المعارضة الفلسطينية
على الرغم من أن قيادة ياسر عرفات تتحمل مسؤولية مجريات الأمور على الساحة الفلسطينية لأنها امتلكت مقومات التأثير على الناس والحشد السياسي والإعلامي إلا أن المعارضة الفلسطينية تتحمل جزءا من المسؤولية . امتلكت قيادة المنظمة المتمثلة بياسر عرفات المال والتأييد العربي والدولي وحصلت على تأييد إعلامي واسع، لكن هذا لا يعفي المعارضة الفلسطينية من المسؤولية ولا يجعلها بريئة من الوضع الذي وصلت إليه القضية الفلسطينية. وعلى الرغم من أن بعض فصائل المعارضة تقول أنها من قيادة منظمة التحرير، إلا أن هذا الكتاب يتعامل مع القيادة على أنها ياسر عرفات وأنه هو الذي يقرر المجال الذي يمكن أن تتحرك فيه الفصائل المختلفة ويكون رأيها مسموعا.
يصعب على الكاتب أن يحدد ما هي المعارضة الفلسطينية والوقت الذي أخذت تُعرف فيه على أنها معارضة. لكنه من الممكن الوصول إلى تعريف بعدما نتجاوز الزمن الخاص بمرحلة النضال الوطني حتى اتفاق أوسلو، وسيتم البحث فيه في الصفحات القادمة. لكنه يبقى من المهم الإشارة إلى بعض المحطات في الخلافات داخل منظمة التحرير لتتضح خلفية بعض الأطر المعارضة.
سبق أن أشرت في بداية الكتاب أن عدد الفصائل الفلسطينية قد تزايد بعد هزيمة عام 1967 وذلك تبعا لرؤى مختلفة ومتباينة لما يجب أن تكون عليه المقاومة الفلسطينية. كانت فتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة جورج حبش على رأس هذه الفصائل وكانتا تمثلان خطين لا مفر من تضاربهما أو تقاطعهما وهما الخط الوطني والخط القومي. وكانت تبرز بين الحين والآخر بعض التوترات بسبب انعكاس كل خط على واقع المقاومة. فمثلا وجدت الجبهة الشعبية في أواخر الستينات أن خطف الطائرات المدنية يساعد الشعب الفلسطيني في نضاله الوطني، بينما رأت فتح أن الخطوات غير المحسوبة بهذا الصدد قد تقود إلى إحراج على الساحتين العربية والدولية. وكمثال آخر، شهدت الحركتان توترات مسلحة فيما بينهما لأسباب مختلفة كانت تؤدي إلى وقوع خسائر في كلا الجانبين. لم يكن غريبا أن تتخاصما بشأن موقع أو قاعدة عسكرية أو انتماء بعض العناصر.
لكن التوتر السياسي بين الحركتين شهد حدية عام 1974 عندما قبلت منظمة التحرير البرنامج المرحلي الذي قبل بإقامة سلطة وطنية فلسطينية على أي جزء من فلسطين يتم تحريره. رأت الجبهة الشعبية في حينه أن المنظمة انتهكت الميثاق الوطني الفلسطيني وأنها في طريقها نحو المساومة. وكانت النتيجة أن انسحبت الجبهة من المنظمة لتكون قائدة لشبه معارضة فلسطينية. لكن الجبهة عادت إلى المنظمة بعد فترة. وعلى الرغم من عودتها إلا أنها كانت محط أنظار غير المرتاحين لسياسة منظمة التحرير بصورة عامة، ولسياسة عرفات بصورة خاصة.
كان هناك بعض الجبهات أو التنظيمات غير المنسجمة تماما مع سياسة ياسر عرفات، أو أن انسجامها كان يتأرجح بين الحين والآخر وتبعا للظروف. من هذه التنظيمات القيادة العامة وتنظيم الصاعقة الممول من سوريا، وإلى حد بسيط الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين التي خرجت عن الجبهة الشعبية لأسباب عقدية. لكن هذه التنظيمات لم تكن ذات فاعلية عالية في توجيه السياسة الفلسطينية، ولم تكن قادرة على البروز إلى واجهة الحدث وترتيب الأوضاع الفلسطينية. انشقت حركة فتح المجلس الثوري عن حركة فتح بقيادة صبري البنا في بداية السبعينات لعدم ارتياحها للأسلوب القيادي الذي لم يكن “ثوريا” بالدرجة الكافية. لكن الحركة لم تكن جماهيرية وبقيت مغلقة وذات نمط عسكري من نوع محدد، ولم تستطع أن تشكل قاعدة لمعارضة يمكن أن تتطور.
لكن المهم في هذه التنظيمات الفلسطينية أنها اعتمدت في أغلب تمويلها على منظمة التحرير، وحيث أن فتح بقيادة عرفات كانت تشكل القوة الأكبر في المنظمة والمسيطرة على مختلف أجهزتها فإن عرفات كان يحكم الأموال الضرورية جدا لاستمرار هذه التنظيمات. صحيح أن بعض التنظيمات كانت تتدبر بعض الأموال من خارج منظمة التحرير إلا أن اعتمادها على أموال المنظمة أخذ يتزايد مع الأيام ومعه أخذت قدرتها على معارضة عرفات تتقلص. ويبدو أن السنوات التي توالت عبر الثمانينات شهدت معارضة شفوية لسياسات عرفات وشهدت تفهم عرفات لهذه المعارضة.
غضبت التنظيمات الفلسطينية المختلفة بعد أن قام عرفات بزيارة النظام المصري عام 1983 على إثر القتال الفلسطيني-الفلسطيني في لبنان. قررت هذه التنظيمات مع التنظيم الجديد الذي انشق عن حركة فتح بقيادة سعيد موسى أن تقيم جبهة رفض وأن تختط سياسة جديدة لتوجيه الشعب الفلسطيني مختلفة عن سياسة عرفات. تعهدت بعض الدول العربية بتمويل هذه الجبهة وتقديم الدعم اللازم لها. لكن هذه الجبهة كانت أعجز من أن تفعل شيئا غير الجري وراء عرفات ببيانات الانتقاد والاستنكار لسياساته. وقد اعتاد عرفات على هذه البيانات التي لم تكن تشكل له أي مصدر للقلق أو الأرق. حتى أن الشعب الفلسطيني اعتاد على عدم سماع أو قراءة البيانات لتقديره المسبق بأنها لا تحتوي على الجديد، وإن احتوت فإنها لا تعني الجدية.
على أية حال، لم تعمر جبهة الرفض في أذهان الناس أكثر من عدة أشهر. ولم تكن هي قادرة على رص صفوفها بسبب الشكوك المتبادلة بين قياداتها وعدم قدرتها على التنسيق. والنتيجة كانت حتمية وهي فرط العقد. خرجت الجبهة الشعبية منها لتعود إلى منظمة التحرير، وبخروجها فقدت الجبهة (جبهة الرفض) أهم دعائمها ولم يعد لها القدرة على المواصلة إلا على الورق. حتى الورق لم يعد مفيدا بعد حين وانتهت الجبهة بالتلاشي.
لم يستطع التيار الماركسي في حركة المقاومة الفلسطينية أن يقود الشعب الفلسطيني نحو مرحلة ثورية شبيهة بالحركات العالمية التي انطلقت على أسس ماركسية. حاولت هذه الحركات أن تقلد التجارب العالمية إلا أنها بقيت في إطار صغير لم تستطع تجاوزه. أسباب ذلك كثيرة ولا مجال لشرحها هنا، وإنما أذكر منها النسيج الاجتماعي والديني الفلسطيني الذي لا يسهل عليه تقبل فكر يخرج عن الإيمان بالله، والابتعاد عن الفكرة القومية التي من الممكن أن تجد صدى، أو على الأقل تسامحا، والاعتماد المالي على المنافسين على الساحة الفلسطينية.
على المستوى القومي، لم ينجح القوميون في التأثير في السياسة الفلسطينية على الرغم من قدرتهم على التأثير في التجمعات الفلسطينية التي تواجدوا فيها. استمر عرفات في رسم السياسة الفلسطينية دون منازع على الرغم من خسارته الشعبية في عدد من المواقع. وقد فشل القوميون كما فشل الماركسيون في إيجاد أصدقاء أوفياء يمدونهم بالدعم المالي دون انقطاع، وفشلوا في إيجاد آلية إعلامية نافذة ومؤثرة، كما أنهم لم يستطيعوا صنع قاعدة شعبية وتنظيمية جيدة في الأرض المحتلة/67. ربما استطاع التيار القومي أن يحقق قاعدة شعبية في أقطار الشام بصورة أفضل مما حقق التيار الماركسي، إلا أن وجود التيار الماركسي في ساحل غزة والوسط الشرقي أقوى بكثير من وجود التيار القومي.
