مأساتنا
إذا عجزت القيادة عن تحقيق الهدف أو فشلت أو ابتعدت عن قيم الإنجاز وتوحيد الجهود، فإن الشعب يقومها، هذا إن كان الشعب حيا. الشعب الحي لا يصبر على ضيم ولا يستكين لفشل ولا يفسح مجالا للتلاعب بعواطفه وأحاسيسه ولا يتهاون مع تجاوزات تعتدي على قيمه وأخلاقياته. الشعب الحي عبارة عن شعب يعرف الالتزام ويقدره ويدافع عن مقوماته وأسسه لأنه شعب يحقق الإنجازات والتقدم ويتميز أبناؤه بالحيوية والنشاط وأداء الواجب والتمرد على كل ما من شأنه تثبيط العزائم. أما الشعب الذي لا تهزه الهزائم أو التراجعات ويصمت على المفاسد الاجتماعية والاعتداءات على الحقوق العامة ويسايرها ويجاريها فإنه يفضل البقاء تحت التراب تدوسه الأحداث والأمم الأخرى دون أن يصرخ.
من المعروف تاريخيا أن الشعوب تمر بمراحل منها مرحلتي المد والجزر. في مرحلة المد، يتميز الشعب بالنشاط والحياة المتدفقة وبالأخلاق الراقية مثل العمل الجماعي والتعاون المتبادل والوفاء بالوعد والعهد واحترام الآخرين وحقوقهم وحرياتهم ويركز على الإنتاج والتميز والعطاء. في هذه المرحلة يستمد الشعب قوته من ذاته ومنها تتفجر طاقات الإبداع والتجديد والسعي الدؤوب نحو الابتكار وتحقيق المزيد من التقدم في مختلف مجالات الحياة. وفيها أيضا يكون الناس متحابين متسامحين رحماء فيما بينهم مستعدين للقيام بالمهمات العامة كجزء من تكوينهم التربوي. أما في مرحلة الجزر يكون الناس أفاقين ومنافقين ومخادعين لا يؤتمنون. لا يلتزمون بعهد أو ميثاق أو وعد أو موعد ويغلظون الأيمان بأنهم صادقين. أخلاقهم منحطة ولا يراعون ذمة أو ضمير أو دين، ويسعون في الأرض مفسدين. يعتدون على حقوق بعضهم البعض وينهشون لحوم بعضهم البعض ولا يلتزمون بحرام أو حلال. في هذه المرحلة يكون الناس تافهين وقضاياهم أكثر تفاهة منهم. حكايات عن العفاريت تتفتح لها آذانهم بينما يتركون مستقبلهم للذي يتدبر شؤونهم بمعزل عنهم. لا تقلقهم المصلحة العامة بقدر ما يقاقهم مراقبة بعضهم البعض والنيل من الحياة الخاصة للفرد. إنهم كسالى متواكلون يكثرون من الدعاء الذي لا يستجاب ويقللون من العمل والعطاء. إنهم يعتدون على المصلحة العامة وتكثر لديهم الوساطات والمحسوبيات والخزعبلات ويرفضون الحرية ويفضلون التآمر على الوضوح والبذل والسخاء.
الشعب في مرحلة المد جاهز لتصحيح الخلل وتصويب الأخطاء وجاهز للثورة إن كان هناك ضرورة. أما الشعب في مرحلة الجزر فموضوع للفساد والتراخي والابتذال والسيطرة. تحسب القيادة في مرحلة المد الحساب لشعبها وتحاول أن تتوارى من الأخطاء. أما في مرحلة الجزر فتأخذ القيادة وقتها في فعل ما تشاء من الموبقات بقليل من المعترضين وبكثير من اللقطاء الذين يسعون للحقير من الممارسات. كثيرون هم الذين يحسدون البغاة على بغيهم والمفسدين على فسادهم.
