مأساة المثقفين

يرى الواقف على دقائق الوضع الفلسطيني هول المأساة التي يتعرض لها شعب فلسطين، وحجم القوى الداخلية والخارجية التي تعمل ضده وتخضعه لبرامج متعددة الأصناف والأنواع. وهي مأساة تتعدى الحدث البارز، وتفوق دراما العناوين الصحافية المتعلقة بفلسطين. إنها مأساة تحفر في الجسد الفلسطيني لتنتهي الى معلم عظيم من معالم التراجعات في تطور القضية الفلسطينية. إنها تنخر عظام أهل فلسطين على مدى الأيام لتصبح كبرنامج مرتب على مدى زمني طويل في غمرة تطور سياسي قد يبدو مفاجئا أو حدثا بلا جذور.

عندما سقط الجزء الأكبر من فلسطين عام 1948 ظن البعيد عن الحدث أن السقوط لم يكن سوى هزيمة في ميدان المعركة، ولم يُنفذ تحليلاته فيما جرى قبل السقوط. ولهذا فوجئ صاحب الظن بعد ثلاثين سنة بأن قيادات عربية كانت على تنسيق مع قادة الحركة الصهيونية، وأن قيادات فلسطينية كانت تبيع الأرض لليهود في الظلام. واستنتج بعد زمن طويل أن سقوط فلسطين لم يكن ناجما فقط عن تآمر قوى خارجية، وإنما يعود أيضا إلى عوامل داخلية كانت تدفع باتجاه السقوط وضياع البلاد.قفزت مسألة بيع الأرض لليهود الى صدارة الأحاديث الفلسطينية، السياسية منها والشعبية، بعد عام 1967، وجرى تركيز عليها بعد اتفاق أوسلو. وعلى الرغم من أهمية هذا الأمر، إلا أن الأمور تجاوزت مسألة بيع قطعة أرض. ففلسطين الانتدابية بأكملها في يد إسرائيل، ولم تعد عشرات الدونمات أو مئات منها تشكل قضية جوهرية بالنسبة لإسرائيل وما أصبح يسيطر على التفكير الاسرائيلي هو مصادرة الانسان أو شرائه حتى تحول بينه وبين الأرض. فالأرض إن اغتصبت أو اشتريت تبقى موضوعاً يفعل الانسان فعله نحوها، وقد يستردها أو يحولها إلى موضوع نزاع مستمر. ولهذا كان المهم بالنسبة لإسرائيل ومن يدعمها التركيز على إلغاء الإنسان الذي يمكن أن يسترد الأرض.

لا أريد الخوض هنا بما فعلته منظمة التحرير الفلسطينية بهذا الخصوص وما تفعله الآن السلطة الفلسطينية بصورة مباشرة حيث أنني عرضت سابقا أساليب القيادة الفلسطينية في شراء الناس، لكنني سأعرض باختصار محاولات السيطرة على النخب الفلسطينية المثقفة وتوجيهها بطريقة تنزع القضية الفلسطينية من الصدور وتضعها في قالب العولمة الذي تركز عليه القوى العالمية الهادفة إلى ترسيخ الوضع القائم. ومن أعنيهم بالنخب المثقفة هنا هم أساتذة الجامعات والأدباء وفئات المثقفين بصورة عامة. هؤلاء هم الذين يصيغون ثقافة شعبية وربما جماهيرية من شأنها أن تبلور مجموعة القيم والأهداف والتطلعات. وإذا تم توجيههم بطريقة معينة فإنهم ينشرون وينظّرون للقيم والأهداف المبنية أساساً بهذه الطريقة. وإذا كانت الطريقة معاكسة لطريق تحرير الأرض أو إقامة الدولة فإنها تخلف قيماً وأهدافا بعيدة عن القيم الفلسطينية والأهداف التي تبلورت بعد ضياع البلاد.

ولهذا فتحت الدول الغربية المؤيدة لإسرائيل خزاناتها من أجل التأثير بالنخب الفلسطينية المثقفة وجذبها نحو نمط التفكير الغربي الذي يحاول نزع قيم العزة والكرامة الوطنية والوفاء للتاريخ من صدور وعقول مثقفي وصانعي القرار في دول العالم الثالث عامة وفي البلاد العربية بصورة خاصة. لقد تبنت هذه الدول سياسة استقطاب المثقفين من خلال برامج تتخذ من العلم والبرمجة الأكاديمية والتطور الاقتصادي ستاراً لها. وأذكر هنا بالتحديد الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا، وبدرجة أقل حدة النرويج والسويد وإسبانيا وفرنسا وكندا.