أما بالنسبة للتيار الديني فقد غاب عن الساحة السياسية حتى قيام الانتفاضة الفلسطينية عام 1987. لم تدخل حركة الإخوان المسلمين المعترك السياسي مباشرة واكتفت بتوجيه الانتقادات للحركة الوطنية وقياداتها. حاولت في الثمانينات إقامة جمعيات وأطر اجتماعية مختلفة ومارست نشاطاتها التي كانت في أغلبها تمهيدية من خلالها. وما أعنيه في التمهيدية هنا هو التركيز على الدعوة للحركة والعودة إلى الإسلام وإعداد الشباب وتهيئتهم لحياة إسلامية صلبة. وقد برز التيار الإسلامي كقوة ذات طاقة سياسية عام 1981 عندما تشكلت الكتلة الإسلامية في جامعة النجاح الوطنية بنابلس وفازت في انتخابات مجلس الطلبة على الحركة الوطنية بأطرها المختلفة. علما أن الحركة الوطنية خاضت الانتخابات موزعة إلى كتلتين.
مع دخول الانتفاضة ظهرت الحركة الإسلامية كقوة منافسة لقوة منظمة التحرير الفلسطينية بكافة فصائلها والتي شكلت القيادة الوطنية الموحدة. استطاعت حماس أن تضع بصماتها على مجريات الأحداث اليومية ونفذت عددا من العمليات العسكرية ضد إسرائيل بما في ذلك خطف جنود. وبذلك لم تعد حركة فتح هي القوة الكبيرة الوحيدة على ساحة فلسطين، بل أصبح هناك من ينافسها. وقد تردد على ألسنة بعض الفلسطينيين أن الاحتلال الإسرائيلي أنشأ حماس وقدم لها الدعم لكي تأخذ دور حركة فتح. لا يبتعد هذا الاتهام عن محاولات القيادة الفلسطينية في محاربة أي شخص فلسطيني أو حركة يمكن أن تشكل بديلا قياديا. لكنني بحكم معرفتي بتطورات الأمور وبعض دقائقها خلال الانتفاضة، قدرت بأن الاحتلال قد غض الطرف عن حركة حماس في بداية إنشائها ظنا منه أن الحركة ستنهج نهج الإخوان المسلمين الذي ركز في السنوات السالفة على توجيه الانتقادات لمنظمة التحرير والفصائل الفلسطينية المختلفة، وظنا بأنها ستشكل قوة لإثارة التوتر في الشارع الفلسطيني مما قد يؤدي إلى اقتتال داخلي. راهن الاحتلال على تخفيف حدة الانتفاضة من خلال صنع أوضاع داخلية متوترة، لكنه لم ينجح في كل محاولاته.
ما بعد أوسلو:- على الرغم من أن الخلافات اشتدت على الساحة الفلسطينية بعد حرب عام 1982ووقع اقتتال فلسطيني، إلا أن الشارع الفلسطيني شهد استقطابا حادا بعد مؤتمر مدريد عام 1991 وتزايد حدة بعد عام 1993 على إثر توقيع اتفاقات أوسلو. ضج التيار الإسلامي من هذه الاتفاقات، وعارضتها فصائل فلسطينية مختلفة من ضمنها فصائل في منظمة التحرير الفلسطينية. شهدت البلاد مواقف متباينة بصورة حدية وعُقدت الندوات والمؤتمرات الشعبية والمحاضرات لتبيان مختلف وجهات النظر. سعى كل طرف لتأكيد وجهة نظره وحشد الجماهير للوقوف إلى جانبه.
استمر اتفاق أوسلو ولم تستطع المعارضة الفلسطينية أن توقفه أو تسقطه. حتى أن المعارضة أخذت تخفف من معارضتها مع الأيام ومنها من بدا جزءا من عملية ديمقراطية تجيز المعارضة من الداخل. فهل المعارضة الفلسطينية جادة في طروحاتها وهل تملك بالفعل بديلا يمكن أن تقدمه للجماهير وتعمل من أجل تحقيقه؟ هذا ما أحاول الإجابة عنه في الصفحات القادمة. وسأعمل على التطرق إلى مختلف الفصائل وعى رأسها حركة حماس والحركة الإسلامية بصورة عامة.
ليس من السهل الحديث عن الحركة الإسلامية ضمن ظروف الزمان والمكان الفلسطينيين، وذلك لأن هذه الحركة، سواء كانت تحت هذا العنوان أو ذاك، ذات امتدادات عالمية وتتأثر بمجموعات واسعة من المتغيرات. وازدياد تأثيرها في مكان معين لا يعني ازدياد تأثيرها في كل مكان، وانحسار تواجدها في منطقة ما لا يعني انحساره في مختلف المناطق. إنها حركة واسعة الانتشار وذات سياسات وتطلعات تعمل على تكييف نفسها حسب المتغيرات الدولية والإسلامية والعربية، وفوق ذلك، يتكيف كل تواجد محلي لها حسب الظروف المحلية ولكن ضمن الإطار العام الذي يميز الحركة.
من الصعب الحديث عن الحركة الإسلامية بدقة ضمن المعارضة الفلسطينية التي تعني عدم الموافقة على مشروع السلام الجاري الآن، والذي يشكل اتفاق أوسلو قاعدته، واتخاذ خطوات وسياسات من شأنها إفشال هذا المشروع لصالح مشروع بديل. وهنا لا يتحدث المرء عن الحركة الإسلامية على اتساع طروحاتها العقائدية والفكرية والتنظيمية والسياسية، الخ، وإنما يحصر حديثه فقط في موقف سياسي معين وهو معارضة المشروع السلمي القائم في مرحلة زمنية معينة هي المرحلة التي نشهدها الآن والتي بدأت مع توقيع اتفاق أوسلو.
وعليه، فإن المناقشة هنا تدور حول الحركة الإسلامية كطرف معارض لعملية السلام الدائرة الآن وكجزء من معارضة فلسطينية أكثر شمولا. وحتى تكون الصورة واضحة، تبدأ المناقشة بتبيان قوى المعارضة المختلفة وتوجهاتها وموقع الحركة الإسلامية بينها، ثم يتم الانتقال إلى وسائل العمل والبرامج المطروحة من قبل مختلف الأطراف، ومن ثم تقييم ما أنجزته وما أخفقت في إنجازه، الأمر الذي يهيء القاعدة للتنبؤ بمستقبل الحركة الإسلامية كحركة معارضة على الساحة الفلسطينية ومستقبل المعارضة بصورة عامة.
تعريف المعارضة
ليس من المتوقع أن يتفق المحللون والسياسيون على تعريف واحد محدد لتعبير المعارضة، ومن المحتمل أن تتأرجح التعريفات بين عدم الموافقة وبين قلب الأوضاع بالقوة المسلحة. قد يعرف أحدهم المعارضة على أنها عدم الموافقة على سياسات معينة، وقد يعرفها آخر على أنها عدم الموافقة مع تبني برامج توعية جماهيرية لحشد الناس ضدها. ولكن قد يعرفها آخر على أنها عدم الموافقة مع اتخاذ كافة الخطوات الضرورية لإسقاط ما هو قائم.
في هذه الورقة يتم تبني التعريف التالي: المعارضة هي عدم الموافقة على اتفاق أوسلو الموقع بين الفلسطينيين والإسرائيليين وما انبثق عنه من اتفاقات وإجراءات، وتبني سياسات تقود إلى اتخاذ خطوات تفشل الاتفاق لصالح مشروع بديل. حسب هذا التعريف، هناك عدة شروط لابد من توفرها حتى نطلق على جهة أو فئة وصف معارض، وهي:
أولا: عدم الموافقة على اتفاق أوسلو وما نجم عنه. وحسب هذا الشرط لا يعتبر من وافق على اتفاق أوسلو ورفض ما نجم عنه فيما بعد معارضة.
ثانيا: رفض الاتفاقات المبنية على اتفاق أوسلو، ومختلف الإجراءات المترتبة عليه، والاتفاقات التي بنيت عليه. وهذا يعني رفض مختلف المشاريع القانونية والاقتصادية، الخ، المنبثقة عن الاتفاق والتعامل مع كافة الإجراءات المستندة إليه على أنها جزء منه. وعليه، فإن القبول بما تمخض عن اتفاق أوسلو يعني الموافقة عليه حتى لو كان الموقف المعلن كلاميا عكس ذلك.