إذا نظرنا إلى أوضاع الشعب الفلسطيني في ضوء ما ورد أعلاه فإنه يتضح أن المرحلة مرحلة جزر وتراجع. وهنا لن أخوض بتفاصيل الأمور لأن ذلك يحتاج إلى عمل كبير يخرج عن نطاق هذا الكتاب، وإنما سألمس على قضايا جوهرية باختصار لكي أُكمل حلقة النقاش التي تقول بتكامل عناصر الهزيمة. تتكون هذه العناصر من القيادة والطليعة والشعب. تتفاعل هذه العناصر ليصف تفاعلها طبيعة المرحلة ولينبىء بالأوضاع النفسية والتربوية والأخلاقية والمادية للأمة. فإذا كانت القيادة متنورة وعلى درجة عالية من السمو والأخلاقي والمعرفة وسعة الأفق والإلتزام والمسؤولية فإنها تأخذ بشعبها إلى الأمام، ولا يعيقها في ذلك إلا تخلف الناس عن طاقاتها وطموحاتها. أما إذا كانت القيادة فاسدة فإن الشعب الحي يقومها. وإذا كانت القيادة فاسدة والشعب ميت فإن الطليعة المتمثلة بالمفكرين والكتاب والأدباء والمثقفين تقفز إلى الصدارة لتمنع التدهور وترتقي بالأمة. أما إذا كانت القيادة فاسدة والطليعة غير موجودة والمثقفون يتزاحمون لنيل النعم من القيادة والشعب ميت يغرق بالفساد أو عدم الإلتزام فإن الأمة بالتأكيد في مأساة.
على الصعيد الاجتماعي، من الواضح أن التعصب القبلي أو العشائري ما زال يضرب جذورا في المجتمع الفلسطيني. وقد برز هذا التعصب في الانتخابات التي جرت في مطلع عام 1996، ونسبة لا بأس بها من الأصوات الانتخابية كانت محكومة بصلة القربى وليس بمبدأ أو برنامج انتخابي. ويظهر هذا التعصب أيضا في الوظائف الرسمية حيث يعمل مدير المؤسسة على تشغيل أقاربه وأصدقائه وأصدقاء أصدقائه. هذا علما أن الروابط القبلية في هذه المرحلة قد خفت حدتها لصالح القبائل الحديثة وهي الفصائل الفلسطينية. على الرغم من أن هدف هذه الفصائل هو حشد الطاقات الفلسطينية من أجل التحرير إلا أنها لم تخرج عن التقليد العربي وحوّل كل فصيل نفسه إلى قبيلة تؤمن بالمثل القائل “أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب.” هذا بشأن الصراعات الداخلية، أما بشأن الصراع مع قوى خارجية فإن المثل المستعمل “انج سعد فقد هلك سعيد.” وعلى نمط القبائل الجاهلية التي كانت تستعين بقوى خارجية من أجل تثبيت نفسها لا يوجد مانع الآن للاستعانة بقوى خارجية لحسم صراع داخلي.
في المجتمع القبلي لا يبحث الناس في الحق وعن الحق وإنما يبقون أسرى لتحيزاتهم وتقوقعهم ومصالحهم الخاصة. المهم هو مصلحة القبيلة أو الفصيل حتى لو تضررت مصلحة الأمة. في مجتمعنا يعي الناس الآن أن هذا سلوك خاطىء ويتنافى مع القيم القويمة لكنهم يمارسونه.
وهذا يقودنا إلى مسألة الوعي. كثيرون هم الذين يعون الحقيقة ويعرفون حقوقهم وواجباتهم لكنهم لا يطبقون. هناك انفصام واضح بين المعرفة النظرية وبين التطبيق العملي، وفصل جلي بين الوعي النظري والوعي العملي. يتحدث الناس في بلادنا كثيرا عن ما يجب عمله لكنهم لا يعملون أو يعملون النقيض. فمثلا من الممكن أن يتحدث المرء عن ضرورة إبقاء الشارع نظيفا لكنه في نفس اللحظة يلقي شيئا يجعل الشارع قذرا، ومن الممكن أن يتحدث عن ضرورة احترام الناس لبعضهم البعض لكنه يأتي في نفس اللحظة على سيرة أخيه بالسوء. المبادىء شيء والتطبيق شيء آخر. المبادىء من أجل تبادل أطراف الحديث، بينما يعرف المتحدثون سلفا أن أحدا منهم لن يلتزم.