دخلت هذه الدول ببرامجها إلى الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة /67 بصورة ملحوظة في الثمانينات، وزادت وتيرة دخولها بصورة مركزة بعد اتفاقية أوسلو، وفتحت الباب أمام الفلسطينيين للمشاركة في ندوات ومؤتمرات وورشات عمل حول نواحي الحياة الفلسطينية وذلك من خلال قوة المال. فقد رصدت عدة دول أموالا لتمويل البحث العلمي والمؤتمرات العلمية الخاصة بالشؤون الفلسطينية، واستطاعت أن تحصل على معلومات وافرة عن البيت الفلسطيني من أهله مباشرة.

تدرك هذه الدول ومعها إسرائيل أن المعرفة العلمية هي أساس اتخاذ القرار السليم وأساس التخطيط الدقيق. فتنفيذ أهداف معينة يتطلب معرفة بالجهة التي سيقع عليها الفعل من مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والنفسية. ومن خلال هذه المعرفة يستطيع صانع السياسة أن يحدد الثغرات التي يمكن أن يدخل من خلالها، وأن يحدد أي السياسات يمكن أن تلاقي قبولاً واستجابة وأيها يمكن أن يواجه رفضاً أو يسبب رد فعل معاكس.

ولهذا عملت هذه الدول على إقامة مراكز أبحاث في الضفة الغربية وقطاع غزة وزودتها بالتمويل اللازم وأغدقت الأموال على الباحثين. واستطاعت بالفعل تجنيد عدد لا بأس به من الفلسطينيين للإشراف على هذه المراكز، واستقطبت الكتاب والباحثين، بخاصة من أساتذة الجامعات والأدباء ونشطاء الفصائل والتنظيمات والأحزاب. لم تحاول هذه الدول استبعاد أحد، بل عملت على استقطاب من عرف تقليدياً بإعجابه بالأنماط الغربية ومن عرف بمعاداته للغرب وسياساته في المنطقة، ومن عرف برفضه لاتفاقيات السلام مع إسرائيل ومن عرف بقبوله لها.

وبالطبع لم تحاول هذه الدول القيام بنشاطاتها بصورة جاسوسية، وإنما نفذته في وضح النهار من خلال قنصلياتها ومؤسساتها غير الحكومية ومراكزها الثقافية. وقد أتت للناس من باب الحرص على المصلحة الفلسطينية وتطوير الاقتصاد والمجتمع الفلسطيني. لقد ظهرت بأنها مهتمة برفع جزء من المعاناة عن شعب فلسطين الذي ذاق مرارة الحرب والتشريد والحرمان. لكنها خلال عملها عملت على ترسيخ القيم الغربية في الأداء وإدارة المراكز، وحتى في وجبات الطعام التي تقدم أثناء المؤتمرات والورش الدراسية. وأهم هذه القيم كانت الحيادية التي تنطلق من الواقع دون الاستناد الى التاريخ. فمثلا من المهم أن يركز الباحث على كيفية التأقلم مع وجود اسرائيل وحل مشكلة اللاجئين ليس من خلال البحث في تاريخ التهجير وسياسة الانتداب البريطاني وإنما من خلال الحقائق الموجودة على الأرض الآن. أو من المهم التركيز على اتفاق أوسلو كأرضية للشرعية الدولية وليس على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 لعام 1947.

لم يكن مدهشاً أن تستطيع هذه الدول استقطاب عدد كبير من النخب المثقفة، ولم يكن مدهشا أن يتسابق المثقفون لنيل جزء من الفطيرة. لقد بينت سابقا كيف استخدمت منظمة التحرير الأموال من أجل استقطاب التأييد السياسي، وهي بذلك ساهمت في تهيئة الأرضية التي توفر للمثقف مناخ الاستهداف والقبول به. ولم تتبلور لدى عدد كبير من المثقفين في فلسطين ثقافة دفع الثمن أو التضحية من أجل الهدف الأسمى، وإنما تبلورت ثقافة قبض الثمن. طبعاً لم تنجح هذه السياسة الثقافية لدى كل المثقفين، لكنها غزت عقول القطاع الأوسع منهم. أي أن ما زرعته منظمة التحرير تناسب تماما مع ما رغبت الدول الغربية في وجوده.