ثالثا: أن تكون هناك سياسات لدى غير الموافق متبوعة بإجراءات عملية لإفشال الاتفاق، أي إسقاطه. هذا من أجل أن تكون المعارضة نظرية وعملية في آن واحد. المعارضة النظرية وحدها لا تعني سوى البقاء على الموقف الكلامي الذي لا يحدث تغييرا. أما السياسات وما يتبعها من إجراءات تختلف بمنهجها وحدّتها وتوجهاتها، فقد تكون سياسات تعبوية يترتب عليها العمل في صفوف الناس من خلال الإعلام والنشرات والندوات وذلك لحشد تأييد واسع للمعارضة، وقد تكون سياسات تعبوية وعسكرية، وقد تكون عسكرية، الخ، فمن لا يتبنى سياسات متبوعة بإجراءات لا يصنف ضمن المعارضة.
رابعا: يتوجب أن يكون لدى المعارض مشروع بديل لما هو مطروح وذلك لكي يجد الناس ما يحتشدون حوله، وإن لم يتوفر البديل تنتهي المعارضة إلى مجرد عبث ويكون موقفها عبثا لا يسعى إلى إسقاط وضع أو موقف لصالح لا شيء.. فمن لا يملك بديلا يشكل بؤرة استقطاب لا يدخل ضمن تصنيف المعارضة حسب التعريف الوارد في هذه الكتاب.
فئات المعارضة الفلسطينية
هناك عدد من الفئات على الساحة الفلسطينية المحصورة في قطاع غزة والضفة الغربية تقول أنها معارضة، أي تعارض اتفاق أوسلو وما تمخض عنه من اتفاقات وإجراءات. وهذه يمكن تصنيفها ضمن المجموعات التالية:
أولا: المعارضة من داخل منظمة التحرير الفلسطينية، وهي تلك المنظمات الفلسطينية التي تعتبر جزءا من منظمة التحرير لكنها تعارض الاتفاقات الحالية وهي: الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الديمقراطية. .
ثانيا: المعارضة من خارج منظمة التحرير الفلسطينية وهي تنقسم إلى قسمين:
أ- المعارضة الإسلامية المتمثلة بحركة المقاومة الإسلامية وحركة الجهاد الإسلامي.
ب- الفصائل ذات الاتجاهات القومية أو القومية الإسلامية أو الوطنية، مثل الجبهة الشعبية-القياة العامة، وحركة فتح -القيادة المؤقتة، وجبهة التحرير العربية وتنظيم الصاعقة الممثل الآن بحزب البعث العربي الاشتراكي.
ثالثا: المستقلون، وهم عبارة عن أشخاص أصحاب التزام سياسي دون أن يكون لهم التزام تنظيمي. إنهم لا يشكلون تنظيما، ولكنهم يتمتعون بثقل سياسي واجتماعي بحيث يمكن أن يؤثروا في الرأي العام.
إن تعريف المعارضة المبين أعلاه لا ينطبق على كل هذه المجموعات ، وإنما على بعضها. وأكثر المجموعات تلاؤما مع هذا التعريف هي: حركة المقاومة الإسلامية ، وحركة الجهاد الإسلامي، والجبهتان الشعبية والديمقراطية. أما الفئات القومية والقومية-الإسلامية، الخ، فلا تعتبر ضمن التعريف إذا حُصر داخل الأرض المحتلة عام 1967 , فهذه الفئات لا تتبنى سياسات أو إجراءات لمواجهة أوسلو، لكنها ذات سياسات وبرامج بديلة على المستوى الخارجي، أي أن هذه التنظيمات ذات طروحات متكاملة إلى حد بعيد لكنها لم تدخل حلبة التنافس أو التزاحم هنا في الضفة الغربية وقطاع غزة. أما بخصوص المستقلين، فهناك منهم من يطرح بدائل لكنهم لا يملكون القوة التنظيمية أو المادية لاتخاذ خطوات من شأنها التأثير على اتفاق أوسلو أو الترويج لمشروع بديل.
وعليه، فإن المناقشة الحقيقية لقوى المعارضة في الأرض المحتلة عام1967 تقتصر عمليا على أربع تنظيمات وهي: حماس، والجهاد الإسلامي، والجبهتين الشعبية والديمقراطية. أما إدراج بقية التنظيمات ضمن المعارضة، فهو مجرد عمل نظري يتمشى مع فكرة المعارضة نظريا وليس عمليا.
الموقف من عملية السلام
يحتاج تفصيل مواقف التنظيمات المعارضة من عملية السلام إلى صفحات كثيرة، لكن، ولغايات المناقشة في هذا الكتاب، يقتصر الوصف على الخطوط الرئيسة لموقف كل تنظيم، وذلك لتكون هناك أرضية للحكم على السياسات. هذا فضلا عن أن التفصيلات قد لا تكون ذات جدوى هنا بسبب كثرة البيانات والنشرات الصادرة والندوات المقامة والتي تشرح موقف كل تنظيم.
أ- حركة حماس: قامت ماس لأن الموازين، حسب تعبير ميثاقها، قد اختلت وتسلط الأشرار وساد الظالمون واغتصبت الأوطان ولم يبق شيء في مكانه الصحيح وذلك لأن الإسلام قد غاب عن الساحة ولذلك، فإن قيامها كان بهدف “منازلة الباطل وقهره ودحره، ليسود الحق وتعود الأوطان وينطلق من فوق مساجدها الأذان معلنا قيام دولة إسلامية، ليعود الناس والأشياء كل إلى مكانه الصحيح، والله المستعان،” وحماس عبارة عن “حلقة من حلقات الجهاد ضد الصهاينة.”
هناك طريق واحد لتحرير فلسطين هو طريق الجهاد. وتقول حماس “إن الأسلوب الأمثل والأصوب لاسترجاع الحقوق هو القوة، في عالم لا ينظر فيه إلى الضعيف بعين العطف، ولا تستجدى فيه الحقوق وإنما تنتزع انتزاعا،” وعليه لابد من دفع التضحيات اللازمة في النفس والمال، وإن ما تم دفعه حتى الآن ما هو إلا جزء بسيط من الثمن المطلوب.
تتطلب مسيرة الجهاد عددا من الوسائل تقوم على رأسها التربية الإسلامية عقيدة وفكرا، ومن ثم الإعداد والعمل. وتركز حماس على التكافل الاجتماعي كدرع يقي الفرد والجماعة، وعلى التعاون مع الفرد والجماعة ومع الآخرين على الساحة الفلسطينية على أن لا يكون ولاؤهم “للشرق الشيوعي أو الغرب الصليبي”. وحسب ميثاقها، تقول حماس أنها “تسير في طريق الخير وتقرب ولا تبعد، توحد ولا تفرق.”
أما بالنسبة لمواقفها السياسية، فهي تعتبر أن فلسطين أرض وقف إسلامي إلى الأبد “إلى يوم القيامة ،” أما اليهود، فعبارة عن آفة ومصاصي دماء، ولا يختلفون في ذلك عن الصهيونية التي تعمل على تدمير المجتمعات والأخلاق والقضاء على الإسلام، وعليه فإن حماس ترى أن كل الجهود يجب أن تتضافر وتتجمع من أجل دحر الاحتلال، وتعتبر أن خروج أية جماعة أو تنظيم أو فرد من دائرة الصراع ضد إسرائيل ومناصريها عبارة عن خيانة عظمى، مستندة في ذلك إلى الآية الكريمة “ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير.”
أما من ناحية التعاون مع الآخرين، من أجل تحرير فلسطين، فإن حماس لا تضع حواجز ومعوقات، سواء كان الآخرون ضمن تنظيم إسلامي أو غير ذلك، لكن تعاونها مع التنظيمات الإسلامية يرتكز على أسس عقائدية. وإذا حصل وأن اختلفت مع جهات أو تنظيمات، فإنها، أي حماس، لا تعتمد الطعن والصدام والتشويه كوسائل لحل الخلاف. وهي تبقى حريصة على الوحدة الوطنية ورص الصفوف.
ميثاق حماس غير واضح تجاه الحكام العرب. فهو لا يحدد موقفا من الحكام العرب لكنه ينبههم إلى الخطر الصهيوني الداهم ويطالبهم باتخاذ مواقف إسلامية جادة وبفتح الحدود أمام المجاهدين لقتال إسرائيل. أما بيانات حماس فتناشد الحكام العرب،أحيانا، لاتخاذ سياسات معينة، وتقوم الحركة ذاتها، أحيانا، بتوجيه رسائل إلى الحكام العرب.
حماس واضحة بالنسبة للحلول السلمية إذ تقول أن المبادرات السلمية والقرارات الدولية الخاصة بفلسطين تتناقض مع العقيدة الإسلامية، ولا يجوز التنازل عن أي جزء من فلسطين لأن في ذلك تنازلا عن جزء من الدين، والمؤتمرات الدولية من شأنها أن “تمكن أهل الكفر بأرض المسلمين،” هذه المؤتمرات عبارة عن عملية لصهينة العرب.