في بلادنا يتحدث الناس ضد الوساطات والمحسوبيات والفساد الإداري على المستوى الرسمي، لكن يبدو أن أغلب الناس فاسدين كل بطريقته الخاصة. عندما كانت الإدارة بيد الاحتلال كان الكثير من الناس يبحثون عن جواسيس وعملاء للاحتلال لينجزوا بعض مصالحهم مثل الحصول على تصريح أو وظيفة. وبعدما أتت السلطة الفلسطينية وازدادت أهمية الوساطة في إنجاز المصالح الذاتية، لم يقف الناس بجرأة في مواجهة هذا السلوك وإنما تمادوا في المهادنة والتمشي مع الوضع الذي نشأ وكثفوا جهودهم في البحث عن وساطات وفي الحصول على أشياء لا يستحقونها أو أنها من حقوق الغير. وحتى الناس الذين من المفروض أن يكونوا طلائعيين في الدفاع عن الحق طفقوا يبحثون عن وسائل لإشباع شهواتهم وتحقيق مصالحهم الخاصة حتى لو كان ذلك على حساب الوطن والمواطنين. ولم ينج من هذا الانحطاط المناضلون السابقون الذين طالما نصبوا أنفسهم مدافعين عن القيم والأخلاق والمصلحة الوطنية وبناء الوطن. فجأة فإذا بهم في سلم الهاوية والتسابق على المصالح الشخصية والمناصب وكأنهم لم يناضلوا أبدا من أجل حق أو وطن. ولم يخرج حتى أناس متدينون عن هذا السلوك وإجازة ما لا يجوز إسلاميا.منذ أتت السلطة الفلسطينية وكثيرون يتدافعون من أجل تكريم العائدين بإقامة الحفلات الطعامية وتقديم الهدايا والمبالغة بالنفاق. كان بود الناس أن يقوموا بذات الأعمال النفاقية في ظل الإدارة الإسرائيلية، لكن الإسرائيليين لم يكونوا مغرمين بالولائم والهدايا. علما أن بعض موظفيهم كانوا يمارسون الفساد ولكن على نطاق شخصي. فمثلا كان يخرج بعض موظفي دائرة ضريبة الدخل أثرياء جدا لأن عددا لا بأس به من تجارنا كانوا يقدمون لهم الرشاوى والهدايا. وعندما أصبح الفساد ظاهرة عامة اصبح النفاق والسعي الحثيث نحو الفساد ظاهرة عامة.
صحيح أن السلطة أتت بفساد لكن الجمهور كان عاملا رئيسا في زيادة الحدة وتصاعد الفساد. بنى بعض الناس بيوتا أشبه ما يكون بالمجان لبعض رجالات السلطة. هذا قدم الإسمنت وذاك قدم الحصمة، وقدم ثالث الحجر وقام آخر بالتشطيب، الخ. وكان واضحا مدى التهاوي لدى الناس عندما أقبل الآلاف على الالتحاق بأجهزة أمنية يعتبر كتابة التقرير بخصوص نشاطات الناس جزءا رئيسا من عملها. لم تردع هؤلاء الناس تلك السنوات الطوال العجاف التي عانى فيها شعبنا من سطوة أجهزة المخابرات الإسرائيلية والعربية. على الرغم من المعاناة الشديدة التي لقيها شعبنا على أيدي الجواسيس والعملاء لم يكن لدى الأعداد الضخمة من شعبنا مانع من التسكع بين الناس وفي المجالس لتلقط الأخبار ورصدها ورفعها إلى المسؤول.
قبل عام 1948 وخلال سنوات الاحتلال وحتى الآن يقوم أبناؤنا ببناء المستوطنات. نحن نكنس شوارع تل أبيب وناتانيا، ونحن نقطف ثمار البرتقال ونحصد المحاصيل لصالح العدو الذي اقتلعنا من بيوتنا ليزداد ثراء ويزداد قوة. قوتنا بهذا المنطق رصيد للعدو وعبء علينا. اشتغل الآلاف في التجسس لصالح إسرائيل وما زال الجواسيس حتى الآن يصولون ويجولون ويكتبون إسرائيل حول مختلف النشاطات والأعمال والأشخاص. نحن نُقبل كما أقبلنا في الماضي على شراء البضائع الإسرائيلية، وليس من الغريب أن يدخل المرء إلى حانوت ليشتري بضاعة إسرائيلية، وإن لم يجد قد لا يشتري الشبه العربي لأن المنتج العربي غشاش. نحن نرتاد محلات الترفيه الإسرائيلية وندفع رسوم الدخول لإسرائيل، وهناك لا نرمي القاذورات على الأرض بل في سلة المهملات. وإن ذهبنا إلى منطقة خاصة بنا فإننا نحيلها إلى مزبلة. إذا ذهبنا إلى دائرة يديرها الإسرائيليون نصطف حسب الأصول وحسب الدور ليس لأننا نحترم النظام وإنما لأننا نخاف، أما في دائرة عربية فلا نقبل إلا بالفوضى.
