمين لنشاطات الولايات المتحدة والدول الأوروبية الذي ينقل التفاصيل إلى الشعب الفلسطيني ويكررها صباح مساء. لقد تحدثت وسائل الإعلام الأجنبية منها والمحلية عن الفجر الجديد الذي ينتظر الأرض المحتلة/67 وإمكانية التحول إلى منطقة يعم خيرها على كل أنحاء المنطقة سواء على مستوى الصناعة والتطور الاقتصادي أو على مستوى الحياة الديمقراطية والإنسان الحر. وقد رددت وسائل الإعلام أنباء الوعودات الخيرة حتى ظن الشعب انه سيفيق غداً صباحا ليرى الأرض وقد امتلأت لبنا وعسلا ووروداً من الحرية والانطلاق. انتابت بعض الناس هستيريا الرفاهية والانتقال إلى حياة انتاجية واستهلاكية شبيهة بتلك الموجودة في الدول الغربية.

فهل استطاعت السلطة أن تحقق ما وعدت به؟ وهل بدأت مسيرة البناء والحرية والتقدم السريع ؟ هل أقامت المؤسسات اللازمة لذلك، وهل وضعت قدمها على بداية الطريق ؟ قبل الإجابة عن هذه التساؤلات أرى من الضروري توضيح بعض أسس بناء المجتمعات والدول والسير على طرق التقدم والتحديث والتي تشكل قاعدة يمكن الحكم حسبها على جهود السلطة وسياساتها. فإذا أردنا فهم النتيجة المترتبة على سياسات السلطة الفلسطينية وطريقة أدائها، فإنه من المهم فهم الإطار النظري الذي تنبثق منه أو الذي يفسرها. وإذا شئنا أن ننطلق نحو أسس رصينة تمهد الأرضية للنجاح فإن أول ما يواجهنا هو مفهوم الحرية والاستبداد وعلاقتهما بالإبداع الإنساني والتخلف.

الحرية والاستبداد: صراع بين الإبداع والتخلف:

يتطلب البناء على المستوى العام جهودا كبيرة وحثيثة متسمة بالعمل الجماعي والتعاون المتبادل بين الناس. الإنجاز على مستوى المجتمع أو الدولة لا يتم بجهود شخصية أو بناء على رؤية وتنظيم شخصيين، وإنما يتطلب عملا يتناسب مستواه مع الطموح والأمل ويشمل الشقين المعنوي والمادي، أو الطاقات الذهنية والعاطفية والقدرات الجسمانية والوسائل كالأموال والمعدات وما شابه. وفوق ذلك ، يتطلب الإنجاز إرادة عامة للعمل تكون شخصية وجماعية في آن واحد، وأجواء تفتح المجال أمام الاكتشاف والاختراع والإبداع.

يتطلب البناء جهودا ذهنية وجسمانية علىالمستوى العام لأنه من المفروض أن يتم ضمن منظور عام حيث أن هدفه في النهاية هو تحقيق الصالح العام. أي أن الرؤية الفردية لا تصلح لأن تكون منطلقا للبناء العام حيث أن هدفه في النهاية تحقيق الصالح العام. أي أن الرؤية الفردية لا تصلح لأن تكون منطلقا للبناء العام بسبب تقيدها بالفرد المنبثقة عنه بما في ذلك تجربته في الحياة وفلسفته بالتعامل مع الأشياء والناس وأهدافه الذاتية، الخ. فإذا جاز لها أن تقيد حركة البناء العام فإن الحركة ستعكس خصائص الرؤية وليس بالضرورة طموح وآمال الناس في المجتمع أو الدولة. ولهذا تصطدم حركة البناء بالكثير من العراقيل والعقبات، وتكتسب الصفة الشخصية أكثر من الصفة العامة وتفشل في النهاية.

أظهرت تجارب العديد من الدول خاصة دول العالم الثالث والوطن العربي بالذات أن الرؤية الشخصية لا تنجح على المستوى العام مهما كانت ثاقبة أو متنورة. حاول العديد من القادة والملوك والرؤساء فرض رؤيتهم على الشعوب فيما يخص عملية التقدم على اختلاف أوجهها بما فيها التنمية الاقتصادية وتحسين ظروف الناس المادية. لكن رؤاهم كانت قاصرة في النهاية ولم تحقق الأغراض المطلوبة. فإذا استبعدنا الأموال الناجمة عن بيع المصادر الطبيعية مثل النفط والتي لا علاقة لرؤية القائد الشخصية بها، نجد أن مستوى الإنتاج في الوطن العربي لم يتحسن نسبيا وذلك بالمقارنة مع مستويات الأثمان مع مرور الزمن ومستوى غلاء المعيشة، ولم يتحرر العربي من الضائقة المادية، ولم تتطور تقنية عربية، الخ. بل وجدنا مع مرور الزمن أن الهوة بين العالم وخاصة العالم المتقدم وبين الوطن العربي تزداد اتساعا، وأن مقدار سبق العالم في مجالات التقدم يتسارع هندسيا بالمقارنة مع العرب، وازداد استغلال العالم لثرواتنا رغبة منا في زيادة حجم استهلاكنا. لقد استخدمنا مصادرنا الطبيعية لتحسين أوضاعنا الاستهلاكية وزيادة الاستهلاك بصورة متسارعة. هذا فضلا عن الهزائم التي مني بها العرب على مختلف الصعد.

السبب في ذلك كان فرض الرؤية الشخصية والتي هي رؤية الملك أو الرئيس على سير الأمور وعجزها المتوقع عن تلبية الاحتياجات العامة. أو بالتحديد إنه الاستبداد والتفرد بالرأي ومنع الآخرين من أصحاب الآراء الأخرى من التعبير عن أنفسهم والمشاركة. لقد جند الكثير من الرؤساء والملوك طاقات الدول أو المجتمعات التي يتحكمون بمقدراتها وسخروها لخدمة ما يرونه مناسبا وحرموا الآخرين من المشاركة الفعالة في الأعمال العامة، وأغدقوا العطاء المادي والوَجَهي على من لديهم الاستعداد لتنفيذ ما يطلب منهم. وبهذا لم تعد المسألة من الناحية العملية متعلقة بإنجاز عام وإنما بخدمة الرؤية الخاصة للملك أو الرئيس.

تتطلب عملية الإنجاز على المستوى العام جهود الجميع، أي المشاركة من قبل الجميع، أو فتح باب المشاركة أمام كل من يرغب. والمشاركة تتطلب الحرية. الحرية هي التي تعطي المشاركة معناها وتجعل لها فاعلية تؤدي إلى نتائج مادية ملموسة. بدون الحرية لا معنى للمشاركة ولا معنى بتاتا لكل الشعارات التي يتم طرحها حول مشاركة المواطنين، وهي تبقى حتما بدون نتائج ملموسة.

ما أعنيه في الحرية هنا هو حرية التعبير بحيث يكون المرء قادرا على التعبير عن رأيه تحت كل الظروف والأحوال، وحرية تكوين الرأي بحيث تتوفر أمام المرء المعلومات المختلفة التي تجعله قادراً على الرؤية من مختلف زوايا الموضوع فيكون أكثر قدرة على تكوين الرأي الصائب، وحرية الحركة واختيار العمل والتجربة والاختيار والنقاش والجدل. أي أن الحرية هي مجمل النشاطات الإنسانية التي تقود الى انبثاق الطاقات الإنسانية المشاركة مع الآخرين والهادفة الى البناء والتقدم. إنها هي التي ترسخ مبدأ امتلاك الشخص لنفسه وتقوده إلى تحقيق الذات الذي يعتبر العنوان الأساس نحو الإبداع.

فعندما يحقق الإنسان حريته يستطيع الإنطلاق نحو الجديد والتجديد والبحث والتنقيب. إنه يتوجه نحو الإبتكار والإختراع وتتطور لديه العقلية العلمية والعملية التي تتفاعل مع الآخرين وجهودهم من أجل الوصول إلى ما هو أفضل للجميع والذي ينعكس على كل فرد في النهاية. التفاعل بين الناس سواء من ناحية الآراء أو الجهود العملية يخلق روح التنافس الإنجازي (أي التنافس القائم على تحقيق شيء إيجابي وهو عكس التنافس الإسقاطي الذي يقوم على التدمير المتبادل) ويدفع بالمجتمع دائما إلى الأمام.

أما إذا كان المرء مكبلا ومقيداً فإنه لن يستطيع التفاعل ويبقى في حالة خوف دائم يعرقل أي محاولة إبداعية يمكن أن تنشأ لديه. وبذلك يتحول إلى مجرد شيء سلبي لا يقوم بالفعل وإنما ينتظر الفعل حتى يحصل عليه، إنه مجرد أداة وليس فاعلاً، تتقاذفه الأهواء وتسهل السيطرة على عواطفه والتحكم بانفعالاته. يفقد قدرته على التفكير ويفقد ذاته ويستسلم لمن هو أقوى منه.

فإذا كنا قد فشلنا على مستوى الوطن العربي فذلك لأن المسؤول الأول مستبد وقمعي ولا يرى في الدولة مفكرا غيره، أو أحداً قادراً على المبادرة غيره هو. لقد كبل الإستبداد حرية الناس وقيد تفكيرهم إلى درجة أن الإنسان فقد ثقته بنفسه وأصبح يشك في ذاته، وتحوّل إلى حالة الخوف الدائم. لقد جند المسؤول المستبد العيون والجواسيس وأقام الأجهزة الأمنية المتعددة ليراقب الرعايا (وليس المواطنين) حتى يضمن أن رؤيته وحده هي التي يتم تنفيذها وأن غيرها يجد طريقه الى الوأد. فماذا يرجى من إنسان عربي خائف يقف عاجزا ًأمام أجهزة المخابرات التي تراقبه وتكتب فيه التقارير وتحقق معه ويمكن أن تعتقله وتعذبه أو أن تؤذيه جسديا أو أن تقتله ؟ وماذا يرجى منه إذا كان يشك في حيطان المنزل قائلا بأن الحيطان لها آذان، ويشك في إخوته وجيرانه وأبناء بلده، إلخ؟

الخوف يمنع المبادرة ويقتلها، والشك يحول دون العمل الجماعي والتعاون المتبادل. وبذلك يتعثر التقدم ويستحيل البناء.

البناء عبارة عن عمل أخلاقي، ويتطلب مقومات أخلاقية أو سمواً أخلاقياً. إنه أخلاقي لأنه إيجابي يعمل على تجسيد طموح وأمل إنسانيين، ولا يقوى على إنجاز شيء أخلاقي إلا من هو أخلاقي أو من يتحلى بالأخلاق الفاضلة. والأخلاق لا تتأتى إلا مع الحرية. الإنسان الحر هو الإنسان الأخلاقي، أما المستعبد أو الملاحق أو الشكاك فلن يقوى على تطبيق ما هو أخلاقي حتى لو كانت لديه فكرة نظرية واضحة عن المقوِّم الأخلاقي.

حياة الحرية تجعل المرء حساسا ومتفهما لحريات الآخرين ويقدرها ويحترمها، وتتطور ضمنها قيم الفضلية التي تعبر عن احترام الإنسان لذاته. بها تسود قيم التفاعل ما بين الناس إيجابيا مع الإبتعاد عن الطعن في الظهر سواء من الناحية الكلامية أو التآمرية، وتتطور قيم احترام الوقت والوعد والعهد والإلتزام. إنها تعبر عن مرحلة من المدّ الأخلاقي الذي تتم ترجمته إلى واقع يتحسن باستمرار ويتطور نحو الأفضل. في هذه المرحلة يكون الناس صادقين وأوفياء ومخلصين في أعمالهم ونشطاء متوكلين غير متواكلين وغير كسولين لأنهم يستثمرون جهودهم وأوقاتهم فيما هو مفيد .

أما حياة الاستبداد، حياة القهر والكبت وهيمنة أجهزة المخابرات، حياة تافهة يفقد فيها المرء احترامه لذاته، ومن فقد احترامه لنفسه لا يقوى على احترام الآخرين وتقديرهم. فيها تسود حياة التشاؤم وروح الإحباط والشعور باليأس والقنوط. تزدهر ضمنها عقلية التآمر والتبرير والتحايل والإسقاط. يصبح الناس معها كذابين ودجالين يبحثون عن مصالحهم الخاصة، إنهم يتحولون الى منافقين يعملون دائما على التقرب من رجالات الحاكم من خلال الإطراء والهدايا والدعوات الطعامية وما شابه ذلك. تغيب الصراحة والوضوح، ويصبح التملق والتزلف صفتين متلازمتين لسلوك الناس.