ب- الجبهتان الشعبية والديمقراطية: الجبهتان الشعبية والديمقراطية عضوان في منظمة التحرير الفلسطينية لكنهما لا تعتقدان أن المنظمة التي تقودها الآن ما تسميانه “القيادة المتسلطة” هي المنظمة التي تمثل الشعب الفلسطيني. وهما تدعوان إلى “إعادة بناء مؤسسات م. ت. ف على أسس ديمقراطية واستعادة مكانتها كممثل شرعي وحيد لشعبنا،” وتعتبران أن المنظمة فاقدة لمكانتها تحت الظروف القائمة حاليا. لقد أصاب خروج القيادة المتسلطة عن الصف الوطني مؤسسات المنظمة بالخراب والدمار مما يتطلب مهمات نضالية جديدة من أجل إرساء قواعد الديمقراطية وضمان التمثيل الشعبي للفلسطينيين.
تطرح الجبهتان برنامجا بديلا لما تقوم به القيادة الفلسطينية ولما عقدته من اتفاقات، ويتلخص هذا البرنامج بالتالي:
1- التمسك بحق العودة للفلسطينيين وحق تقرير المصير وإقامة الدولة وعاصمتها القدس.
2- استمرار النضال ضد الاحتلال والمستوطنين.
3- التمسك بمنظمة التحرير على أن يقال عرفات وتنزع الشرعية عن قيادته وأن تقام انتخابات ديمقراطية يشارك فيها الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده.
4- اعتبار تعهدات عرفات حسب الاتفاقات المعقودة مع إسرائيل لاغية، مع إخضاع الاتفاقات ذاتها لاستفتاء شعبي يشمل كل الشعب الفلسطيني تحت إشراف دولي.
5- تطبيق قرارات الشرعية الدولية بما في ذلك حق اللاجئين في العودة .
اتفاق أوسلو بالنسبة للجبهتين عبارة عن إعادة ترتيب الاحتلال والعمل على تجميله ولابد من التمسك بخيار الانتفاضة كوسيلة مواجهة فعالة.
هذا وتدعو الجبهتان جميع القوى والشخصيات الوطنية والديمقراطية والإسلامية داخل الوطن وفي الشتات إلى الاتحاد على أساس برنامجهما المطروح وتشكيل جبهة وطنية عريضة. وتدعوان، أيضا، إلى نبذ الصيغ الفوقية والحساسيات والعمل معا من أجل قرار يصدر ديمقراطيا عن الشعب.
ج- حركة الجهاد الإسلامي: واضح أن حركة الجهاد الإسلامي لا تكن أي احترام لمنظمة التحرير الفلسطينية أو قيادتها، وتعتبرها وليدة جامعة الدول العربية بوحي من مصر عام 1964. قيادة المنظمة قيادة غير شرعية نصبتها قيادات عربية غير شرعية ، أما عرفات، فكان من المفروض أن يستقيل بعد ما تبين فشله، لكنه آثر أن يستمر في طريق يهوي بالشعب الفلسطيني إلى الهاوية.
هذا، وتطرح حركة الجهاد برنامجا يلخص بما يلي:
1- مواصلة الجهاد ضد اليهود مع مقاومة اتفاق أوسلو ومقاومة تطبيع العلاقات بين إسرائيل والأمة الإسلامية.
2- لا مشاركة في أية انتخابات يكون اتفاق أوسلو سقفا لها.
3-منظمة التحرير الفلسطينية مرفوضة مبدئيا حتى لو تمت تنقيتها من العملاء.
4- الإسلام هو منهج الحياة وهومصدر القوة ومواصلة الجهاد.
أما من ناحية موقفها تجاه الفصائل والتنظيمات، فإن الحركة تسعى إلى التقارب مع حركة حماس وإلى مد جسور التعاون مع الفصائل الأخرى التي تختلف معها عقائديا. أما موقفها من حكومات العرب، فهو موقف واضح لا لبس فيه، فهذه الحكومات أغلبها كافرة.
الجماعة الإسلامية تحترم الرأي الآخر وجاهزة دائما للحوار، وهي لن تشهر السلاح في وجه الموقعين على اتفاق أوسلو. إنها ضد “القوقعة الحزبية بكافة أشكالها، لكنها مع الثبات التام على الموقف والمبدأ.”
تقييم قدرة المعارضة على إسقاط اتفاق أوسلو
أعلنت فصائل وتنظيمات المعارضة الرئيسة، والمشار إليها أعلاه، أنها ضد اتفاق أوسلو، وأنها تعمل على إسقاطه. هذا فضلا عن الفصائل الأخرى التي يوجد لها بعض التأثير خارج البلاد ولا ينطبق عليها تعريف المعارضة الداخلية. حاولت هذه الفصائل والتنظيمات بوسائل متعددة تحقيق هدفها لكنها فشلت حتى الآن، واستمر اتفاق أوسلو وتولدت عنه اتفاقات أخرى وإجراءات تطبيقية على الارض.
ما الذي فعلته المعارضة وما الذي لم تفعله وقادها إلى الفشل حتى الآن؟ وما هو مصيرها ومستقبلها إذا ما استمر هذا الفشل؟ بما أن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) هي العمود الفقري للمعارضة الفلسطينية، فإنها تستحوذ على الاهتمام الأكبر، لكن الفصائل الأخرى لن تستثنى من النقاش. وعند الحديث عن المستقبل، فإن هذا الحديث سيتركز على الحركة الإسلامية ككل في ظل ما هو متوقع من أحداث.
عمدت المعارضة الفلسطينية إلى اتخاذ عدد من الخطوات منذ توقيع أوسلو كان على رأسها:
أولا: أعمال التثقيف والتوعية التي شملت الندوات والمحاضرات والمهرجانات والنشرات والبيانات، الخ. أقيم العديد من المهرجانات، وخاصة من قبل الحركة الإسلامية، وكذلك الندوات والمحاضرات من أجل شرح اتفاق أوسلو وتوضيح أبعاده ومراميه وشرح الظلم الذي يلحق بالشعب الفلسطيني من جرائه.
ثانيا: أعمال الاحتجاج، كالإضراب وكتابة الشعارات وإشعال الإطارات، الخ. وقد هدفت هذه الأعمال إلى حشد الرأي العام ضد اتفاق أوسلو وإلى إيصال رسالة واضحة بعدم الرضا إلى القيادة الفلسطينية.
ثالثا: الإقناع، حيث حاولت الفصائل المعارضة الاتصال، بصورة مباشرة وغير مباشرة، مع فلسطينيين ضمن قيادة ياسر عرفات لثنيهم عن السير في ركب الاتفاق أو معارضته. وقد جرت لهذا الغرض لقاءات مرتبة مسبقا وأخرى عرضية.
رابعا: العمل العسكري الذي هدف إلى زعزعة الأمن والاستقرار الإسرائيليين، مما قد يقود إلى تفريغ اتفاق أوسلو من مضمونه إسرائيليا، ومن ثم تقويضه. وقد كان هذا أكثر العوامل ضغطا على موقعي الاتفاق.
خامسا: توحيد قوى المعارضة، وذلك لخلق قوة دفع جماهيرية موحدة ضد الاتفاق. وقد جرت محاولات من هذا القبيل خارج البلاد وداخلها. حاولت الفصائل في الخارج أن تتوحد على الأقل في الموقف السياسي فأقامت تجمع الفصائل العشرة، وحاولت بعض القوى أن تصطف في إطار واحد مثل الاتحاد الديمقراطي والتجمع الفلسطيني. وعلى الرغم من هذه الجهود، فإن الاتفاق بقي صامدا وتطبيق نصوصه تقدم وكذلك نصوص ما تمخض عنه من اتفاقات على الأرض. ويبدو واضحا أن جهود المعارضة في تراجع وزخمها الشعبي يتأرجح. فأين المأزق، أو المآزق، التي تعرضت لها المعارضة، وما هي أسباب عدم قدرتها على إسقاط الاتفاق حتى الآن؟
أسباب فشل المعارضة
هناك أسباب كثيرة أدت إلى فشل المعارضة الفلسطينية في إسقاط اتفاق أوسلو وإيقاف العملية السلمية حتى الآن. من هذه الأسباب ما هو خارجي، أي يعود إلى عوامل خارجية، ومنها ما هو ذاتي، أي يعود إلى عوامل ذاتية أو خلل في أداء المعارضة. وفيما يلي أهم هذه الأسباب:
الأسباب الخارجية:
أولا: القوى المشاركة في الاتفاق والداعمة له. يحظى اتفاق أوسلو بتأييد عربي ودولي واسع النطاق، فضلا عن الدعم الذي يحظى به من قبل قطاع واسع من الشعب الفلسطيني. الدول العربية، في أغلبها، تؤيد اتفاق أوسلو وعلى رأسها دول مجاورة، مثل مصر والأردن. أما سوريا التي لا تبدو متحمسة للاتفاق، فإنها لا تملك هامشا للعمل ضده، خاصة وأنها في مرحلة تفاوض مع إسرائيل.