تسابق المثقفون والباحثون على القيام بالأبحاث الممولة والمشاركة في البرامج المختلفة. تسابق الأكاديميون على أخذ موقع طمعا في الأموال المقدمة أو في الدورات العلمية خارج البلاد. وتسابقت الجامعات على الدعم الخارجي حتى بدت مراكز أبحاثها وكأنها وكلاء لمشاريع الدول الغربية البحثية. حتى أن مثقفين من فصائل معارضة مثل الجبهتين الشعبية والديمقراطية تعاونوا في مثل هذه المشاريع، ومثقفين من الشيوعيين المعروفين بتناقضهم العقائدي مع الرأسمالية لم يتوانوا عن التعاون. حتى أن الحمى أخذت تشمل مثقفين معروفين بانتمائهم للحركة الإسلامية.

كانت النتيجة أن قدم علماؤنا وأكاديميونا معلومات مستفيضة عن الوطن والمواطنين والفصائل والأحزاب وطرق عملها واتخاذ القرار فيها، واستطاعت الدول الغربية ومعها إسرائيل أن تتعرف على تفاصيل دقيقة عن حياة الفلسطينيين والعوامل التي تؤثر في نفسية الشعب الفلسطيني وطرق تلقيه للسياسات المختلفة وردود فعله تجاهها ومدى تقبله أو رفضه لها. ومع هذا السيل من المعلومات أصبح من الممكن تصميم السياسات التي تعود بالنفع على إسرائيل دون استثارة المشاعر الفلسطينية أو خلق نوازع الرفض. ثم تصميم سياسات تقفز عن المشاعر الفلسطينية التاريخية تجاه إسرائيل وتتجاوز البحث في المطالب الفلسطينية والحقوق المشروعة والشرعية، وذلك لصالح سياسات تقود إلى قبول إسرائيل وتطبيع العلاقات معها ودمجها في المنطقة دون أن تدفع ثمناً حقيقياً للشعب الفلسطيني.

لقد كان من المستحيل قبل سنوات أن يقتنع فلسطيني بالاعتراف بإسرائيل دون الاقتران بحق تقرير المصير. ولكننا نجد الآن أن أولئك الفلسطينيين الذين تبنوا دفاعا مريرا عن ضرورة الاعتراف المسبق بالحقوق الفلسطينية كشرط لتسوية سلمية مع إسرائيل قد تحولوا إلى مدافعين متحمسين عن اتفاقيات لم تلتزم بأي حق فلسطيني مشروع. ونجد أيضا أولئك الذين حملوا لواء تطوير اقتصاد فلسطيني مستقل عن اقتصاد إسرائيل يدافعون عن ضرورة فتح المصانع والمزارع الاسرائيلية أمام العمال الفلسطينيين. ولم يعد خافيا على أحد أن فدائي الأمس الذي أراد تحرير فلسطين من البحر إلى النهر يقوم باعتقال فلسطينيين يهاجمون إسرائيل.

لا أستثني هنا العوامل الأخرى التي تلعب دورا في صياغة الرأي العام الفلسطيني والتي تجعله عرضة للتقلب من موقف إلى نقيض بسرعة، لكنني أفترض ثبات هذه العوامل أمام متغير السياسة الغربية التي عززت دور العوامل الأخرى، والتي منها التفكير القبلي والتربية التبعية التي انتهجتها منظمة التحرير والفصائل الفلسطينية المختلفة. لقد اخترقت السياسة الغربية العقلية الفلسطينية التي طورت مفاهيم الاعتدال والحكمة والتعقل حسب التفسير الغربي لها. تحولت الشجاعة العربية تحت مفهوم الاعتدال الغربي الى جبن، واقتنع الفلسطينيون أنهم من الممكن أن يكونوا حكماء بدون عزة أو أعزاء بدون قوة، وتطور لديهم مفهوم التعقل المرتبط بالواقع. وهكذا تحولت القضية الفلسطينية من قضية وطنية تتطلب حشد الطاقات والجهود الى مسألة ديبلوماسية مع كل ما يصاحبها من استرخاء وترهل وتواكل واستنجاد بقوى غير صديقة أو معادية للشعب الفلسطيني.

إن لمنظمة التحرير دور كبير في جر الشعب الفلسطيني نحو هذا الوضع، لكن المثقفين والأكاديميين لعبوا دور السمسار الذي لا تهمه الضحية إزاء ما يحقق من مكاسب شخصية. لقد طوعوا قدراتهم وطاقاتهم للنهم المعرفي الغربي، وبذلك أوقعوا بالشعب الفلسطيني وجعلوه عرضة للتلاعب السياسي الهادف إلى تحويله عن حقوقه المشروعة. لقد استطاع العقل التآمري الغربي أن ينفذ إلى التفكير الفلسطيني في زمن تكاثر المثقفين أكثر مما استطاع في زمن الجهل. وقد ثبت أن الفلاح البسيط أكثر قدرة على المحافظة على وطنه وهويته الوطنية أكثر من العالم الأكاديمي والأديب. كان يخجل الفلاح من تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وكان يتوارى عن الأعين إذا اضطر لمصافحة إسرائيلي، وكان يرفض المساومة على الوطن. أما المثقف فقد خلع كل الأثواب باسم الواقعية والعقلانية ليرتدي الشفاف من اللباس ويحول الوطن الى عورات مكشوفة.