ولهذا عملت الدول المتقدمة أو التي تريد أن تتقدم على تعزيز حرية الفرد والناس جميعا لأنها أدركت أنه بدون الحرية لن يكون الناس قادرين على إتخاذ زمام المبادرة ولا على الإبداع والمساهمة الفعالة في أعمال البناء، وأن الطموح نحو ازدهار اجتماعي واقتصادي وأدبي ومنعة عسكرية وأخلاقية لن يتأتى إلا بأناس أقوياء يملكون أنفسهم ويشحذون قدراتهم ويهذبون أداءهم بصورة متبادلة التفاعل ودائمة الحركة. لقد أدركت تلك الدول أن الحاكم الفرد لا يسع الناس وإنما يوسع الناس له. ولهذا فتحت المجال رحبا أمام حركة الرأي وتوفير المعلومات واستخدامها.

وعليه، هل يسهل أن نصدق شخصا يتحدث عن البناء وهو لا يعمل على تهيئة الأرضية المناسبة؟

غالبا ما تتلازم أعمال كبت الحرية مع أعمال يريد أن يقوم بها الكابت أو صاحب البطش ولا يريد أن يعرف عنها الآخرون أو أن يتحدثوا عنها وبها، أو مع أعمال قبيحة قام بها ويريد أن يكف ألسن الناس عنها. قد يحصل كبت الرأي أو حرية التعبير في أحيان نادرة جداً تتعلق بأسباب أمن قومي أو مصلحة عامة حساسة. لكن هذا الكبت يكون مؤقتا ومحصوراً في قضية معينة ولا يلبث أن ينتهي دون أن يؤثر على حرية التعبير بوسعها.

كبت الحرية مرتبط بالفساد وسوء الصنيع. إنه عمل من أعمال التورية وإخفاء القبيح من العمل والتمويه. حسن التدبير وحسن الصنيع لا يحتاجان الى كبت وقهر لأنهما، إن لم يكونا لوجه الله، يشكلان مصدر فخر واعتزاز لمن يقوم بهما، وهو يحرص على إبرازهما بوسائل شتى ليتأكد الناس من جوهره ومعدنه وليطروه على ما يقوم به ويحصل على مكافأة بغض النظر عن نوعها. فحيثما حسن العمل وارتقى التدبير وحصل الإنجاز يتوقع المرء أن تتوفر حرية التعبير متلازمة مع مرحلة المدّ والبناء، مع مرحلة الرقي الأخلاقي والعطاء المادي، وهي مساهمة أيضا فيها لما توفره من المناخ المناسب للتعاون والثقة المتبادلة والطمأنينة والشعور بامتلاك الذات.

تشكل الحرية خطراً على الفاسد وإفساده لأنها تفضحه وتعرقل سياساته وتحبط مخططاته وتحرض جمهور الناس فيصبح موقعه في خطر. ولهذا لا يمكن أن يكون الفاسد حراً أو أن يسمح بالحرية.

إنه ليس حراً لأنه يغرق في أعمال يعي مسبقاً أنها فاسدة وقبيحة ويجب أن تبقى بعيدة عن عيون الناس وألسنتهم فيقعد أسيراً لها ومكبلاً بها، ولا يسمح بالحرية لأنها لا تنتعش ولا تزدهر إلا في ظل أجواء الخير والعمل الطيب . ولهذا تعتبر الحرية مؤشراً ممتازاً للأوضاع العامة التي يعيشها المجتمع أو الدولة. إذ يمكن التعرف من خلالها بسهولة على الوضع العام السائد فيكون وجودها مؤشراً على رغبة القيادة والناس في التقدم والبناء، وغيابها يؤشر على وجود الفساد وعوامل الهدم الأخلاقي والمادي. ومن خلالها يمكن التعرف أيضاً على مزاج الناس الذي يكون بوجودها سلساً ومسترخياً وهادئاً، وبغيابها يكون متقلباً ومتوتراً وحاداً. بوجودها تسود الثقة وبغيابها تسود الريبة والشكوك وعقلية التآمر .

صاحب الحرية شجاع لأنه لا يخشى أعماله ولا يكبل نفسه بها، وهو مستعد دائماً لسماع الرأي الآخر والاستفادة منه. إنه لا يخشى النقد لأنه يعي تماما أن الكمال ليس من صفات الإنسان، وإنما يعي أن الإنتقادات والاتهامات (إن وجدت) تشكل حافزاً للمزيد من العمل ومدخلاً للتعرف على الثغرات في الأداء والتقصير في وسائل اتخاذ القرارات ورسم السياسات مما يؤدي إلى مزيد من العمل الناجح. ولهذا يحرص المسؤول من هذا النوع على توفير وسائل التعبير عن الرأي وإيصاله، ويحرص على مساءلة ومحاسبة كل من يعرقل هذه الحرية أويحاول التحايل عليها. ولهذا نجده، إن كان رئيساً أو ملكاً، يوظف مؤسسات الدولة لخدمة المواطن وتسهيل نشاطاته لكي يكون كل عنصر في الدولة مساهماً ومشاركاً في عملية البناء ومحورا من محاور التقدم. فحيثما حكم مثل هذا الشخص أو ساد نجد أن مؤسسات الدولة لخدمة الوطن، والمواطن في تعاون معها، ولا نجد أجهزة امنية تراقبه وترصده وتطارده وترهبه. أجهزة الأمن في ظله هي لخدمة الدولة وليس لخدمة النظام وللسهر على راحة المواطنين وليس من أجل هيمنة فئة منهم.

على العكس من ذلك يكون كابت الرأي الذي يحصن نفسه عادةً بأجهزة أمنية متعددة لأنه جبان ولا يملك شجاعة العمل الطيب، وإنما يتلبسه جبن العمل القبيح. إنه يخشى الكلام ويرتعد من الهمس، ويكره أجواء التعاون بين الناس. تحيط به الشكوك وتشل تفكيره عقلية التآمر ولا يحب ان يرى اثنين من شعبه منسجمين ويمقت وجود حزب يطرح أفكاراً جديدة، ولا يهون عليه وجود تنظيمات أو جمعيات لا تسودها الإنشقاقات والصراعات. ولهذا لا يمكن أن يكون إلا عدوانيا يعمل في الخفاء ويطعن في الظلام، ولا يمكن إلا أن يقود شعبه إلا إلى المشاكل والهموم التي قد تتفجر في صراعات دموية.

فحيثما حكم كابت الرأي الاستبدادي يحيط نفسه بالعسكر وأجهزة المخابرات وأجهزة المخابرات على المخابرات، وهكذا. في ظله تكثر أجهزة الأمن ويكثر الجواسيس الذين يتجسسون على المواطنين وليس لحساب المواطنين، وتكثر التقارير والملفات الشخصية. ترهب هذه الأجهزة الناس وترعبهم وتنعدم الثقة فيما بينهم وتصبح الشكوك المتبادلة عاملا مشتركا فيما بينهم. ومعها تكثر الوصايا بعدم التطرق للحاكم ونظامه وتتطور ثقافة الحيطان لها آذان. ولا تقف الحرب عند بث الجواسيس بل يربط مثل هذا الحاكم لقمة خبز الناس بسلوكه. تتطور عنده مؤسسة حسن السلوك التي تعتبر مهانة للإنسان والمواطن، وتصبح الوظيفة مرتبطة بالولاء وتنفيذ سياسته. إن كنت مؤيداً سُهلت أمورك وكان سلوكك جيداً، وإن لم تكن حلت عليك لعنة الحاكم. يحصل الموالي على حسن سلوك ووظيفة وتسهيلات في المشاريع وما شابه، وغير الموالي يواجه العراقيل. وبهذا تتولد الكراهية المتزايدة بين الناس والتي تهدف إلى إطالة أمد الحكم.

حتى أن كابت الرأي الاستبدادي يشك في معاونيه والذين يوالونه. إنه سيء وجبان إلى درجة أنه يشك في أهل بيته وفي من يدافعون عنه. ولهذا يحرص أن تكون بين قادة أجهزته الأمنية منافسات وصراعات شخصية، وأن تسود الكراهية بين كبار معاونيه ووزرائه. ذلك من أجل أن يضمن انشغالهم ضد بعضهم البعض، وحتى يضمن عدم قدرة أي قيادي يفيق ضميره على عمل شيء ضد الحكم. وحتى يصعب على القيادي أن يفيق ضميره فإن الحاكم يغرقه ببعض المنح المادية الخاصة ليكون هو سيد النعمة ومصدر المزيد منها. وعليه فإن الاستبدادي يعمل دائما على توريط معاونيه بمفاسد مادية أو جنسية بحيث تصعب عليهم الصحوة.

ينطبق هذا إلى حد كبير على أغلب دول العالم الثالث. حكام هذا العالم في أغلبهم، مستبدون ولا يوفرون إلا هامشاً ضيقا جداً لحرية الرأي. هناك حرية في انتقاد مسؤول مؤسسة أو في المطالبة بترميم مبنى قديم، أو بتمديد مواسير مياه، أو ما شابه. لكنهم لا يتحملون بتاتاً الانتقادات أو الآراء الأخرى فيما يخص القضايا الأساسية في الدولة، ولا يتحملون خصومات سياسية أو أفكار سياسية مغايرة لما يرون. ولهذا يفتحون أبواب المعتقلات ويعمدون إلى تصفية مناوئيهم أو إرهابهم سواء من خلال لقمة الخبز أو إلحاق الأذى الجسدي بهم. إنهم من النوع الجبان الذي يتستر دائما على ما يفعل ويكره أن يسمع نقيض آرائه.

يعمد هؤلاء الحكام عادة إلى التغطية على أعمالهم بابتذال إعلامي يركز على ما يوصف بأعمالهم الحكيمة والعقلانية وسياستهم الشجاعة وإنجازاتهم العظيمة. ويحاولون إيصال رسالة للناس مفادها بأنهم أولياء النعمة وأن رفاء الناس وطعامهم مرتبط بالحكام، وعلى الناس أن يعترفوا بهذا ويسلموا أمورهم لمن وسع قلبه وتعمقت رحمة صدره. إنهم يثيرون إشمئزاز الناس واستهزاءهم ويفقدوهم الثقة بمختلف وسائل الإعلام والإعلاميين.

عبر الزمن، استطاع الحكام في العالم الثالث أن يخلقوا عصابات إعلامية موالية للأنظمة بحيث لم تعد هناك حاجة مخابراتية لفرض الرأي الواحد واستبعاد الآراء الأخرى. لقد ارتبط رجال الإعلام بالحاكم بحيث شكلوا عصابات تقوم مقام المخابرات، وأصبح الإعلامي رقيباً على ذاته وزملائه وأصحاب الرأي ولم تعد هناك حاجة لأجهزة مخابرات لتمنع النشر، بل إن محرر الجريدة يفعل ذلك بالنيابة.

يعمد الإستبداديون إلى تحميل أعوانهم ومعاونيهم مسؤولية الأخطاء التي ترتكب والفساد الذي يظهر على السطح، ويدفع هؤلاء الثمن في النهاية من أجل أن يبدو الحاكم المستبد نظيفاً، على الأقل من الناحية الإعلامية. وقد تطورت عبر الزمن مقولة أن الرئيس أو الملك محترم وحريص لكن المشكلة في مساعديه أو كما يقال فيمن حوله الذين لا يطلعونه على الحقيقة ويمارسون الموبقات باسمه دون أن يدري. وقد راجت هذه المقولة في الكثير من الدول العربية. لكن هذه المقولة هي أحد وسائل كابت الحرية للبقاء في الحكم وإبعاد التهم عن نفسه واستبعاد الإصلاح والمصلحين، وهي مقولة خاطئة أساساً. إنها غير مقبولة لأنه لو سمح الحاكم بحرية التعبير لنشط الناس والإعلام في التعرف على مواطن الخلل والفساد ولاستطاعوا من خلال ممارسة الضغط المتعدد الأشكال أن يصلحوا الوضع. لكنه يرفض الحرية أصلاِ لأنه هو الضحية الأولى لها. وهي خاطئة أيضا لأن أخلاق المساعدين من أخلاق الحاكم، الحاكم الشجاع يستعين بالشجعان والحاكم الجبان يستعين بالجبناء. فإذا سقطت أخلاق المعاونين فإن ذلك دلالة على سقوط أخلاق الحاكم، وإذا ثبت سمو المعاونين ثبت سمو أخلاق الحاكم. وإذا كان المعاونون يخفون الحقائق فذلك لأن سيدهم اعتاد التآمر وممارسة الفساد فتعلق بمن تمسك بعاداته واستعان به.