على المستوى الدولي، لا يكاد المرء يرى دولة تقف ضده حتى لو كانت غير مؤيدة له من الناحية النظرية. الولايات المتحدة تدعم الاتفاق وترعاه، وكذلك الدول الأوروبية وروسيا، وتدعمه، أيضا، بقية دول العالم، باستثناء عدد قليل مثل إيران وليبيا والسودان. الوضع الدولي، بصورة عامة، مهيأ لإنجاح الاتفاق وفشل المعارضة. هذا فضلا عن أن إسرائيل تلقي بثقلها لإنجاح الاتفاق بالتعاون مع القيادة الفلسطينية التي تملك بيدها أغلب مصادر القوة الفلسطينية.
ثانيا: ضعف مصادر تمويل المعارضة: لا تتوفر لدى المعارضة مصادر تمويل كافية لتغطية نفقات النشاطات الكفيلة بإسقاط الاتفاق. بينما يملك الطرف الآخر إمكانات مادية هائلة. بعض الفصائل المعارضة لا يحظى بأي مصدر تمويلي، بينما يحظى البعض الآخر بمصادر ضعيفة القدرة المادية. كما أن القوى المؤيدة للاتفاق تشدد الحصار على مصادر تمويل المعارضة لتقطع عنها كل مورد مادي. فالولايات المتحدة والدول الأوروبية تلاحق كل دولار يعرف أنه موجه للمعارضة، سواء كان مقدما من دول أو هيئات أو أفراد، وتلاحق، أيضا، حسابات الأفراد المصرفية إذا كان هناك شك بأنهم قريبون من فصائل المعارضة أو أعضاء فيها.
أوروبا والولايات المتحدة تقدمان الملايين دعما للاتفاق وتوفران التسهيلات المالية والاقتصادية للطرف الفلسطيني المؤيد للاتفاق وتعملان على خنق الطرف الفلسطيني المعارض.
العمل ضد اتفاق أوسلو يكلف أموالا طائلة، سواء من حيث بناء المؤسسات، أو دعم الأفراد أو تمويل النشاطات المختلفة. المعارضة بحاجة إلى عشرات الملايين من الدولارات سنويا لتؤدي مهامها باستحقاق وجدارة. أما عشرات الآلاف أو المئات، فهي لن تسد إلا ثغرات بسيطة من النفقات المطلوبة. المعارضة لا تملك إلا الجزء اليسير من المال، عدا حماس التي تبدو في حال أفضل من أحوال غيرها من الفصائل والحركات. حتى أن بعض التنظيمات لا تملك ألف دينار، وبعضها لا يملك ما يمول بيانا يوزع جماهيريا. وفي تقدير الكاتب، تعتبر المشكلة التمويلية أهم مشكلة تواجهها المعارضة لأنها أدت إلى شل العمل، سواء على مستوى المؤسسات أو الأفراد، وأدت حتى إلى المس بالروح المعنوية للنشطاء في مختلف الفصائل.
ثالثا: الهجمة الإعلامية على المعارضة: الإعلام، بصورة عامة، هو مع موقعي الاتفاق، سواء كان محليا أو عربيا أو دوليا. وسائل إعلام قليلة جدا هي مع معارضي الاتفاق، ومنها ما هو معرض للإغلاق، مثل صحيفتي الوطن والاستقلال، أو للتشويش، مثل إذاعة القدس.. هذا الإعلام لا يكتفي بتزيين الاتفاق والعمل باستمرار على خلق رأي عام مؤيد له، وإنما يعمل، أيضا، على تشويه صورة المعارضة ووصفها بالعناصر أو التنظيمات الإرهابية، واتهامها بالعمل على إقامة علاقات مع جهات أو دول تناصب الشعب الفلسطيني العداء.
رابعا: الملاحقة: المعارضة ملاحقة من قبل جهات كثيرة، سواء على مستوى مؤسسات أو أفراد، وبالأخص المعارضة الإسلامية. المعارضة الإسلامية متهمة بالإرهاب وأعضاؤها معرضون للاعتقال والتعذيب. أوروبا تلاحقهم، وكذلك أمريكا والعديد من الدول العربية. حتى أن سلطة الحكم الذاتي تلاحقهم. هناك من يعتقل أو يقتل أو يتعرض لإطلاق النار، أو يحرم من الوظيفة ويلاحق في لقمة عيشه.
الأسباب الذاتية
أولا: المنهج التقليدي في المعارضة: ركزت المعارضة جهودا كبيرة على المنهج الفلسطيني التقليدي في المعارضة والمتمثل بالمهرجانات والخطابات والبيانات والاستنكارات والمذكرات والإضرابات. هذا منهج ممجوج على المستوى الشعبي ولا يلقى آذانا صاغية، خاصة بعد خمود وهج الحدث. قد ينفع هذا المنهج مؤقتا في الأيام الأولى التي تعقب الحدث، ولكن مفعوله يتلاشى مع تلاشي سخونة الحدث، ومن المحتمل أن ينقلب على رؤوس أصحابه وتصبح النتائج عكسية. أعطت المعارضة جهدا أكثر من اللازم للنشاطات المندرجة تحت هذا المنهج في الوقت الذي سئم فيه الناس البيانات والخطابات ولم يعودوا يهتمون بها أو يستمعون إليها، إن لم ينتقلوا إلى ذم صاحب البيان أو الخطاب. لقد جربنا هذا المنهج على مدى سنوات طويلة ومنذ عام 1919 , ضاعت البلاد قطعة قطعة ونحن نصدر البيانات الساخنة والخطابات الرنانة، وفي ذات التقويم، تقع الخطب الدينية خاصة على منبر يوم الجمعة. يستمع الناس إلى خطبة يوم الجمعة ويخرجون من المسجد وكأنهم لم يسمعوا شيئا. الوعظ والإرشاد لم يعد أسلوبا مقبولا جماهيريا ما لم يقترن بعمل يرفع من مصداقيته.
ثانيا: عدم القدرة على التعاون أو تنسيق المواقف: فشلت فصائل المعارضة فشلا ذريعا في تحقيق أدنى حد من التعاون الفعلي (أي المستند على برنامج) فيما بينها. وعلى الرغم من أنها تتبنى مواقف سياسية متقاربة أو متطابقة أحيانا، إلا أنها لم تترجم ذلك إلى عمل مشترك لمواجهة اتفاق أوسلو المرفوض. فباستثناء إصدار بعض البيانات المشتركة حول قضايا معينة، وباستثناء بعض حلبات التداول، لم يحصل، عمليا، تنسيق أو توجه نحو وحدة العمل.
جزء من هذا الفشل يعود، حقيقة، إلى الاختلاف العقائدي بين عدد من الفصائل مما أعاق التعاون في مجالات أخرى. لقد طرح على قادة هذه الفصائل توجه لتوحيد الموقف السياسي والعمل معا ضمن برنامج محدد يهدف إلى إسقاط اتفاق أوسلو. لم يعترض هؤلاء القادة على هذا الطرح لكنهم لم يسيروا فيه من الناحية العملية. قالوا “نعم” وجها، وداروا ظهورهم فعلا.
إن في تجربة التجمع الفلسطيني دليلا على ذلك. فقد دارت مداولات طويلة حول كيفية جمع قوى المعارضة في بوتقة واحدة ضمن برنامج موحد يطرح على الشعب كبديل لاتفاق أوسلو، لكن حماس سرعان ما انسحبت من المداولات بدون تفسير أو توضيح، والجبهة الشعبية اعتبرت أن التجمع عبارة عن وليد في نابلس فقط، والجبهة الديمقراطية شغلت مع الشعبية في تشكيل التجمع الديمقراطي.
بقي في التجمع الجهاد الإسلامي والقيادة العامة ومنتدى الأمة، وهذه قوى صغيرة جدا وتواجدها على الأرض ضعيف. يضاف إلى ذلك أن رئيس التجمع لم يقم بالدور المطلوب منه كرئيس. ولهذا فشل التجمع الفلسطيني.هذا، وأقدر من خلال تجربتي الشخصية، أن فصائل المعارضة الفلسطينية ليست معنية في التعاون فيما بينها. إنها تعاني من انعدام الثقة المتبادلة ومن الشك المتبادل الذي يصل إلى درجة الاتهام. ولا أعتقد أن من يتسامحون ظاهرا ويتبادلون التهم باطنا قادرون على الاتفاق على السير معا على الطريق. ولاحظت، ايضا، أن عددا من فصائل المعارضة أقرب إلى رئيس منظمة التحرير الفلسطينية من بعضها البعض. إنهم يفضلون مغازلة سلطة الحكم الذاتي والتعاون معها، على التعاون فيما بينهم، أي إذا شاؤوا أن يلتقوا، فإن موقع اللقاء هو سلطة الحكم الذاتي، وليس أي موقع آخر. وقد اتضح هذا تماما عندما لبوا سريعا دعوة رئيس السلطة الفلسطينية لإجراء حوار وطني.