ويجادل بعض المثقفين والاكاديميين والأدباء بأنهم ليسوا جواسيس ولا يمكن ان يصبحوا كذلك من خلال حضور مؤتمر أو كتابة بحث، وأنهم قادرون دائما على المحافظة على أنفسهم من خلال وعيهم بمخططات الأعداء. هذا صحيح إذا كان المقصود بالتجسس هو تلمس أخبار المواطنين وكتابة تقارير شخصية مباشرة عن الأفراد والجماعات. لكنهم في الحقيقة يقومون بأعمال أخطر بكثير من عمل المخبر أو الراصد للنشاطات. إنهم ينقلون معلومات حيوية لدول لها أهداف مغايرة، بل معادية، لأهداف الشعب الفلسطيني، بصورة علنية وتحت شعار المعرفة للجميع وحرية البحث العلمي وانتقال المعلومات. وهم لم ينقلوا معلومات حول المجتمع الفلسطيني على اتساعه فحسب، وإنما نقلوا معلومات حول الفصائل المختلفة وطرق عملها بما فيها فتح وحماس والجبهات المختلفة.

وهم يجادلون بأن المعلومات التي تزخر بها أبحاثهم وأوراقهم العلمية منشورة وليست حكرا على أحد، وبإمكان أي جهة أن تستفيد منها. وبالتالي فإنهم، حسب قولهم، يستخدمون الأموال الغربية لإجراء أبحاث يستفيد منها الجانب الفلسطيني في صنع قراراته التي تمكنه من المحافظة على حقوقه. وهذا جدل مردود، لأن الجانب الفلسطيني، في الغالب، لا يقرأ أبحاثاً علمية ويستند في قراراته على الشخصية الاستبدادية التي تدعي معرفة كل شيء، ولأن الجانب الآخر، إسرائيل والدول الغربية، تملك الامكانيات المادية والبشرية، لتنفيذ سياسات مستندة على ما يتوفر لديها من معلومات.

لقد ألحق المثقفون هؤلاء دمارا كبيرا في البلاد يفوق ذلك الذي ألحقه سماسرة الأرض. يحاول سمسار الأرض أن يبيع قطعة أرض لليهود، لكن المثقف المستخدم من قبل جهات أجنبية يحاول بيع الإنسان. فالأرض بدون الإنسان لا قيمة لها، والأرض التي تضيع لا يستردها إلا الإنسان. فإذا ضاع الإنسان أو غاب لا يبقى هناك من يسترد الأرض. لقد تآمر سماسرة الأرض على الوطن، وتآمر سماسرة المعرفة على أهل الوطن. والنتيجة كما نراها أمام أعيننا اليوم. إسرائيل تسود فوق فلسطين، وعلى أهل فلسطين أن يقفوا حراساً على أمنها وأمانها.

يلوم العديد من الفلسطينيين، وعلى رأسهم أعضاء في النخب المثقفة، العرب على سوء أحوالهم وتُحملهم المسؤولية عما آلت إليه الأوضاع الفلسطينية. صحيح أنه لا يمكن تحرير العرب من المسؤولية، لكن الفلسطينيين يتحملون الجزء الأكبر منها. أدباء عرب ومثقفون وأكاديميون كثيرون يقفون بصلابة في مواجهة إسرائيل والتطبيع معها، بينما يضطر اتحاد كتاب عربي أن يجمد عضوية اتحاد كتاب فلسطين لأسباب لها علاقة بالتطبيع مع إسرائيل. شابة لبنانية تقف بشموخ في مدريد رافضة أن تصافح الإسرائيليين بينما يقدم الفلسطينيون على ذلك ليثبتوا أنهم مسالمين. يأبى أهل مصر التعامل مع صهاينة محتلين، بينما يقيم مثقفو فلسطين حفلات الاستقبال لمن احتل بلادهم.

هذا ما جرى على أرض فلسطين بمباركة منظمة التحرير، ويجري الآن بمشاركة فعالة من أعضاء في سلطة الحكم الذاتي.