لهذا نجد في الدول التي تقدر حرية التعبير والرأي أن الرئيس يتحمل مسؤولية ما يجري في الدولة ومسؤولية تصرفات مساعديه. إنه يستمع عادة للآراء، والصحافة لا تترك له مجالاً ليختبىء وراء حجج وأعذار. يخضع الرئيس للتقويم والانتقادات وكذلك مساعدوه. فمن ثبت فساده وسوء خلقه وانحلاله لا يملك فرصة لقيادة العمل العام، أو الاستمرار في القيام بمسؤوليات عامة.

انسجاما مع جبن المستبد المتفرد بالحكم يتاح أحيانا المجال لتوجيه الإنتقادات لوزراء أو لمسؤولي المؤسسات. وظهر اتجاه في الصحافة العربية تم ترويجه على مستوى الشارع بأنه بإمكان الإنسان أن ينتقد من يريد وما يرى مناسبا شريطة ألا يمس بالرئيس أو الملك. وهذا اتجاه ينسجم تماما مع هامش الديمقراطية الممنوح حول قضايا ثانوية لا تمس أسس تنظيم الدولة وسياستها. ففي الدول القمعية هناك شخص واحد في كل دولة يقرر ما يشاء. هو الذي يعيّن وهو الذي يقيل، هو يقرر السياسة الخارجية ويقيم العلاقات مع الدول، هو الذي يمنح ويأخذ، هو الذي يؤتمن ويسرق، هو الذي يزوج ويطلق. إنه يتظاهر أحيانا بالحرص على المشورة فيعقد اللقاءات مع المسؤولين والمساعدين لكنه في النهاية هو صاحب القرار، هو الذي يأمر وينهى. فما الفائدة من نقد مسؤول في مؤسسة يمكن أن يُقال لفساده ويُستبدل بمن هو أكثر فساداً ؟

التعاطي مع هذه الطروحات الساذجة عبارة عن صفة ملازمة للاستبداد. حيال القمع والقهر وعدم القدرة على التعبير يعمد بعض الناس إلى البحث عن مخارج للتخفيف من تراكم الضغط فيتلهون بطروحات من هذا القبيل وهم يعرفون مسبقا أن المشكلة في الرأس أولاً وهذا التعاطي ليس غريباً أو مستبعدا لأن الإستبداد وأخلاق الإستبدادي تنعكس على الناس فيتعلمون الإنغلاق والتآمر، ويحقّرون أنفسهم إلى درجة يتساءل المرء فيها عن مدى قدرته على أي شيء أو عن (شو طالع بإيده). يستهين المرء بنفسه فيهون على الأعداء. ولهذا يجنح الشعب في ظل الإستبداد نحو عقلية التبرير والإسقاط. عقلية التبرير تبحث له دائماً عن أسباب الإخفاق والفشل دون أن يكون هو جزءأً منها، وعقلية الإسقاط تجعله يلقي بقرفه على الآخرين. ومن السهل أن تلمس شعوبنا العربية ومن ضمنها شعبنا الفلسطيني كيف أنها تعاني من العجز والتواكل، لكنها عبقرية في خلق التبريرات الخارجة عن الذات والتي تجعل من المهزوم بطلا ومن القزم عملاقاً. وهي تلاحظ تماماً كيف تحولت هزائمها بشكل عجيب إلى انتصارات، وتراجعاتها أمام الأعداء إلى إنجازات عظيمة.

وفي ظل الإستبداد والقمع يتحول الشعب بصورة عامة وليس مطلقة إلى شعب جبان. يزرع الحاكم في قلبه الرعب والإرهاب إلى درجة لا يقوى فيها على المقاومة أو مواجهة مسؤول أو موظف عادي. إنه مكسور الجناح والحسرة تلف قلبه والمرارة تسيطر على نفسيته. إنه سريع الهروب، خاوي القوى، وقواه الذهنية مستسلمة. فلا غرابة أن يحقق الأعداء على هذه الشعوب المقهورة من قبل حكامها انتصارات سريعة وسهلة. وإذا دققنا في الوضع العربي نرى كيف استطاعت الدول المعادية وعلى رأسها إسرائيل تحقيق انتصارات مريحة على العرب، وكيف أن العرب كانوا أضعف وأجبن من أن يقفوا بوجه أريتيريا التي احتلت الجزر اليمنية في البحر الأحمر. حتى على الصعد الأخرى غير العسكرية أبقى المستبدون على الأمة العربية متخلفة يلهث أبناؤها خلف لقمة العيش. صحيح أن أمورا كثيرة قد تغيرت في الوطن العربي عبر السنين لكن هذا التغيير خضع لفعل الزمن ولعلاقة التأثير المتبادل بين الأمم ولم يعبر عن تقدم حقيقي بالنسبة للأمم الأخرى. لقد اتسعت الفجوة العلمية بين العرب وبين الأمم الأخرى، وكذلك الفجوة التقنية والاقتصادية والاجتماعية وأصبح لزاما على العرب خلق أجواء سياسية جديدة يستطيعون من خلالها بذل جهود مضاعفة لتقليص الفجوة التي يتزايد اتساعها.

باختصار، أجواء الحرية تعبر عن حالة ذهنية وحياة ناهضة في تاريخ الشعوب. إنها تعبر عن خُلُق رفيع ورغبة في دفع عجلة التقدم إلى الأمام. يتحلى الناس ضمنها بقوة ودافع للعمل والإنجاز فيسود التعاون علاقاتهم ويستطيعون تحقيق إنجازات. أما في أجواء تغيب فيها الحرية ويسود فيها التفرد والرأي الواحد فإن الأخلاق تنهار وتسود عقلية التآمر والمصلحة الخاصة، ويتحدث فيها الناس عن انتصارات وهم يعانون من الهزيمة، وعن الإنجازات وهم يعانون من الأحزان والآلام. في ظل الحرية، يتحلى الناس بالشجاعة والقدرة على مواجهة الصعاب ويسود التفاؤل، وفي ظل الإستبداد يجبن الناس إلى درجة الخشية من الذات ويتقاعسون ويسهل تقهقرهم أمام الصعاب وتسود التمنيات والأوهام.

الإستبداد عبارة عن نفي لقدرات الناس، أو عدم الإعتراف بوجودها وتطويع إرادتهم على المستويين الفردي والجماعي لإرادة حاكم مستبد يرى أن عقله أفضل العقول وأن رؤيته للأمور عبارة عن حكمة إلهية أودعها الله فيه. يفترض الإستبداد أن الناس عاجزون وأنهم تبعيّون غير مبادرين، ويتسلح بالبطش والهيمنة لقمع من يظن أنه غير عاجز وتدفعه إرادته نحو التحدي.

يفترض الإستبداد أن الحاكم المستبد هو محور الحركة في المجتمع أو الدولة. إنه صاحب الرأي السديد والفعل الرشيد، وصاحب القول الحسن والحكيم في العمل. هو الذي يدرك الحق والحقيقة، والذي يعرف المداخل والمخارج، والعالم بالمفاتيح والأقفال. ومن فرط حكمته، كما قال أفلاطون، يعرف الزيجات المناسبة فيقرر من يتزوج من، ومن يطلق من حتى يكون الإنجاب على أعلى درجة من الكفاءة فيتوالد العباقرة. وفوق هذا ظن أكثر الإستبداديين في الأرض، وما زال أغلبهم عند هذا الظن، أنهم مفوضون من الله وأن الحكمة الإلهية قد اقتضت وجودهم كنعمة من النعم التي يغدقها الله على البشر المساكين.

لهذا لا يعمل الإستبدادي على إقامة مؤسسات حديثة تعمل حسب أنظمة لا شخصية تنطبق على الجميع، وإنما يقيم مؤسسات تأخذ الشكل الحديث لكنها خالية من المضامين اللاشخصية وتستند على أسس شخصية. وعليه فإنه لا يضع مقومات موضوعية لتولي المسؤوليات أو القيام بالمهمات في الدولة، وإنما يركز على مقومات ذاتية تخدمه هو بالذات. فحيثما نظر المرء في مجتمع أو دولة الإستبداد يجد الوساطات والمحسوبيات أسسا راسخة في ملأ الشواغر الرسمية والوظائف الحكومية. ذلك لأن الوساطة تؤكد تبعية الموظف الشخصية لحاكمه المستبد وتشكل سنداً للولاء. فالذي يحصل على عمل بدون كفاءة يبقى مدينا لمن منحه العمل وما يتبعه من امتيازات، ويبقى قابلا للإذلال والمهانة وتلبية المطالب والأوامر. وتعبر المحسوبية أيضا عن ذات القيم حيث يبقى الشخص مرتبطا بقيم غير القيم الموضوعية التي يتطلبها العمل.

وعليه فإن الإستبداد يقيم هرما من الولاءات الشخصية والتبعيات المتسلسة من الأسفل إلى الأعلى. فتجد مثلا الآذِن في مدرسة مدينا للمعلم، والمعلم للمدير، والمدير لمدير التربية، ومدير التربية لمساعد الوكيل، ومساعد الوكيل للوكيل، والوكيل للوزير، والوزير لرئيس الوزارة، ورئيس الوزارة لصاحب المهابة. كل واحد من هؤلاء ينافق لمن هو أعلى منه ويحاول إثبات ولائه الشخصي، وكل منهم ذليل وجبان أمام من هو أعلى منه في سلّم الوظائف.

الأمر لا يقف عند هذا، بل يُطلب أيضا من صاحب الكفاءة أن يتخلى عن كفاءته. الطلب ليس مباشرا لكنه جزء من النظام. يجد صاحب الكفاءة نفسه غريبا أو منبوذا إن لم ينسجم مع الجو العام ويجد نفسه في النهاية أمام خيارين : إما أن يتحول إلى القيم الشخصية أو أن يترك عمله. الغالبية الساحقة من الناس في ظل الإستبداد تختار النفاق وتتخلى عن القيم الموضوعية. وبالطبع، في أغلب الأحيان لا يحصل صاحب الكفاءة على عمل بسبب كفاءته ولكن بدعم من وساطة أو صاحب نفوذ.

ولهذا تغيب في مثل هذا الوضع أسس المحاسبة الموضوعية، وتبقى الأسس الشخصية هي المهيمنة. وما دام الأمر كذلك فليس من المهم أن يقوم المرء بواجبه وإنما أن يثبت باستمرار أن ولاءه الشخصي لا يفتر ولا ينثني. وبالتالي لا يكون غربيا أن تكون هناك مؤسسات وموظفون ورواتب وسيارات، إلخ، ولكن دون جدوى كبيرة أو نتائج جيدة. المؤسسة موجودة لكنها خاوية. فقد تكون هناك جامعة مثلاً تأخذ شكل أبنية ومدرسين وطلبة وتعطي رواتب وتمنح شهادات، لكنها متخلفة من الناحية العلمية وغير قادرة على الإسهام في التقدم العلمي والبناء التقني. أو ربما تكون هناك دائرة زراعة تهدف إلى تحسين أوضاع الفلاحين لكن مساحة الأراضي الزراعية تتقلص مع الزمن.

بسبب التركيز على الولاءات الشخصية يهتم المسؤول بمصالحه الشخصية أكثر من المصالح العامة، بل تبقى المصلحة العامة هامشية إن لم تستخدم لخدمة أغراضه الخاصة. فمثلاً نجده يهتم بترسيخ نفوذه الشخصي وأطماعه الشخصية فيميل إلى فرض هيبة زائفة في العمل وخارجه، إنها هيبة فارغة لا تشتمل على مضامين عملية تعود بخير عام. نجده يهتم أيضا بالدعوات الشخصية إلى موائد الطعام وبإلقاء كلمات خطابية والمشاركة في مهرجانات أو صلوات عامة.