ثالثا: عدم طرح البديل ومتابعته: من يرفض برنامجا عليه أن يطرح برنامجا بديلا وأن يتابع تنفيذه على الأرض. لقد طرحت الفصائل بدائل، ولكنها لم تلاحقها بالتنفيذ مما أفقدها قدرتها على جذب الشارع الفلسطيني. لقد سئم شعبنا البيانات والخطابات ويود أن يرى شيئا عمليا يتم تنفيذه. حاولت حركتا حماس والجهاد الإسلامي تنفيذ برنامج بديل من خلال العمل العسكري، لكنهما، حتى الآن، غير مقنعتين للشارع الفلسطيني، وذلك لأسباب منها:
أ) عدم وجود استثمار سياسي ناجح للعمل العسكري.
ب) عدم متابعة هذا العمل لكي يتحول إلى ظاهرة وليس مجرد أعمال متباعدة.
ج) الملاحقة الشديدة التي يتعرض لها أعضاء هاتين الحركتين من جهات كثيرة بما فيها سلطة الحكم الذاتي.
د) محدودية الموارد المادية، سواء العتادية منها أو المالية.
هـ ) تحميل إسرائيل وسلطة الحكم الذاتي الحركتين وزر الضائقة الاقتصادية التي يعاني منها الناس.
رابعا: عدم الرغبة في أخذ زمام المبادرة: بقيت المعارضة ضمن ردود الفعل، أي التعليق على خطوات مؤيدي اتفاق أوسلو ومنفذيه وإصدار البيانات الرافضة لما يقومون به، ولم تبادر إلى اتخاذ خطوات تقود الشارع بعيدا عن أوسلو. لم تبادر المعارضة، وخاصة حركة حماس إلى قيادة الشارع، اجتماعيا وسياسيا وثقافيا، وبقيت متحوصلة ضمن ذاتها وضمن التعليق على تطورات الأحداث، حتى أن المعارضة أخذت تناقش الأحداث ضمن أوسلو وليس خارجه، وذلك مثل مناقشة قانون الأحزاب والانتخابات.
وعلى ذات الخط، لم تنظر حركة حماس ذاتها إلى نفسها على أنها قائدة للشعب الفلسطيني، واكتفت عمليا بأن تكون قائدة للحركة الإسلامية المتصلة بالأخوان المسلمين. لم تتوجه بخطابها وجهودها إلى الشعب الفلسطيني عامة، وإذا فعلت فإن ذلك من قبيل الاستقطاب في صفوفها وليس من قبيل إعطاء أحد من خارج صفوفها دورا في النشاطات العامة التي تقودها هي أو في اتخاذ بعض القرارات. لقد فضلت البقاء كفصيل فلسطيني لا يرى إمكانية لرسم السياسة العامة أو التقدم نحو هذا الهدف.
من الناحية العملية، لا يوجد فصيل فلسطيني مؤهل لقيادة الشارع الفلسطيني كبديل للسلطة الفلسطينية إلا حركة حماس. الفصائل الأخرى لم يكن لها قدرة على اتخاذ زمام المبادرة باستثناء الجبهة الشعبية في فترة معينة. لكن الجبهة فقدت هذه القدرة ولم تعد قادرة على إنفاذ رؤية سياسية أو عسكرية خاصة بها.
مستقبل المعارضة
لا يبدو، ضمن الظروف القائمة، أن المستقبل بالنسبة للمعارضة مشرق. تعاني المعارضة من وضع غير جيد يعود في الأساس إلى خلل في توجهاتها العملية. وأعتقد أن التطورات المستقبلية تسير ضمن ما يلي:
أولا: ستتراجع حركة حماس لصالح الفكر الأساسي لجماعة الأخوان المسلمين. فحماس انبعثت من جماعة الإخوان المسلمين لتلبية متطلبات ظروف الانتفاضة التي تميزت بمقارعة الاحتلال. الاحتلال ما زال موجودا، لكن البيئة السياسية الموجودة الآن مختلفة وتتميز بتواجد سياسي فلسطيني، ولابد من إعادة أقلمة الحركة مع هذه البيئة الجديدة. هدف حركة حماس كان مواجهة الاحتلال ضمن ظروف تطور الانتفاضة، والوضع الآن اختلف عما سبق، ولهذا فإن فكر المواجهة سيتكيف. بتقديري، إن فكر المواجهة سيتحول تدريجيا إلى فكر المصالحة الذي يميز جماعة الإخوان المسلمين وإلى التوجه نحو التقية التي ترى الجماعة أنها ضرورية لتجنب صراع عنيف بين المسلمين والحكام، وستعود الجماعة إلى “التروي” والتدريج في التأثير على الجمهور الفلسطيني.
ثانيا: ستعمل الجبهتان، الشعبية والديمقراطية على البحث عن دور سياسي لهما على أطراف سلطة الحكم الذاتي وليس داخلها، أي على صلة مع سلطة الحكم الذاتي، ولكنهما لن تتحولا إلى جزء من الحكم الذاتي، وستبقى طروحاتهما نظرية إقناعية.
ثالثا: إن عددا من الفصائل الصغيرة التي لم تعتبر جزءا من المعارضة الفعلية في هذه الورقة ستبقى مستنيرة بالسياسة السورية وتسير على هديها.. فإذا صمدت سوريا صمدت هذه الفصائل، وإن اهتز موقف سوريا لن تجد هذه الفصائل نفسها صامدة.
رابعا: حركة الجهاد الإسلامي ستثبت علىموقفها القائل بالعمل المستمر على مواجهة الاحتلال مع محاولة تجنب الصراع الفلسطيني-الفلسطيني. إن ما سيمنع حركة الجهاد من تنفيذ برنامجها الجهادي هو الإمكانيات المادية.
ولهذا، أتوقع أن تنخفض أسهم المعارضة على المستوى الجماهيري، وسيقل مستوى تأييدها. وضمن الظروف القائمة الآن، فإن ما يمكن أن يرفع من نسبة تأييد المعارضة جماهيريا هو فشل سلطة الحكم الذاتي في تلبية التوقعات الجماهيرية، فكلما ازداد حجم الفشل ازداد تأييد المعارضة. وإذا بقيت المعارضة على ذات الوتيرة التي لا تعبر عن جدية أو بدائل حقيقية وبقيت السلطة الفلسطينية على أدائها السيء فإنه من المتوقع أن يعزف الجمهور الفلسطيني عن تأييد التنظيمات المختلفة ويتجه نحو التعويم في انتظار بديل. وفي ظل هذا الوضع سيزداد الإحباط في الشارع الفلسطيني ويرتفع معه مدى الهبوط الأخلاقي والسعي وراء المصلحة الخاصة على حساب المصلحة العامة.
تقييم عام
أتت الأيام بأنباء أوسلو إلى الناس فتبينوا حقيقة الاتفاق. لكنها أتت أيضا بأنباء المعارضة فتبينوا حقيقتها أيضا. لم يعمل من بين فصائل المعارضة بصورة جادة إلا حركة حماس لكن عملها بقي عاجزا وقاصرا عن إحداث تغيير في الأوضاع السياسية. لقد قامت ببعض العمليات العسكرية داخل إسرائيل وهزت الكيان الصهيوني، إلا أنها لم تواصل وأخذت تُباعد زمنيا بين عملياتها العسكرية. كادت الحركة أن تقوض اتفاق أوسلو وأن تقلب الموازين السياسية في المنطقة إلا أن الولايات المتحدة سارعت إلى تحشيد الرأي الدولي ضدها وعقدت مؤتمرا دوليا على عجل في شرم الشيخ العربي بحضور حوالي ثلاثين دولة لمكافحة ما يسمى بالإرهاب أو بالتحديد الإرهاب الحمساوي. وقد اتخذت توصيات قاسية من شأنها أن تحاصر الحركة وعناصرها والأموال التي يمكن أن تتسرب لها.
لا شك أن حركة حماس واجهت ضربات قاسية وتعرض أبناؤها للملاحقة والاعتقال والتضييق الاقتصادي والنفسي. بالرغم من ذلك لم تقم فصائل المعارضة الأخرى بمساعدتها سوى حركة الجهاد الإسلامي التي قدمت مساعدة ضعيفة. إنما وجدت الحركة نفسها في علاقات شكلية (بروتوكولية) مع السلطة الفلسطينية، وفي بعض الأحيان في أعمال تنسيقية بهدف تفادي مشكلة. حتى أن بعض رجالات حماس أخذوا يترددون بفتور على المقار الرئيسة للسلطة في المدن الفلسطينية. وقد دخل بعض المتدينين في السلطة الفلسطينية ممن كانوا في صفوف حماس، وعلى الرغم من نفي الحركة من انتمائهم لصفوفها إلا أنها تواجه صعوبة في تمرير كلامها.
أما بالنسبة للجبهتين الشعبية والديمقراطية فإن الشارع الفلسطيني يلاحظ أن قياداتهما تقود سيارات ذات لوحة حمراء وهي لوحة سيارات السلطة. ولم يعد سرا أن هذه القيادات باتت تحمل طلبات لعرفات ليوظف بعض العناصر التابعة للجبهتين أو لتمويل بعض المستلزمات.
أما الفصائل الموجودة في دمشق فما زالت تصدر البيانات المنددة باتفاق أوسلو.
المعارضة والحوار الفلسطيني-الفلسطيني
برزت بشأن العلاقات الداخلية الفلسطينية مسألة الحوار بين سلطة الحكم الذاتي وبين بعض قوى المعارضة بخاصة الفصائل المنضوية تحت مظلة منظمة التحرير وحركتي حماس والجهاد الإسلامي. وقد عقدت عدة لقاءات حوارية تبادلت فيها الأطراف المتحاورة الخطابات المعبرة عن مواقفها بخصوص اتفاق أوسلو والقضية الفلسطينية بصورة عامة. تحدثت الصحافة ووسائل الإعلام الفلسطينية وغيرها حول هذه اللقاءات وتراوحت تقديراتها ما بين التشاؤم والتفاؤل. هناك من رأى أن لا جدوى من الحوار، وهناك من رأى أن فجرا جديدا سيبدأ على الساحة الفلسطينية.
إذا تتبعنا تطورات الأحداث على الساحة الفلسطينية بعد عام 1967، نجد أن الحوار الفلسطيني-الفلسطيني ليس بالأمر الجديد ولا بالشعار المحدث. فقد تمت حوارات كثيرة على الساحة في فترات سياسية مختلفة، ومنها ما كان حوارا كلاميا ومنها ما كان رصاصيا ومدفعيا. جلست الفصائل الفلسطينية على طاولة النقاش وتبادل الرأي في ظروف متعددة، واشتبكت ضد بعضها البعض بالمدافع والرشاشات خاصة على أرض لبنان. وكان لكل نوع حواري ظروفه ومبرراته لدى المتحاورين.
الحوار القائم الآن يجد مبررا في سوء الأوضاع الفلسطينية الداخلية وفي تعثر ما يسمى بالحلول السلمية. تقول السلطة الفلسطينية أن الأمر أصبح جد خطير وأن الحكومة الإسرائيلية ماضية في مخططاتها الاستيطانية وتجاوز الاتفاقيات، ولا بد للشعب الفلسطيني في ساحل غزة والوسط الشرقي(الضفة الغربية) أن يتوحد في مواجهة الخطر. أما الفصائل المتحاورة فتختلف في تبريراتها: منها من يقول أنه من الضروري تصليب موقف المفاوض الفلسطيني واتباع استراتيجية فلسطينية جديدة، ومنها من يقول أن الحوار ضروري عل وعسى أن تسمع السلطة صوت الحكمة والتعقل.
دار الحوار الكلامي بين القوى الفلسطينية ككل أو بعضها مرات عدة عبر العقود الثلاث الماضية، وكان الهدف المعلن لها هو التوصل إلى صيغة عمل يمكن أن يُجمع حولها المتحاورون مما يعزز الوحدة الوطنية والموقف الفلسطيني في مواجهة التحديات. كان يشعر الفلسطينيون إجمالا بنوع من الارتياح لهذا النوع من الحوار، وكان يُأمل بأن يحقق شيئا ملموسا على الساحة. لكن الأيام كشفت أن الحوار لم يكن إلا شيئا مؤقتا وعابرا، وسرعان ما كانت آثاره تتلاشى لتحل محله الاتهامات المتبادلة والجدل التصادمي الذي كان يصل إلى حد إطلاق النار المتبادل. الحوار بصورة عامة لم يستمر ولم تتحول نتائجه إلى واقع عملي يجسد إرادة المتحاورين كجماعة.
من تتبع الأحداث التي أعقبها حوارات يسهل على المرء أن يستنتج أن الحوار لم يقم حقيقة بسبب أزمة يعاني منها الشعب الفلسطيني. على سبيل المثال، مر الشعب الفلسطيني بأزمة حادة عام 1983 بسب الانشقاق داخل حركة فتح، لكن الأطراف المعنية استخدمت السلاح بدل الكلام لحل خلافاتها. سبب هذا مأزقا نفسيا لدى الشعب الفلسطيني وشرخا خطيرا في البنية السياسية والذي أخذ ينعكس على البنية الاجتماعية. كذلك مر الشعب الفلسطيني بأزمة حادة بعد اعتراف المجلس الوطني الفلسطيني المنعقد عام 1988 بقراري مجلس الأمن 242و338. لكن بدل اللجوء إلى الحوار عملت منظمة التحرير على تكريس خطها السياسي الجديد غير عابئة برأي المعارضة مما زاد من الشرخ داخل صفوف الشعب الفلسطيني. هذا وقد صنعت منظمة التحرير أزمة بتوقيعها اتفاق أوسلو، لكنها ضربت بالمعارضة بعرض الحائط وتركت الخلافات تتحول إلى مواقف تصادمية. وقد تم التعبير عن هذا التصادم بشكل مريع عام 1994 عندما أطلقت السلطة الفلسطينية النار على المصلين خارج مسجد فلسطين في غزة. سقط قتلى وجرحى، لكن السلطة لم تدع إلى حوار.
مجمل الأوضاع يؤكد أن الحوار لم يقم على الساحة الفلسطينية بسبب مأزق يمر به الشعب أو من أجل وضع استراتيجية أو خطة عمل فلسطينية. لكنه من الواضح أن الحوار كان يتم بسبب أزمة أو مأزق يمر فيه رئيس منظمة التحرير، ياسر عرفات، والذي هو نفسه رئيس سلطة الحكم الذاتي. فكلما وجد عرفات نفسه في وضع حرج يتطلب التفاف الشعب الفلسطيني وفصائله حوله كان يدعو للحوار على اعتبار أنه، حسب قوله، يؤمن بالديمقراطية ومشاركة الآخرين في اتخاذ القرار وتوجيه السياسة الفلسطينية. وكان دائما يحيط دعوته للحوار بهالة إعلامية وبصور اللقاءات المتوجة بالقبل مع زعماء المعارضة.
دعا عرفات للحوار عام 1984 بسبب المأزق الذي مر به بعد إقامة علاقات مع مصر وتشكيل جبهة الإنقاذ الفلسطينية. حاور بعض الفصائل الفلسطينية وتعهد بإجراء إصلاحات جذرية في طريقة عمل منظمة التحرير ومؤسساتها. ضعضع عرفات بهذا العمل صفوف جبهة الإنقاذ ولم ينفذ تعهداته للجبهات اليسارية التي تحاورت معه. ودعا إلى حوار مع نشوب الانتفاضة كان نتيجته تمرير هدفه للاعتراف بقراري مجلس الأمن مع إرضاء المعارضة داخل المنظمة بإعلان استقلال شكلي ينفي قرار 242 إمكانية حصوله.
في هذه المرحلة، يمر مشروع السلام الذي تبناه عرفات بأزمة ظاهرية تترافق مع انخفاض كبير في تأييد عرفات والسلطة في الشارع الفلسطيني. (علما أن الكاتب يرى أن الأزمة ليست في مشروع السلام وإنما في شعبية عرفات). عدد متزايد من الناس في غزة والوسط الشرقي يرفعون أصواتهم منتقدين أوسلو والسلطة وعرفات شخصيا غير آبهين بأجهزة الأمن التي تراقبهم وترصد أقوالهم وأفعالهم. هذه الأصوات علت بعدما اكتشفت حقيقة اتفاق أوسلو إثر تطبيقاته العملية، وأصبحت تعرض الاتفاق لخطر السقوط الذي يعني أيضا سقوط مشروع منظمة التحرير الذي ناضلت من أجله أكثر من خمس وعشرين سنة. لهذا كان لا بد من القيام بحركة سياسية تعيد الثقة بالقائد وتحشد التعاطف الشعبي معه. فكان من المتوقع أن يقوم رئيس السلطة بحركة سياسية في محاولة لاستعادة زمام المبادرة وتحسين وضعه الجماهيري وتثبيت اتفاق أوسلو كحقيقة واقعة يمكن المناورة من خلالها لتحسين أوضاع الشعب الفلسطيني. وقد كان الحوار الفصائلي أحد الخيارات المطروحة.