كيف لمجتمع يسوده إستبداد يسوق معه كل هذه الحضال والقيم أن يتقدم؟ مثل هذا المجتمع لا يمكن أن يخطو إلى الأمام، وإن ظهر أنه يفعل فإنه فقط في مظاهر الأشياء وليس في جوهرها. تظهر عليه مظاهر إستهلاكية وأماكن ترفيه مثل البارات والخمارات ودور الدعارة والإنفلات الأخلاقي، ولا تظهر فيه مراكز الإنتاج والتقدم العلمي والإبتكار التقني والتحول الإجتماعي نحو العمل الجماعي. مجتمع الإستبداد مجتمع تخلف، وهو جدليا وعمليا لا يتقدم. إنه نقيض الإنسان، نقيض الكفاءة ونقيض الإنتماء للمجتمع أو الأمة. مهما كثر الكلام عن التقدم وكثرت الوعودات فإنه لن يتقدم لأنه لا يحمل في داخله إلا التخلف ولا يقوى إلا على ترسيخ التخلف.

السلطة الفلسطينية وطريقة البناء

أين هي السلطة الفلسطينية من أسس إرساء قواعد البناء، وما هي الخطوات التي اتخذتها من أجل تحقيق وعودها في التقدم ووحدة الشعب؟ هل هناك قاعدة فكرية

ومنهجية علمية توجهان مختلف الجهود وتصنعان قنوات متصلة لتصب في هدف واضح؟ حقيقة أنه لم يصدر عن السلطة الفلسطينية أو عن عرفات نفسه أي رؤية متكاملة لما يجب أن تكون عليه الأمور أو عن الوسائل التي يمكن استخدامها. كل ما صدر كان ضمن تصريحات صحافية أو خطابات غير ملزمة تتعلق بعبارات مطاطة حول الديمقراطية والبناء والنوايا الطيبة. لا يوجد بين أيدينا نظرة أو خطة عمل أو مجموعة أهداف، ولا يوجد قاعدة نظرية ننطلق منها لمحاسبة واقع عملي أو سياسات تجري على أرض الواقع.

ولهذا لا يوجد أمامنا سوى النظر في بعض السياسات العملية التي نستطيع من خلالها فهم سياسة السلطة الفلسطينية، والحكم على نوايا القائمين عليها حيال المجتمع الفلسطيني.

حرية التعبير والتنظيم

عندما يتم الحديث عن الديمقراطية أو الحرية في مناطق السلطة الفلسطينية لا بد من الإنتباه إلى أن السلطة ليست دولة وإنما عبارة عن حكم ذاتي مقيد باتفاقيات مع إسرائيل. بموجب هذه الاتفاقيات، لا تملك السلطة سيادة، ولا هي حرة التصرف بمنأى عن الرقابة والتدخل الإسرائيليين. لا تستطيع السلطة أن تُشرّع مثلاً حول قضايا يمكن أن تمس بالاتفاق أو أن تتعارض مع أي من بنوده، وهي لا تستطيع أن تلغي أمراً عسكرياً دون التشاور مع إسرائيل من خلال لجنة إسرائيلية - فلسطينية مشتركة. حتى أن المجلس الفلسطيني الذي هو المجلس التشريعي لا يستطيع إصدار تشريعات بدون توقيع رئيس السلطة، ورئيس السلطة يقيد توقيعه بما تم الاتفاق عليه مع إسرائيل.

ولهذا يتوجب الحذر عند الحديث عن الديمقراطية. فإذا كانت الديمقراطية تعني انتخاب نظام الحكم أو التصويت على دستور بمعزل عن أوسلو فإنها ديمقراطية غير ممكنة التطبيق في الأرض المحتلة/67. أما إذا كان المتحدث يعني التعددية ضمن نظام أوسلو وما انبثق عنه من اتفاقيات فإن الديمقراطية ممكنة الحصول. أي أن الحرية السياسية مقيدة، ولا يمكن التعامل معها كما هو الحال في دولة مستقلة.

هذا ومن المهم الإشارة هنا إلا أن الديمقراطية أو الحرية السياسية في الأرض المحتلة/67 لا يمكن أن تجد تأييداً إسرائيلياً أو أمريكياً جديا. تتحدث إسرائيل والولايات المتحدة عن ضرورة فتح المجال أمام الحريات وإقامة إنتخابات حرة ونزيهة، وتدافعان عن حقوق الإنسان وما شابه ذلك، إلا أنهما غير جديتين وذلك كما رأينا في الصفحات السابقة حول تأييدهما للاعتقالات العشوائية والمحاكمات الجائرة. لا يمكن لهاتين الدولتين أن تؤيدا حرية في الأرض المحتلة/67 شبيهة بالحرية في إسرائيل أو في الولايات المتحدة لأنهما تعرفان مسبقا أن النظام الحر لا يمكن أن ينجب اتفاقيات مثل أوسلو أو طابا. الصلح مع إسرائيل لا يتم إلا مع ديكتاتوريات بسبب حساسية العرب من إسرائيل وعدم قبولهم لها حتى الآن. ولهذا لا تصر الولايات المتحدة على حقوق الإنسان والحرية في البلاد العربية، وإن أصرت فإنها فقط تركز على دول عربية معينة خارج المظلة الأمريكية. الديمقراطية في الوطن العربي تهدد المصالح الأمريكية والإسرائيلية وتقود العرب إلى اتخاذ قرارات مستقلة عن الإرادة الأمريكية. وهذا ينطبق على مناطق السلطة الفلسطينية.

ضمن هذا الإطار نحاول اللمس على سياسات السلطة فيما يخص حرية التعبير والتنظيم.

عملت السلطة الفلسطينية منذ قيامها على تحمُّل الآراء التي تتحرك ضمن نظامها ومحاصرة الآراء الأخرى التي تخرج عن دائرة الرؤية الخاصة للقيادة الفلسطينية. وقد اتبعت السلطة أساليب العرب التقليدية في كم الأفواه المعارضة مثل التهديد المباشر والترغيب والترهيب وإلحاق الأذى والتشويه، إلخ. استخدمت سياسة الجزرة مع من يؤيدها وسياسة العصا أو التلويح بها لمن لا يؤيدها. ليس بالضرورة أنها نجحت تماماً، إلا أنها حققت جزئيا ما تريد.

وقد بدت هذه السياسة واضحة فيما يخص حرية الصحافة والصحافيين. فقد اتخذت السلطة عدة إجراءات ضد الصحف مثل النهار والوطن والاستقلال. حتى أنها اتخذت إجراءات محدودة ضد جريدة القدس التي تعتبر صحيفة مؤيدة لسياسات عرفات. ولم تنج صحيفة الأمة التابعة للجبهة الشعبية-القيادة العامة من الاعتداءات إذ دوهمت مكاتبها مرتين وأحرقت بعض موادها. أما فيما يخص محطات الإذاعة والمرناة المحلية فأصحابها يعرفون حدودهم ولا يستطيعون تجاوزها. إنهم لا يملكون حرية الخروج عن قواعد اللعبة الرسمية والتي تعرف الديمقراطية على أنها الآراء البناءة والتي تصب في مصلحة الوطن. وهذا التعريف يعني أن الآراء خارج الصلح مع إسرائيل وخارج إطار رؤية القيادة عبارة عن آراء هدّامة وغير وطنية ويجب محاربتها.

أما الإذاعة الفلسطينية الرسمية والمرناة فعبارة عن أبواق دعاية من الناحية السياسية. إنهما تمجدان القائد وحكمته وشجاعته ورجاحة عقله، ولا تجرآن على انتقاده. إنه مسموح في هاتين الوسيلتين أن تُوجّه إنتقادات لسياسة وزير أو مسؤول، وأن تُطرح آراء حول قضايا اجتماعية، أو حتى حول مواقف الولايات المتحدة السياسية، أو أن تناقش مشكلة في العراق أو أندونيسيا، لكن من غير المسموح به التعرض مباشرة لسياسة القائد ورؤيته لما يجب أن تكون عليه الأوضاع. وبما أنه هو الذي يقرر في الأمور الجوهرية فإن حرية التعبير فيهما لا تمس إلا قضايا ثانوية أو هامشية لا تؤثر في مجريات السياسة العامة.

بعض الصحف لم تعد تصدر مثل صحيفتي الوطن والأمة. تم استبدال صحيفة الوطن بعد منعها من الصدور بصحيفة الرسالة التي أخذت تصدر في غزة. إلا أن هذه الصحيفة أُغلقت عقب التفجير الثلاثي الذي قام به أفراد حماس في مدينة القدس بتاريخ 1/ أيلول/ 1997 وبعد حوالي شهرين سُمح لها بالصدور ثانية، لكن صدورها مُنع شهراً آخر لأن محرريها أعلنوا أنه سمح لهم بإصدار الجريدة. وقد فسّرت السلطة ذلك بأن عليهم الصدور بدون أن يعلنوا، أما أنهم أعلنوا فإنهم يستحقون العقاب. أما بالنسبة لجريدة الاستقلال الخاصة بالجهاد الإسلامي فلم يسمح لها بالصدور بعد.

أما الإرهاب على المستوى الشخصي فممارس أيضاً وذلك بهدف إسكات الأصوات التي تعارض الإتفاقيات مع إسرائيل أو توجه انتقادات للسلطة الفلسطينية. فمثلا أُطلقت النار على مؤلف هذا الكتاب في 20/8/1995م وأصيب بأربع رصاصات. قام بإطلاق النار شخص إسمه ماهر مصطفى دندن من مخيم بلاطة للاجئين الفلسطينيين وذلك بناء على طلب من جهاز المخابرات الفلسطيني. وتم اعتقال الدكتور محمد الزهار المتهم بتبوؤ مركز قيادي في حركة حماس، وتعرض للإهانات المتعددة. واعتقل عدد من قيادات حماس والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الشعبية - القيادة العامة. حتى أن بعض المعتقلين الفلسطينيين أمثال محمود الجميل ويوسف البابا لقوا حتفهم في السجون الفلسطينية نتيجة التعذيب.

أثارت ممارسات السلطة الفلسطينية القمعية منظمة العفو الدولية التي أوصت السلطة أن تعمل على شجب التعذيب ووضع حد لإفلات مرتكبيه من العقاب وإجراء تحقيق شامل وعلني حول التجاوزات وضمان حرية المدافعين عن حقوق الإنسان ووقف محاكمات محكمة أمن الدولة. (وثيقة منظمة العفو الدولية رقم 96/62/15 MDE الصادرة في أيلول، سبتمبر/1996).

المهم من كل هذا هو أن جمهور الشعب الفلسطيني في الوسط الشرقي وساحل غزة أخذ يتساءل عن مدى وطنية السلطة الفلسطينية، ومدى جديتها في صنع مستقبل مشرق للشعب الفلسطيني. القمع الذي اعتاد عليه الفلسطينيون تحت الاحتلال بقي متواصلاً، وكذلك عمليات التعذيب في السجون والتنكيل. حتى أن السلطة الفلسطينية بدت بعض الأحيان أكثر قمعاً من الإحتلال نفسه خاصة فيما يتعلق بحرية التعبير وتقديم المعتقلين إلى محاكمات ضمن إجراءات قانونية واضحة. لم يكن الاحتلال شديد القسوة على حرية الرأي والتعبير مثلما هي السلطة الفلسطينية، ولم يكن يحتجز شخصاً دون اتباع نمط قانوني واضح يستطيع المحامون والهيئات الدولية التأكد من سلامة الإجراءات المبنية عليه. لكنه من الواضح أن التعامل مع المعتقلين داخل السجون، بصورة عامة، أفضل بكثير من تعامل الاحتلال.

أصبح الفلسطيني يسأل نفسه عن جدوى الشعارات والمهرجانات والخطابات حول الاستقلال بينما يرى بنفسه أن الفلسطيني يعتقل الفلسطيني الآخر ولذات السبب الذي كان يعتقل الاحتلال الناس بناء عليه، وهو مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. لقد تحول النضال الفلسطيني بعد أوسلو إلى إرهاب، وتحولت الكلمة إلى خروج عن الصف الوطني.