من خلال الحوار الفصائلي يمكن للسلطة، أو أنها تأمل، في تحقيق التالي:
أولا: التلاعب بعواطف الناس من حيث أهمية الوحدة الوطنية ورص الصف.
ثانيا: تحسين شعبية عرفات من حيث أنه المبادر دائما لعمل الخير والاستماع والنقاش وتلبية بعض مطالب المعارضة.
ثالثا: تجاوز فضائح الفساد المالي الذي تغرق فيه السلطة الفلسطينية وإلهاء الناس بقضايا المصير والاستقلال اللفظيين.
رابعا: شل تركيز الناس على اتفاق أوسلو وما يعنيه من حرية إسرائيل في الاستيطان ومصادرة الأرض وصنع جزر فلسطينية يمكن عزلها عن بعضها بسهولة.
أما بالنسبة للفصائل الفلسطينية، وعلى الرغم من قناعتها بأن الحوار لن يؤدي إلى تغيير يذكر على الساحة الفلسطينية على المدى المستقبلي، فإنها سرعان ما تلبي الدعوة. لقد سعت عدة فصائل وعلى مر الأيام إلى إجراء حوارات متواصلة، لكن كل مبادراتها كانت تذهب أدراج الرياح، ولم يكن لحوار أن يتم بدون مبادرة من عرفات. لم يكن من المتوقع أن ترفض الفصائل الحوار أو أن تضع شروطا مسبقة أو جدول أعمال. فقط كان من المتوقع أن يغيب الجهاد الإسلامي عنه، وقد غاب في الجولة الأولى، لكنه لبى الدعوة في المرة الثانية لأسباب ما زالت غير معروفة.
لم يكن من المتوقع أن تأخذ الفصائل المختلفة الحوار بصورة جدية وتصر على جدول أعمال لأنها هي نفسها تمر بأزمة وترى أن الحوار قد ينقذها أيضا من وضعها غير الجيد على الساحة الفلسطينية في غزة والوسط الشرقي. فهذه الفصائل عجزت عن تشكيل جبهة معارضة موحدة وبقيت كل منها أكثر قربا للسلطة منها لبعضها البعض. وهي لم تستطع الإمساك بزمام المبادرة لقيادة الشعب الفلسطيني وافتقرت إلى برنامج واضح تسعى لتطبيقه وإلى خطوات عملية تترجم شعاراتها إلى واقع عملي. وبالتالي فشلت في إقناع الشعب بأنها تشكل بديلا عمليا وحيويا. وقد ظهر بعض هذه الفصائل بمظهر المغازل للسلطة الذي يحاول التقرب منها، وبدا وكأنه جزء من السلطة على الرغم من معارضته اللفظية لها. وهذا ما جعل بعض فصائل المعارضة محط تساؤل وأحيانا التندر من قبل الشارع. هذا ناهيك عن أن بعضها لا يستطيع الاستمرار بدون دعم مالي من عرفات.
على الرغم من أن فصائل المعارضة خططت لتحسين أوضاعها من خلال الحوار إلا أن الشارع الفلسطيني لم يبد اكتراثا بالحوار وفسره على أن المحاورين المعارضين يحاولون الحصول على شيء من الكعكة. وإذا كان من مستفيد من الحوار فهو ياسر عرفات والسلطة. دافعت الفصائل عن قرارها بالدخول في الحوار من ناحية المبدأ حيث أن الحوار بين الأخوة يجب أن يبقى قائما باستمرار مهما بلغت الخلافات والتناقضات في وجهات النظر. دفاعها هذا لا شك صحيح من الناحية المبدئية، لكنه لا يبقى صحيحا إذا كانت منطلقات الحوار أساسا شخصية أو فئوية.
على كل حال، إذا كان لنا أن نلخص تاريخية الحوار الفلسطيني- الفلسطيني فإنه يكون مسبوقا أولا بأزمة يصنعها رئيس منظمة التحرير الفلسطينية تقود إلى غضب فصائل فلسطينية ومحاولتها ثني رئيس المنظمة عن خطواته. يمتنع الرئيس عن التراجع فتقرر الفصائل الانفصال عن الجسم العام للمنظمة أو تجميد عضويتها، وتبدأ بمحاولات حشد الرأي العام ضد ما تم. فشلت المعارضة تاريخيا في حشد الرأي العام أو قيادة معارضة فاعلة، وبقيت في انفصالها أو تجميد نشاطها على هامش الحدث. مع فشلها واستمرار رئيس المنظمة في خطواته، تبدأ هذه الفصائل في استيعاب الأمر الجديد وتعمل على التكيف معه. وبسبب أن سياسات منظمة التحرير تنتقل من فشل إلى فشل، فإن جهود رئيس المنظمة ضمن إجراءاته الجديدة تصطدم بمأزق يحاصره ويجعله في موقف حرج يضغط عليه لتقديم المزيد من التنازلات دون مقابل. ولهذا تحصل أزمة يتم التركيز عليها إعلاميا وبكثافة، مما يحول أنظار الشعب الفلسطيني عن سبب الخلافات الأساسي إلى الأزمة الجديدة التي يمر بها رئيس المنظمة. عندها يعمل رئيس المنظمة إلى الدعوة إلى الوحدة الوطنية والتكاتف ورص الصفوف. فتقوم الفصائل البائسة غير القادرة على تلبية نداء الواجب الوطني وتعلن أن المصلحة الوطنية تقتضي العمل معا.
هنا تبدأ الفصائل الفلسطينية في العمل تحت السقف الذي رفضته سابقا وجمدت عضويتها في المنظمة من أجله، ويصبح نطاق عملها هو تدبير الأمور تحت ذلك السقف. تصبح إجراءات رئيس المنظمة السابقة واقعا مقبولا وتعود الفصائل إلى سابق عهدها. وبعد فترة يتخذ رئيس المنظمة إجراءات جديدة تثير غضب الفصائل وتبدأ الدورة من جديد لتنتهي بانفراج يعقبه إجراءات أخرى، وهكذا. تنازلات كثيرة حصلت وسببت أزمات، لكنها مع الزمن أصبحت حقيقة مقبولة لدى فصائل الغضب .
أي أن الحوار الحالي من شأنه أن يجعل من اتفاق أوسلو سقفا لا بد من النضال من خلاله. كان أوسلو مرفوضا في السابق، لكنه الآن يشكل أمرا واقعا لا مفر من التعامل معه وتحسين ظروف التفاوض ضمن منطلقاته. وحسب التطور التاريخي للقضية الفلسطينية ينذر هذا بأزمة جديدة على الساحة ستنتج عن إجراءات جديدة تتخذها القيادة.
المسألة هنا لا تتعلق حقيقة بمفهوم الحوار وجدواه وفوائده. الحوار بين الناس ضروري ويجب أن يبقى قائما، كما أن الود بين الناس يجب أن يبقى قائما مهما اختلفوا. الشعوب الحية هي التي تقبل على الحوار باستمرار وتؤمن بالمشاركة الجماهيرية وتفاعل الآراء. أما الأمم البائسة فهي تلك التي تعتمد العقلية القبلية والأبوية والتسلط، وتظن أن الناس فيها لا يفقهون وأن الأب الحاني هو الذي يفكر عن الجميع ويخطط لهم.
لكن الحوار يبقى عديم الجدوى إذا كان مجرد أداة للوصول إلى هدف سياسي آني أو تجاوز أزمة آنية. هذا بالحقيقة ليس حوارا، وإنما استخدام لعواطف الناس ومشاعرهم وتطلعهم نحو الوحدة الوطنية ولم الشمل. إنه تلاعب بعواطف الناس ولن يأتي على الشعب إلا بالخسران والخيبة، ولن يقودهم إلا إلى الوقوع بصورة متزايدة في وحل الإحباط.
أما إذا كان الشعب الفلسطيني يتطلع نحو حوار جدي يؤتي ثمارا بعيدة المدى ويرسخ نهجا على الساحة الفلسطينية، فإنه من المطلوب القيام بخطوات جدية وجذرية نحو التغيير. فمثلا يجب الكشف عن الميزانيات السرية وضمها للميزانية العامة، ومحاربة الفساد المتمثل بالإهمال والاختلاس والاحتيال والوساطة. ويجب أن تقوم قيادة جماعية وترسيخ مبدأ محاسبة المسؤول ومقاضاته، وإلغاء سياسة الاستزلام والتبذير والتوجه نحو الإنتاج والبناء، الخ.