السجن الفلسطيني أخف من الناحية المعيشية من السجن الإسرائيلي، لكن الفلسطيني أثقل وطأة على النفس من الإسرائيلي ذلك أنه لا يسهل على المرء أن يتجرع قيام فلسطيني باعتقال آخر لأنه يقوم بأعمال نضالية ضد الإحتلال الإسرائيلي، أو لأنه مشتَبه بتأييده للأعمال النضالية. إنه أمر صعب جداً خاصة أن البلاد ما زالت تحت الإحتلال واللاجئين ما زالوا يعيشون في المخيمات بعيداً عن وطنهم، وبناء المستوطنات ما زال مستمراً.

كما أن مسألة الاعتقال والكبت قد أصبحت مثيرة للاشمئزاز في الشارع الفلسطيني لأنه بات واضحا أن السلطة الفلسطينية تحاول إرضاء إسرائيل والولايات المتحدة من خلال أعمالها التعسفية. تلح إسرائيل والولايات المتحدة على السلطة الفلسطينية بضرورة الإلتزام بمحاربة ما تسميانه بالإرهاب ومحاربة الإرهابيين. وفي كل مرة تحصل فيها عملية عسكرية ضد هدف إسرائيلي تقوم السلطة مباشرة باعتقال أفراد من التنظيمات التي تقوم بهذه العملية، وذلك لتؤكد أنها تحارب الإرهاب. إنها تقوم بزج الفلسطينيين بالسجن كأداة إثبات أمام العدو بالإلتزام بإتفاق أوسلو ولتحسين الأوضاع التفاوضية مع إسرائيل والولايات المتحدة. وهي تبقي على المعتقلين في المعتقل بدون توجيه تهم محددة وبدون محاكمات، وتحولهم إلى رهائن يخدمون ما يسمى بالعملية السلمية.

الفساد الإداري

لا تكاد تخلو جلسة فلسطينية عادية من مناقشة الأمور السياسية، ولا تكاد تخلو في مرحلة أوسلو من الحديث عن الفساد الإداري الذي تمارسه السلطة الفلسطينية. هناك شعور عام تبلور من خلال مشاهدات الناس اليومية وتجاربهم الخاصة بأن السلطة الفلسطينية لا تحرص على المعايير الإدارية السليمة وتتبع أساليب غير علمية وغير قويمة في تسيير شؤون البلاد. تحاول السلطة أن تدافع عن نفسها بالقول أن الفساد موجود في كل العالم، لكنه لا يبدو أن هذه الجدلية مقنعة بالنسبة لجمهور الناس.

هذا وقد صدر تقرير رسمي عن هيئة الرقابة الفلسطينية في بداية عام 1997 يشير إلى نوع من التسيب المالي والإهمال والتبذير، وبين التقرير أن عدم الكفاءة الإدارية قد تسببت بهدر حوالي ثلاثمائة مليون دولار من الأموال العامة المنقولة منها وغير المنقولة. لم يفاجأ الشارع الفلسطيني بما أورده التقرير لكنه طالب بضرورة إجراء تحقيق ومعاقبة المسؤولين. تم تشكيل لجنة تحقيق من قبل السلطة وأخرى من قبل المجلس الفلسطيني المسمى بالتشريعي، إلا أن تغييراً إدارياً لم يحصل. قدّم أغلب أعضاء مجلس السلطة الفلسطينية استقالاتهم نتيجة هذا التقرير إلا أن عرفات لم يعمل على إحداث تغيير.

على الرغم من صدور هذا التقرير إلا أن المطلعين على الوضع لم يقنعوا به لأنه لم يأت على ذكر ميزانية رئيس السلطة الفلسطينية. هناك ميزانية خاصة لياسر عرفات لا يُعرف بالتحديد كل مصادر تمويلها، لكنه عرف من خلال وسائل الإعلام أن هناك دائرة إقتصادية مغلقة يديرها عدد محدود من الأشخاص لصالح عرفات، وهم يسيطرون على عدد من الوكالات التجارية لبضائع إسرائيلية وأجنبية ويحققون أرباحاً طائلة منها مثل وكالات الإسمنت وحديد البناء ومنتجات النفط. وقد أوردت بعض وسائل الإعلام مثل جريدة هآرتس الإسرائيلية أن لعرفات حسابات مالية خاصة في المصارف الإسرائيلية.

من المعروف أن عرفات، كما أوردت سابقا، لا يعيش حياة ترف ورفاء، لكنه يحتاج إلى الأموال من أجل التأثير السياسي داخل الشعب الفلسطيني. بدون أموال لا يقوى عرفات على كسب تأييد عدد من الناس، وقد ينقلب الشارع ضده وضد سياسته. وعليه تساءل عدد عن تقرير الرقابة حول ميزانية عرفات الخاصة، إلا أن الرقابة لم تقم بمراقبة مكتب الرئاسة. وهذا ما جعل أو أوحى إلى الناس بأنه من المحتمل أن الإشارة إلى مساعدي عرفات كمتورطين بالفساد عبارة عن أسلوب ميكافيللي لتحويل أنظار الناس عن عرفات نفسه.

على كل حال، حديث الناس لا يتركز حول القضايا المالية فحسب وإنما يلمس على مختلف جوانب الأمور الإدارية. وهنا أحاول أن أوضح، أبرز معالم الفساد الإداري :

أولاً: الوساطات

تعتبر الوساطات أبرزمعالم الفساد في الأرض المحتلة /67. الوساطات قائمة وموجودة في البلاد منذ زمن طويل وهي لها علاقة قوية بنمط الحياة العربية والعادات والتقاليد العربية، لكن وتيرتها ازدادت بشكل كبير بعد إقامة السلطة الفلسطينية. لقد أصبح من الاعتيادي أن يفكر المرء بالوساطة عند بحثه عن عمل أو وظيفة أو سعيه لإنجاز عمل أو غرض إداري ،ولم يعد من المستغرب أن يسأل الناس من هو معني بإتمام معاملة رسمية أو مسألة إدارية فيما إذا كانت لديه وساطة على اعتبار أن الوساطة ضرورية لإنجاز المهمة بدون عقبات كبيرة. المرء بحاجة الى شخص يدعمه أو يضغط من أجله حتى يستطيع الوصول إلى هدفه. للإنصاف ، لا تقوم كل المؤسسات الفلسطينية على الوساطات وإنما أغلبها، وهناك تفاوت بين مؤسسه وأخرى. لكن السمة العامة الغالبة هي أن الوساطة عبارة عن مؤهل قوي لكي يستطيع المرء الحصول على وظيفة أو قضاء مهمة، وفي كثير من الأحيان هي أقوى من الكفاءة العلمية أو المستوى المهني .

يعود مثل هذا التوسع الكبير في أعمال الوساطة إلى عقلية منظمة التحرير سابقا وإلى وريثتها السلطة الفلسطينية. فكما أوضحت سابقا، اعتمدت القيادة الفلسطينية أسلوب شراء الأشخاص والتأييد، وعملت دائما أن تكون لديها الأموال الكافية لإنجاز هذا التطلع. وما دام التأييد لسياسة معينة هو المحبذ كمقوم أو مؤهل للحصول على عمل، فإنه من المتوقع أن يتفوق على كل المؤهلات الأخرى. المؤهل العلمي والمهني والحرفي ضروري عندما يكون البناء هو الهدف، أما عندما يكون الهدف هو الإستقطاب وشراء الذمم والتأثير على المواقف السياسية فإن معايير أخرى تحل محل الكفاءة. الوساطة عبارة عن أسلوب شخصي في شغل الوظائف والمناصب، وهي تنسجم تماماً مع عقلية الاستقطاب السياسي والنمط الفردي في إدارة الشؤون، وهي من شأنها أن تربط الشخص الباحث عن وساطة بشخص الوسيط وتجعل منه مديناً مستمراً له. إنه يدين للوسيط بلقمة الخبز وبالوظيفة أو المنصب الذي حاز عليه، وحتى بالخدمة التي قدمها له، وهو يعي مسبقاً أن استمرار ما حصل عليه من فضل ونعمة منوط بعدم التمرد على رؤية الوسيط، بل وبالتمشي معها وخدمتها. ولهذا تفضل كل الدول الاستبدادية والحكام الفرديين الأسلوب الشخصي في بناء أجهزتهم. الأسلوب العلمي لا يخلق لدى الموظف شعوراً بالعبودية لأحد، وتبقى الكفاءة هي عنوان شخصيته الادارية، وهذا لا يخدم مصالح الاستبدادالوساطه لا تأتي بأصحاب الكفاءة بل بأصحاب الدناءة، وإذا أتت بصاحب كفاءة فإنها تفترض توفر الدناءة فيه أيضا. فقد يحصل صاحب كفاءة على منصب لكنه سرعان ما يفقده إذا أراد أن يقوم بعمله بطريقة علمية وحسب أسس منهجية، وإذا حصل صاحب كفاءة على منصب بوساطة فهو يعي مسبقا قواعد لعبة الوساطات ويعرف أن حدود الوظيفة متعلقة بما يريده المسؤول وليس بما يتطلبه الوطن أو الصالح العام.

تحمل الوساطة في داخلها معنى الإعتداء على حقوق الآخرين، وهي تختلف تماماً عن شخص يحاول التدخل دفاعا عن حق شخص آخر. إنها تدخل مباشر لدى المسؤولين لمنح شخص ما خدمة على حساب آخرين يستحقونها أو لهم الأولوية في الحصول عليها. إنها ممارسة عنصرية ضد أبناء الشعب وتتغذى على مقومات إقامة قواعد الإنصاف والقسط والعدل في المجتمع. أي أنها مظهر فسادي وإفسادي كبير من شأنه أن ينخر في بنية المجتمع ويحول العديد من أبنائه إما إلى انتهازيين أو ناقمين. إنها آفة خطيرة لا يعتمدها إلا النظام الذي يتآمر على شعبه ويعمل على إهلاكه لهدف أو لآخر.

الإعتداءات على حقوق الآخرين لا تقتصر في الأرض المحتلة على الوظائف الرسمية ولكنها تمتد الى المؤسسات الأهلية والخاصة. فمثلا اعتمدت المصارف التي تم فتحها في البلاد بعد أوسلو على الوساطات في شغل أغلب وظائفها، ومن السهل جداً أن ترى في أي مصرف أناساً ذكوراً وأناثاً معروفين بوضعهم الإجتماعي المميّز وأحوالهم الإقتصادية الجيدة. وإذا سألت ستجد أن أغلبهم قد دعمهم هذا الشخص المتنفذ أو ذاك. أما أبناء الفقراء والذين من الممكن أن يكونوا من المتفوقين فإن نصيبهم قليل جداً.

والحالة هذه، كثير من المناصب والوظائف العامة يشغلها أناس أصيبوا بدناءة النفس وبالإعتداء على حقوق الآخرين. وبما أن أغلبهم لا يملكون الكفاءة المطلوبة ويشعرون بالنقص الداخلي فإنهم يجدّون بإساءة التصرف مثل العجرفة أو الخيلاء أو احتقار الآخرين كوسيلة لإثبات ذواتهم. فمثلا تجد شخصاً في جهاز أمني يحاول أن يظهر سلاحه أمام الناس، أو أن يتلاعب به بنوع من البهلوانية، أو من الممكن إذا جادلت أحدهم أن يحذرك بأنك لا تعرف من هو، وإذا به في دائرة من دوائر السلطة، أو أن تجد شخصا يقود سيارة رسمية بسرعة كبيرة في شارع مزدحم، أو موظف كبير يأتي بمخالفة سير لسائق سيارة تجاوزت سيارته على الطريق، إلخ. أي أن الوساطات تأتي في النهاية بأناس غير أخلاقيين ويمارسون ممارسات لا أخلاقية.

التلاعب المالي

الفساد المالي، كما ذكرت في المقدمة كبير جداً، وهو يقدر بمئات الملايين من الدولارات. وهو لا يقتصر على نهب الميزانية العامة أو اختلاس وتبذير الأموال العامة وإنما يمتد ليشمل التحايل على الناس واستغلالهم وابتزازهم. وقد حاول كثيرون من أفراد السلطة الفلسطينية أن يستغلوا مواقعهم وصورهم الثورية لدى البعض لتحقيق مكاسب مادية، وساعدهم في ذلك تعاطف بعض الناس معهم من جهة وخوف البعض من الملاحقة من جهة أخرى.

هنا لا أنكر حق عدد من العائدين أو الموجودين داخل الأرض المحتلة أصلا من المساعدة ووقوف الناس معهم. لا شك أن عددا كبيرا من أبناء شعبنا قدم التضحيات بنوايا جادة نحو التحرير وخلاص البلاد وقد كانوا أمثلة رائعة في التضحيات والفداء والعطاء. فهؤلاء الذين ظنوا أنهم يقادون نحو هدف مقدس وأن التحرير لا بد آت في ظل الشعارات الوطنية التي كانت مطروحة يجب أن لا يتم تجاوزهم أو التنكر لما قاموا به وقدموه، ومن المفروض أن يُنصفوا ويأخذوا التقدير الذي يستحقون.

إن ما أتحدث عنه هنا هم أولئك الذين وجدوا في الصورة الشعبية حولهم وبمواقعهم وسائل لتحقيق مآرب شخصية على حساب الآخرين، عدد لا بأس به من هؤلاء احتلوا مراكز قيادية وهامة، وهم يتحكمون بمؤسسات حيوية في حياة الشعب الفلسطيني. وفي الغالب، يأتي هؤلاء من خلفية غير ثورية (أي لم يشاركوا في أعمال مواجهة العدو) وإنما من خلفيات سياسية انطلقت من المكاتب والفنادق أو مجالس التنظير غير المجدي. وبعضهم تميز بسلوكيات غير جيدة إبان وجود منظمة التحرير في بيروت وتونس، وبعضهم الآخر مشبوه بعلاقاته مع إسرائيل.

حاول مثل هؤلاء الحصول على أشياء لا حق لهم فيها مثل شراء بعض الحاجيات دون دفع الثمن، أو بناء بيت دون دفع الأجور للعمال، أو تسهيل صفقات تجارية مقابل نسبة معينة أو مكافأة محددة، أو الضغط على أثرياء لدفع نوع من الخاوات المالية، وهكذا أثار هذا السلوك-الذي لا يمكن تعميمه-مشاعر الناس وأثّر على تقييمهم للتطورات السياسية ولمجمل الاتفاقيات مع إسرائيل.

لم يتوقف التلاعب المالي عند هذا الحد، بل يبدو أن عددا من رجالات السلطة اشتغلوا بالتهريب والمواد المسروقة. لقد سرت في البلاد موجة السرقات خاصة من إسرائيل. كثيرون هم الذين بدأوا يتخذون من السرقة مهنة يعتاشون منها ويحققون أرباحا طائلة، وهم في ذلك يتعاونون مع عصابات إسرائيلية. تمتد أيدي هؤلاء إلى كل ما يمكن الوصول إليه إلا أنهم يولون اهتماماً خاصاً بسرقة السيارات. وجد عدد من لفلسطينيين المتنفذين فرصة لتحقيق أرباح من خلال منح تسهيلات للصوص وتحقيق أرباح سريعة. وبالطبع أثر هذا على مستوى الأداء الأخلاقي.

وقد اشتغل بعض المتنفذين بسرقات على المستوى المحلي فسرقوا آليات وممتلكات، حتى أن أيديهم امتدت إلى الآثار. وقد ضبط مسؤول آثار يستعمل سيارة ضابط برتبة عميد في محاولة سرقة آثار قرية فلسطينية سياحية. يقوم هؤلاء بأعمال دون حساب أو عقاب. في الغالب يتم التكتم على أفعالهم، أما إذا سرت الفضيحة فإنه يتم نقلهم إلى أماكن عمل جديدة أو إرسالهم في دورات خارج البلاد أو ترقية رتبهم. ويبدو أحيانا أن اقتراف الآثام والأعمال غير الطيبة يؤدي إلى علو الجاه أو التقدم في المنصب. فمثلا تمت معاقبة ضابط عرف عنه التزوير والتورط بأعمال تجارية غير مشروعة بإرساله في دورة تعليمية خارج البلاد. وكذلك تمت معاقبة ضابط تورط في اقتحام جامعة النجاح الوطنية بنقله إلى منطقة كان يريد الإنتقال إليها. أما ضابط المخابرات الذي بنى بيتا دون أن يكلفه مالا وثبت تورطه باختلاس أكثر من مائة ألف دينار تم نقله من أريحا إلى غزة، وهكذا.

هذا ولوحظ أن عددا من المتنفذين قد بنوا دوراً فخمة كلفت مئات الآلاف من الدنانير أو حتى الملايين كما هو الحال بالنسبة لأحد كبار المفاوضين الفلسطينيين. من أين أتوا بالأموال الطائلة وهم قد سبق وقالوا للناس أنهم كانوا ثواراً في الجبال والوديان ولم يكنزوا ذهبا أو فضة. كيف يصبح المرء ثريا ثراء فاحشا بصورة مفاجئة بينما لم يقم بأي نشاط قد يؤدي به إلى مثل هذه النتيجة مثل العثور على كنز تحت الأرض أو الفوز بورقة يانصيب؟

من الملاحظ أيضا أن هناك سوء استخدام للأموال العامة وحقوق الآخرين. فمثلا من المعتاد عليه أن يسرق بعض المسؤولين المخصصات التموينية لمركز معين من مراكز الشرطة أو المراكز الأمنية. ومن الواضح أن الرشوة تعتبر ظاهرة مقبولة لتسهيل الأمور الخاصة. أما السيارات الرسمية والهواتف الخلوية فيتم استخدامها بطريقة تسيء إلى المال العام والمشاعر الشعبية. تم توزيع سيارات وهواتف خلوية على عدد كبير من الموظفين الفلسطينيين وهي تستخدم لأغراض خاصة.

يتحدث الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة/67 عن حالات كثيرة من الفساد الأخلاقي، ويجري التركيز على ممارسات العنجهية التي من شأنها أن تحط من قدر الآخرين لصالح الشخصية الفهلوية التي تحاول إيهام الآخرين أنها قادرة أن تصنع الشيء الكثير بينما هي واهية. هناك سلوكيات من شأنها أن تضع حاجزاً بين الناس وبين أصحاب النفوذ في السلطة.

لكن يبدو أن أكبر تلاعب مالي علني تم من خلال التوظيف. إنطلاقا من سياسته في الاستقطاب واستعمال المال لشراء التأييد السياسي، عمد عرفات إلى تعيين أناس كثيرين في مناصب ووظائف إسمية لا عمل لها. فمثلا عين مئات المدراء العامين في المؤسسات الفلسطينية دون أن تكون لهم أدنى وظيفة. لأغلب الوزارات الفلسطينية عشرات المدراء العامين الذين لا يعملون أي شيء سوى أنهم يتقاضون راتباً في آخر كل شهر. وهذا ينطبق أيضاً على مستشاري الرئيس الكثيرين والذين لا يعملون شيئا أيضا سوى استلام الرواتب. فالرئيس غالبا لا يشاور أحداً ويمضي في سياساته حسبما يراه مناسبا.

الوظائف الضائعة هذه كثيرة ويجدها المرء في أغلب المؤسسات التي إن تفحصتها وجدت أن العمل فيها قليل جداً ويمكن تغطيته بربع الهيئة الموجودة.

وقد تجلى هذا التلاعب أيضا في الأجهزة الأمنية العديدة التي أقامتها السلطة. عملت هذه الأجهزة على توظيف عدد كبير من الشباب برواتب منخفضة وذلك بهدف إرضاء أكبر قطاع ممكن وكسب التأييد السياسي. ظن العديد من شباب فلسطين أن الدخول في جهاز أمني عبارة عن جاه كبير ويمنح الشاب سلطة يمكن أن تكون ذات مهمات واضحة. عدد لا بأس به من هؤلاء الشباب لا يعملون شيئا أو أنهم يمضون وقتا في مراقبة الناس لكتابة التقارير بحقهم.

أي أن جزءا لا بأس به من المال العام يهدر لقاء عدم القيام بأي عمل. وبدل أن تستثمر السلطة هذه الأموال في إقامة منشآت إنتاجية تفيد الأمة، تعمل على تقويض العملية الإستثمارية لصالح الإستزلام السياسي. وبالطبع يريح هذا الولايات المتحدة وإسرائيل والدول المانحة لأنه مدمر للحياة الإجتماعية الفلسطينية ويقود إلى الكراهية والتفتت.

الفساد الأخلاقي

يتحدث الناس أيضاً عن ازياد زجاجات المشروبات الروحية والبيرة على جوانب الطرق بصورة كبيرة جداً مقارنة مع عهد ما قبل السلطة. أصبح من السهل شراء الخمر والوسكي والشمبانيا، ولم يعد من الضروري أن ينزوي من يتعاطى المشروبات الروحية عن أعين الناس. هذا ناهيك عن أحاديث لها علاقة بالشرف والتسيب في بعض المكاتب والجري وراء الشهوات الجنسية.

ساهمت السلطة علانية في أعمال مشابهة فأقامت على سبيل المثال ملهى ليليا أسمته زهرة المدائن وهو الإسم الدال على مدينة القدس. لم يجد المشرفون عليه من كبار عناصر السلطة إسما لمكان غير مرغوب فيه سوى هذا الإسم الذي له وقع خاص في الأذن الفلسطينية، وكأنهم أرادوا التأكيد على ثوريتهم حتى في النوادي الليلية.

لقد اتسعت دائرة الفساد الأخلاقي بطريقة جعلت إسرائيل تستغلها وتعلق عليها أحياناً. فمثلا أعطت إسرائيل لعدد من رجالات السلطة بطاقات تسمى (VIP) أي شخص مهم جداً، ومنحتهم حق التجوال في إسرائيل. ويبدو أن هؤلاء اعتادوا السهر في بيوت تل أبيب الليلية إلى حد دفع أحد وزراء حكومة بنيامين نتنياهو للدعوة إلى فرض إغلاق على هؤلاء الناس بدل فرض الإغلاق على السكان في الوسط الشرقي وغزة عقب كل عملية عسكرية تقوم بها الحركة الإسلامية. وتفسيره هو أن هؤلاء سيشعرون بالضيق إذا لم يقضوا أوقاتا في تل أبيب مما يدفعهم إلى محاربة ما يسمى بالإرهاب والإرهابيين بجد وأمانة.

ومن المؤسف جدا أن نسمع وزيرا إسرائيليا يرد على طلب أحد رؤساء بلديات المدن العربية في المحتل/48 بالإفراج عن الأموال الفلسطينية بعد حجزها على أثر عملية عسكرية قامت بها حركة حماس بالقول بأن الأموال الفلسطينية في يد إسرائيل أفضل منها بيد السلطة وذلك لأن إسرائيل تحرص عليها وأما السلطة فتبددها وتبذرها. لقد تجرأ هذا الوزير بهذا القول ولم يجد أحدا في السلطة يرد عليه. وتفسيري أن أحداً لم يرد مخافة أن يرد الوزير الإسرائيلي بأرقام وأعمال حول تصرفاته الشخصية.

الجواسيس والعمل في السلطة

ليس من السهل أن يُطلَق اتهام بالجاسوسية لأن ذلك يتطلب الأدلة والإثباتات والمحاكمة، لكنني أنقل هنا ما يتوارد لدى العديد من الناس وما يرددونه في مجالسهم. يرى الناس إجمالاً أن عدداً من المشبوهين في تعاونهم مع الاحتلال ودول خارجية يحتلون وظائف ومناصب في السلطة. كان يُنظر إلى هؤلاء العدد بريبة وشك، ولكنهم أصبحوا في عهد السلطة أصحاب نفوذ. والناس لا يتحدثون عن أشباح وإنما يسمون المشبوهين بأسمائهم وصفاتهم وطرق معاملتهم للناس في ظل الاحتلال. في كل موقع أو قرية أو مدينة في الوسط الشرقي وغزة تتردد على الآذان أسماء من المتهمين بالخيانة والتجسس لأصحاب مراكز هامة في السلطة. الأسماء التي تتردد تشمل وزراء ومسؤولين أمنيين ومدراء عامين وموظفين عاديين.

عملت السلطة على ملاحقة بعض المتهمين بالخيانة والتآمر على الأرض والوطن، لكن عملها بقي محدوداً ولم تعتقل إلا نفراً محدوداً من المتهمين وتحت ذرائع غير الخيانة ذلك لأن اتفاق أوسلو وطابا يمنع ملاحقة عملاء إسرائيل. ويبدو من خلال وتيرة الإعتقال أن السلطة غير معنية بملاحقة جادة بقدر ما هي معنية بإعطاء انطباع شعبي طيب حول نواياها الوطنية. ولهذا لم نجد مساءلات للعديد من الأفراد الذين تدور حولهم الشبهات. هذا وقد تركزت اعتقالات السلطة على المتهمين بالجاسوسية من الفئات الشعبية غير المتنفذة، لكنها لم تقم بالتحقيق مع متهمين بالعمالة من الفئات المتنفذة والذين من الممكن أن يكونوا أشد خطراً من المتهمين بالجاسوسية.

هذا وقد أثبتت الأيام أن إسرائيل تخترق الصفوف الفلسطينية بشكل خطير. فمثلاً تذيع إسرائيل أنباء في بعض الأحيان عن مناقشات داخل مجلس السلطة والذي يسمى بمجلس الوزراء لم يسبق نشرها، وأحياناً تعترض سيارة وزير لأنها تعرف مسبقا أنه يقل بسيارته شخصاً يريد أن يعبر من مكان إلى مكان آخر يُمنع العبور إليه. وقد اعترضت سيارة عضو مجلس تشريعي لأنها كانت تعلم أن السيارة مسروقة من إسرائيل، واعترضت سيارة تابعة لجهاز الأمن الوقائي لأنها كانت تعلم مسبقا أنها تقل معتقلين من حماس مطلوبين لأجهزة مخابراتها. وتم الكشف عن عناصر في أحد الأجهزة الفلسطينية تعمل مع إسرائيل، وأعلن عن دخول قوات الأمن الإسرائيلية مدينة طولكرم واعتقال أحد أعضاء حركة الجهاد الإسلامي.

الأمثلة على الإختراقات الأمنية كثيرة، لكن المهم هنا هو أن الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة/67 أصبح يتشكك حول أداء السلطة الأمني وقدرتها على معالجة القضايا الأمنية الفلسطينية، بل ويتشكك في نواياها من حيث أن عدداً من المشبوهين يحتلون فيها مواقع هامة. هذه أمور لا علاقة لها بتقييم ذاتي لأوضاع السلطة، بقدر ما هي متعلقة بانطباعات الناس وآرائهم حول تطورات البناء الأمني الفلسطيني.

العمل في إسرائيل

سبق أن تم الحديث عن العمل في إسرائيل وتطور النظرة الوطنية تجاهه. لم يكن من المقبول مع بداية الإحتلال أن يعمل الفلسطيني في المنشآت الإسرائيلية لما في ذلك من دعم لاقتصاد العدو وتبعية اقتصادية فلسطينية لإسرائيل.ولهذا حاولت منظمة التحرير والدول العربية رصد الأموال لصنع اقتصاد فلسطيني يحرر العمال الفلسطينيين من رقّ العمل الإسرائيلي. لكن هذه الأموال لم تحقق الغرض، وازدادت أعداد العمال الفلسطينيين في إسرائيل إبان تدفق الأموال. والسبب هو الفساد المالي والإداري.

فشلت النظرة الاقتصادية الهادفة إلى توفير فرص عمل للعمال في الوسط الشرقي وساحل غزة، ولم يحقق الفسطينيون مقاطعة اقتصادية بحق المنتجات الإسرائيلية ولا صاغوا نمطاً اقتصادياً يحررهم ولو جزئيا من التبعية الإقتصادية، ومع الأيام ظهر عدد من السياسيين والاقتصاديين الذين بدأوا بالدفاع عن استحالة الفصل بين الاقتصاد الفلسطيني والاقتصاد الإسرائيلي وأنه من الأفضل استمرار الأمور على ما هي عليه. لكن هذا الموقف لم يستطع الدفاع عن نفسه إبان الحرب العراقية - الأمريكية عندما أغلقت إسرائيل خط الهدنة ومنعت العمال من العبور. لحق ضيق اقتصادي كبير بعدد من الناس، ولم تكن هناك وسيلة عامة لمساعدتهم. وفي مثل هذا الموقف لا يستطيع المراقب أن يلوم الفرد في بحثه عن عمل أو حتى عن وسيلة لإنهاء الحرب بهدف التوجه إلى مركز عمله في إسرائيل لأن عليه مسؤوليات أسرية عليه تلبيتها، أما اللوم فيقع على الذين يتحكمون بالسياسة والأموال العامة.

برزت الأزمة بصورة حادة بعد اتفاق أوسلو والعمليات الإستشهادية التي تبعت. عملت إسرائيل على إغلاق الأراضي المحتلة /67 عقب كل تفجير ومنعت العمال من مزاولة أعمالهم معللة ذلك بذرائع أمنية. لكن المهم هنا ليس أسباب إسرائيل وإنما رد فعل القيادة الفسطينية. بدل أن تبدأ القيادة بالتفكير جدياً في تغيير أسلوبها في التعامل الاقتصادي وصرف الأموال، توجهت إلى العالم للضغط على إسرائيل من أجل فتح أبواب العمل. توجهت القيادة إلى الأمم المتحدة والولايات المتحدة والدول الأوروبية للسماح للعمال بمزاولة أعمالهم لأن الطوق يجوع الناس ويدفعهم إلى معارضة الاستمرار في المفاوضات السلمية. لقد تحولت الأمور فأصبح العمل في إسرائيل الذي كان يعتبر خيانة مطلبا وطنيا من المفروض حشد الطاقات وبذل الجهود لتأمين استمراره.

قالت قيادة الشعب الفلسطيني للشعب وللعالم أنها جاهزة لإقامة دولة لأنها أقامت المؤسسات المختلفة التعليمية منها والصحية والإدارية وغيرها والتي تستطيع من خلالها إدارة أمور الدولة. لقد قالت أنها، في عملية البناء، قد بلغت من النضوج والتطور والاستعداد إلى الحد الذي يجعل الدولة أمراً ممكن القيام في وقت قصير. لكنها لم تقل أنها ستقيم دولة تعتمد على العمل في إسرائيل وعلى أموال الدعم القادمة من الخارج. أي دولة هذه ستكون؟

المطلب الوطني على مدى السنوات التي أعقبت اتفاق أوسلو تركز على رفع الطوق والسماح للعمال بالعمل بإسرائيل. هكذا هو الوضع ببساطة. فإلى أي حد نحن جادين في مطالبنا الوطنية؟ وإلى أي حد يمكن أن يحترمنا عدونا ويحترم مطالبنا؟ وهل حقاً نريد دولة ونريد إستقلالاً؟ وهل يترك من يريد الدولة شعبه عالة على الآخرين؟ وهل حقاً نريد إضعاف العدو إذا كانت طاقتنا الإنتاجية تدعم إقتصاده؟

الإستيطان

في الحين الذي يتحدث فيه العالم ووسائل الإعلام عن سلام بين إسرائيل وبعض الفلسطينيين تقوم إسرائيل بشن حرب استيطانية شعواء ضد الشعب الفلسطيني. آلاف الدونمات تصادر هنا وهناك في الأرض المحتلة/67، وبيوت سكنية تبنى في مستوطنات عدة، والأموال ترصد لإنجاز المزيد من الأعمال الاستيطانية. وتبعا لذلك يزداد عدد المستوطنين وتزداد الهموم والأخطار التي يفرضونها على الواقع الفلسطيني.

لا يتم الاستيطان بمعزل عن جغرافيا الأرض المحتلة/48، بل يجري بطريقة تخلق تجمعات استيطانية وسكنية تندمج تدريجيا وبسلاسة مع المناطق السكنية اليهودية. ولهذا تتشابك المستوطنات بطرق التفافية تحاصر التجمعات السكانية العربية، ويتم دمجها اقتصاديا واجتماعيا مع الاقتصاد والمجتمع الاسرائيليين حتى لا تكون لدى المستوطنين مشاعر بالعزلة أو الانفصال أو التمييز. أي أن الاستيطان، كما تم تنفيذه من قبل حزب العمل، وكما يتم تنفيذه من قبل الليكود الآن يعبر عن عقلية واحدة وهي العمل على توسيع إسرائيل لتشمل كل الأراضي الفلسطينية الانتدابية، على الأقل في هذه المرحلة التاريخية.

بلغة أخرى، عملية الاستيطان القائمة عبارة عن عملية ضم فعلي للأرض المحتلة/67، وهي اتجاه قوي نحو فرض واقع عملي اكثر بلاغة وأشد قوة من إصدار القوانين وإقامة المراسيم الاحتفالية. يخرج المتتبع لواقع الاستيطان عمليا وعلى أرض الواقع بسهولة بنتيجة واضحة حول السياسة الاسرائيلية التي لم تتغير بصورة جذرية والتي أصرت على التوسع باستمرار بما يتناسب مع القدرة على التمدد سواء من الناحية السكانية أو العسكرية أو الظروف الدولية.

استمرت السياسة الاسرائيلية على ما كانت عليه في السبعينات والثمانينات والتي تعبر عن مخططات مسبقة لدى كلا الحزبين الكبيرين والتي تقوم أساسا على منطلق أيديولوجي يعتمد التوسع حسب الطاقة. لكن هذه السياسة أخذت منحنى تكتيكيا جديدا أتاح لها مرونة أكبر في المناورة السياسية والتنفيذ الفعلي. فبدل اعتماد سياسة المواجهة التي قد تكون مثيرة على الصعيدين المحلي والعالمي، أتاحت عملية “السلام” الحالية أمام إسرائيل فرصة العمل تحت غطاء من عدم الحرج والموافقة الضمنية من قبل أطراف عدة على ما تقوم به. بسبب هذه المرونة استطاع حزب العمل بقيادة شمعون بيرس زيادة عدد المستوطنين بصورة كبيرة ومصادرة مئات الآلاف من الدونمات وشق عشرات الكيلومترات من الطرق الالتفافية، وبسببها يستمر الليكود الآن بتنفيذ سياسته دونما حرج أو ضغط متناسب مع حجم الخطر الذي يتعرض إليه الفلسطينيين.

عملية السلام الحالية لم تضع أي قيود على الاستيطان، ولم تطلب من دول العالم الضغط من أجل عدم إجراء تغييرات على الأرض. تطرقت اتفاقية أوسلو إلى الاستيطان ولكن كموضوع يؤجل البحث فيه حتى محادثات الوضع الدائم. ولم تأخذ الاتفاقية باعتبارها أن أعمال الاستيطان الإضافية من شأنها أن تحدد سلفا نتيجة المحادثات المقبلة. فالذي تتوفر لديه نية التكافؤ في التفاوض لا يراكم أسباب الضغط التفاوضي خاصة إذا كانت يده أساسا هي اليد العليا، والذي يبغي الوصول الى حل جذري لمشكلة لا يعمل على تعقيدها.

بالرغم من ذلك لم تضع الاتفاقات التي أعقبت أوسلو وهي القاهرة وطابا والخليل قيودا على الاستيطان، ولم يكن الاستيطان المتزايد موضوع بحث في أي منها. وبقي الجانب الفلسطيني في العملية السلمية صامتا حول الأعمال الاستيطانية إلا من بعض الأعمال التظاهرية الاحتفالية مثل الدعوة إلى التجمع على أرض مصادرة أو الصلاة عليها. وهذه أعمال تهدف فقط إلى اثارة الإعلام وإشباع الإستهلاك المحلي العاطفي. إنها أعمال لا تؤدي في النهاية إلى نتائج ملموسة تغير من الواقع.

حتى أن الولايات المتحدة التي كانت تضغط أحيانا من أجل وقف الاستيطان لم تعد تعط الموضوع أولوية في تدبيرها للأمر في المنطقة. فالضغوطات المالية التي مارستها على إسرائيل من أجل تجميد الاستيطان لم تظهر على السطح في هذه الآونة، بل أنها قدمت تسهيلات مالية لحزب العمل بعد انتخابه عام 1992م والذي استمر في الاستيطان بعد توقيع اتفاقية أوسلو مع قيادة منظمة التحرير. وكأن لسان حال الولايات المتحدة يقول بأنه إذا كان أصحاب الشأن وهم الفلسطينيون يعقدون اتفاقية مع إسرائيل دون الإصرار على وقف الاستيطان فلماذا يستمر الأمريكيون في الضغط. وهذا لسان منطقي.

من المعروف دوليا أن الاتفاقيات تلزم الأطراف المختلفة الموقعة عليها لكن ضمن حدود بنودها. إنها لا تلزم أي طرف بأي موضوع أو عمل غير منصوص عليه بوضوح. ولهذا تتجنب الاتفاقيات العبارات المطاطة والغامضة التي يمكن أن تحمل أكثر من تفسير. في موضوع الاستيطان، لم تضع اتفاقية أوسلو مسألة الاستيطان بصورة غامضة وإنما تجاهلتها تماما وكأنها ليست بالموضوع الساخن الذي يتطلب الحسم السريع. وكأن من شأن هذا التجاهل أن يطلق يد إسرائيل تماما للعبث في الأرض كما ترى مناسبا ودون أن يكون للفلسطينيين حجة أمام العالم سوى الحجة الأدبية. لكن من المتوقع، كما هو الأمر تاريخيا، الا تلعب الحجة الأدبية أو متطلب النوايا الحسنة دورا في ثني إسرائيل عن سياستها العملية. فالعالم لا يتعامل مع حجج أدبية أو نوايا طيبة.

بعبارة أخرى، منحت الاتفاقيات مع إسرائيل لإسرائيل فرصا تاريخية لاستكمال مشروعها التوسعي المؤقت الذي يشمل فلسطين الانتدابية وذلك بإعطائها غطاء من الشرعية للاستمرار في الاستيطان ومحاصرة الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة/67 في جزر سكانية أشبه بأرخبيل تنفصل أجزاؤها بحواجز جغرافية وموانع أمنية.

أعلنت حكومة حزب العمل في حزيران يونيو 1992م قرارا بتجميد الاستيطان لمدة عام وذلك لتحسين الأجواء التفاوضية بين إسرائيل ومنظمة التحرير. وأرادت حكومة العمل أن تستقطب الدعم المالي الأمريكي لغاية المضي في مشاريع الإسكان الخاصة باليهود الذين هاجروا من روسيا بعد تفكك الاتحاد السوفييتي. فقد سبق أن رفضت الولايات المتحدة تقديم اعتماد مالي أمريكي بقيمة عشرة مليارات دولار يسهّل على إسرائيل عملية الاقتراض لتمويل مشاريعها الإسكانية وذلك بسبب رفض حكومة الليكود التوقف عن الاستيطان في الأرض المحتلة/67. تغيرت الظروف مع فشل الليكود في انتخابات 1992 وفوز العمل.صنفت حكومة العمل المستوطنات حينها إلى مستوطنات سياسية وأخرى أمنية. ووعدت بالتجميد في الاستيطان السياسي. لكنها رفضت التجميد في مدينة القدس على اعتبار أن المدينة عاصمة إسرائيل الأبدية، واستمرت في بناء المساكن التي كانت في طور متقدم من الإعداد. وقد أعلنت الولايات المتحدة في حينها أنها ستراقب أعمال البناء عبر الأقمار الصناعية بهدف فحص التزام الحكومة الإسرائيلية بوعودها.

تبين فيما بعد أن إسرائيل قد جمدت البناء فعلا في عدد من الوحدات السكنية بلغ حوالي ثمانية آلاف وحدة شملت وحدات لم تُبرَم عقود بنائها وأخرى أبرمت عقود بنائها ولم يبدأ العمل بها بعد، ووحدات كانت في المراحل الأولى من التأسيس. لكن هذا التجميد لم يمنع البناء ونمو سكان المستوطنات. فقد أشارت الإحصاءات إلى أن عدد المستوطنين في الضفة الغربية دون القدس قد ازداد من حوالي 97000 مستوطن إلى 123000 مستوطن وذلك حتى نهاية عام 1995م، وازداد كذلك في تلك الفترة عدد المساكن الاستيطانية في العديد من المستوطنات مثل معاليه أدوميم، بيتار، إفرات، أريئيل، كريات سيفر، ألفيه منشيه، علي زهاف، دوليف وبيت حورون وغيرها.

أما مصادرة الأراضي فلم تتوقف في عهد حكومة حزب العمل. قدرت بعض المصادر أنه تمت مصادرة حوالي 150000 دونم (الدونم=0.25فدان) في الفترة الواقعة بين توقيع اتفاق أوسلو وسقوط حكومة العمل، بينما قدرت مصادر أخرى أن الرقم ضعف ذلك. فقد تمت مصادرة أراضي في شويكة وارتاح ومخماس وقلندية والجانية، وأبو غنيم، والخضر، وأرطاس، وبيت أمين وغيرها.

هذا وقد تمت مصادرة أراضي بهدف شق طرق التفافية بلغت مساحتها حوالي 60000 دونم. فقد تم شق طريق يلتف حول أريحا بطول 17كم، وطريقين حول مدينتي رام الله والبيرة، وكذلك حول مدن طولكرم ونابلس والخليل وبيت لحم.

أما بعد سقوط حكومة العمل واستلام الليكود للحكم. ازداد البناء الاستيطاني وازدادت مصادرة الاراضي. فإذا كانت حكومة العمل تقوم بأعمالها الاستيطانية ومصادرة الاراضي بصمت، فإن حكومة الليكود لم تجد ضرورة للاختفاء خاصة أنها أعلنت في برنامجها الإنتخابي أنها لن تتخلى عما تسميه أرض إسرائيل ولن توقف الاستيطان أو تجمده. وقد قامت بمشاريع إسكان واسعة النطاق وصادرت مساحات واسعة من الأراضي في الوسط الشرقي وساحل غزة، وبادرت إلى إنشاء مستوطنة جبل أبو غنيم القريب من مدينة بيت لحم.

لكن حكومة الليكود، شأنها شأن حكومة العمل، امتنعت عن بناء مستوطنات جديدة والتزمت بتوسيع المستوطنات القائمة، باستثناء مستوطنة أبو غنيم والتي اعتبرتها داخل حدود بلدية القدس الموحدة حسب القانون الإسرائيلي لم تعمل حتى نهاية عام 1997م على إقامة مستوطنات جديدة، ولم يكن هذا حسب برامج الحكومات الإسرائيلية اعترافا إسرائيليا بأن الأرض التي يمكن أن تقام عليها المستوطنات ليست أرضا إسرائيلية وإنما تمشيا مع متطلبات السياسة الآنية لمرحلة التفاوض التي قد تقود إلى سلام واستقرار في المنطقة.

رد الفعل الفلسطيني على الاستيطان

كان رد الفعل الفلسطيني على الاستيطان حاداً من ناحية التصريحات والجهود الديبلوماسية ولكن بصورة انتقائية. أي أن رد الفعل الفلسطيني لم يكن على ذات الوتيرة في كل الحالات، وتراوحت الحدة من حالة إلى أخرى وأيضا حسب الحزب الحاكم. فمثلا لم تقم هناك احتجاجات فلسطينية قوية حول توسيع المستوطنات في عهد حكومة العمل، لكن رد الفعل كان قويا عندما حاولت حكومة العمل برئاسة رابين الاستيطان في أبو غنيم. إزاء الضغوطات الديبلوماسية قرر رابين أن يجمد، لا أن يلغي، الاستيطان في المكان. كذلك قام رد فعل فلسطيني قوي حول مصادرة بعض الأراضي في منطقة المصرارة في القدس وتحت ضغط أمريكي ومن الأمم المتحدة، عدلت حكومة العمل عن الفكرة.

لكن احتجاجات السلطة الفلسطينية حول توسيع المستوطنات من قبل حزب العمل لم تكن في الغالب مسموعة، وكأنه كان هناك اتفاق خاص مع الجانب الأمريكي بأن يتم العمل في المستوطنات حسب تصنيفات تجيز الاستمرار في البناء. أما الاحتجاجات الفلسطينية حول مصادرة الاراضي الخاصة بالطرق الالتفافية فقد كانت للاستهلاك المحلي. فقد تم الاتفاق خارج اتفاق طابا بأن إسرائيل لن تبدأ بتطبيق اتفاق طابا إلا بعد بناء الطرق الالتفافية التي تعتبر حيوية بالنسبة للمستوطنين وربط المستوطنات بعضها ببعض. أي أن الجانب الفلسطيني كان يعرف مسبقا أن الطرق الالتفافية ستأتي على بعض الأراضي، وأن تطبيق الاتفاق لن يتم بدونها. وعلى الرغم من هذا كان يخرج مسؤولون فلسطينيون للتظاهر مع الناس احتجاجا على مصادرة الأرض وشق الطرق، وكانوا يطلقون التصريحات حول نوايا إسرائيل السيئة واستحالة استمرار عملية السلام في ظل أعمال المصادرة والاستيطان. وبالطبع كانت صحفنا تورد التصريحات الفلسطينية بالخط العريض وتركز على الخطر الذي يتهدد عملية السلام.

الاحتجاجات على الاستيطان في عهد حكومة الليكود بدت أكثر حدة، لكنها أخذت زخما كبيرا بسبب الاستيطان في أبو غنيم. وقد وعد الجانب الفلسطيني أن المفاوضات مع إسرائيل لن تستأنف إلا بعد التوقف عن الاستيطان في الموقع، لكن هذا الوعد لم يتم الالتزام به. استمر العمل في أبو غنيم واستمرت المفاوضات. أما الاحتجاج حول مصادرة الأراضي فقد أخذ شكل الاعتصام في الموقع المصادر والصلاة فيه والدعاء لتدمير اليهود ومن والاهم.

على الرغم من الاحتجاجات والجهود الديبلوماسية، لم تصارح السلطة الفلسطينية الشعب بحقيقة الأمور وأنها وقعت على اتفاق لا يلزم إسرائيل بالامتناع عن مصادرة الأرض وبناء المستوطنات أو بتجميد هذه النشاطات. لا يوجد في اتفاق أوسلو أو القاهرة أو طابا ما يلزم إسرائيل بذلك. ولم يحصل أن قالت السلطة للناس أنها وافقت على الطرق الالتفافية، أو أن المفاوضات ستستمر على الرغم من الاستيطان في أبو غنيم. لم يكن هناك صراحة ووضوح جريا على سياسة قيادة منظمة التحرير التي كانت دائما تتلاعب بالألفاظ والمشاعر كسياسة داخلية تلهي الناس عن رؤية حقيقة ما يجري.

خلاصة

عملت السلطة الفلسطينية على إنشاء بعض المؤسسات الضرورية للمجتمع المدني في هذا الزمن مثل مؤسسات المقاييس والجغرافيا والإحصاء والجوازات وما شابهها. لكن هذه المؤسسات على علاقة بتسيير الحياة المدنية للناس وليست بالضرورة على علاقة بالتحرير والخلاص من الاحتلال وبناء الدولة المستقلة. فهذه مؤسسات مفيدة على مستوى الحكم الذاتي وعلى مستوى الدولة أيضا. وعلى الرغم من الكلام الجميل حول بناء الدولة والوعودات الحالمة إلا أن هذه المؤسسات تعاني من الفساد والتخبط الإداري.

تم إنفاق بعض الأموال في طرق تعود بالفائدة على الجمهور مثل مساعدة مرضى الحالات الصعبة وتعبيد بعض الطرق في القرى والمدن وتشغيل بعض الشباب الذين عانوا من البطالة، لكن المشكلة تبقى في أن الفساد أكثر بروزا من الحرص. ويبدو أن أساليب الإنفاق في عهد السلطة لا تختلف عن أساليب منظمة التحرير الفلسطينية. هناك أموال تذهب في الطرق الصحيحة وهناك أموال تستخدم في الاستزلام وشراء الذمم. ومثلما تم إهدار الأموال في السابق يتم إهدارها الآن، ومثلما قاد السابق إلى نتائج مدمرة على الشعب الفلسطيني ستقود المرحلة الحالية إلى ذات المصير.

يأمل الكاتب أن تحقق السلطة الفلسطينية الأهداف التي تواصل إسماعها للشعب، لكن المسألة لا تتعلق بآمال شخصية وإنما بقضايا موضوعية مثل أسباب القوة والعزة الحكمة. وهذه هي لب العمل الأخلاقي الذي يعطي العمل العام معناه ويجعل من الوعودات حقائق. فإذا غابت الأخلاق تحولت الآمال إلى تمنيات والأحلام إلى قلق وأرق. وللشعب أن يحكم فيما إذا كان على الطريق نحو الصواب. لكن الأمر يبقى بيد الذين يرون الخطأ ويصمتون إزاءه أو يهادنونه أو يسيرون في ركبه، أو يعملون على تغييره.