نريد أن نقترف بحق الوطن كل المتناقضات وفي آخر النهار نشن الهجوم الكاسح على القادة العرب وعلى أمريكا وعلى اقيادة الفلسطينية. وقد نتوجه بالدعاء إلى العلي القدير لكي يرسل طيرا أبابيل أو أن يترك مياه البحر تفيض على الساحل فيتحول اليهود إلى أثر بعد عين أو أن يبعث فينا صلاح الدين الجديد. أنا لا أفهم لماذا يمكن أن يستجيب الله دعاءنا. إن ما أفهمه أن الذي يعين العدو على عدوانه يجب ألا يتوقع مساعدة إلهية. وربما لو ظهر صلاح الدين بيننا الآن لعاد مسرعا إلى قبره، وربما لو اختار أن يبقى بيننا لقتلناه. أحاول أن أتخيل أن صلاح الدين يطلب من الناس التوقف عن النفاق والكذب، أو أن يتوقفوا عن استهلاك البضائع الإسرائيلية أو أن يطلب التجنيد الإجباري من الرجال والنساء أو أن نتوقف عن بناء المستوطنات والعمارات لليهود. بالتأكيد سنقول أن هذا معتوه يتقمص شخصية صلاح الدين وسنقتله درءا للفتنة.
هل نعي أن العديد منا يقطعون الشارع بالطول، وهل نعي أننا لا نشعر بحرج عندما نتوقف بسياراتنا في عرض الشارع لنتبادل الحديث بينما ينتظرنا الآخرون حتى ننهي مهمتنا؟وهل ندرك معنى استعمال منبه (زامور) السيارة لمناداة الآخرين؟ يتوقف الواحد منا في الشارع يريد صديقا أو زوجا أو أخا، وبدل أن يترجل ليقرع الجرس يطلق العنان لمنبه سيارته. وكذلك نفعل في حفلات الزواج فنطلق العنان لمكبرات الصوت وموسيقاها المزعجة لقرع آذان الناس. والأسوأ أننا ندور في شوارع المدينة أو القرية بمنبهات السيارات محتفلين بالعريس الجديد.
وهل نعلم أن غالبية كبيرة منا لا يقرأ كتابا بعد حصوله على شهادة؟ وهل نعرف ما مغزى تلقين أستاذ جامعي طلابه تلقينا وأن كل ما يفعله في المحاضرة هو تدريب طلابه على النسخ؟ وهل نعرف ماذا يعني بقاء مدرسي المدارس في ضائقة مادية؟ وهل نحن على وعي بالتدهور المستمر للعملية التعليمية بينما يحرز طلابنا معدلات عالية؟ وهل نعرف أن منهاجنا الحياتي والتعليمي يسلب أبناءنا القدرة على المبادرة واتخاذ القرار ويحولهم إلى إمّعات متكاسلين متواكلين وغير مبدعين؟
نحن ما زلنا حتى الآن نظن أن فتياتنا عبارة عن سلعة تجري المفاوضات غالبا حول مهورهن. ما زلنا نظن أن المتقدم لطلب يدها غير مؤتمن وأنه من الممكن أن يغدر بها في يوم ما. ولهذا يجب أن يشتري لها الكثير من الذهب من أجل المستقبل، ونشترط عليه مهرا مؤجلا عاليا لكي يكون رصيدا للفتاة بعدما يطلقها. هذا يجري ونحن نعلم مسبقا أن الرجل لا يعمد إلى طلاق زوجته قبل أن يستدرجها لصرف ما لديها من الذهب أو أغلبه، وهو يسعى أيضا إلى تحويل حياتها إلى جحيم لكي تطلب هي الطلاق مع مسامحته بمهرها المؤجل. وإن لم يفعل الزوج ذلك وأقدم على الطلاق فإن دائرة الإجراء تحكم بدفع المؤجل على أقساط منخفضة جدا بحيث لا تشعر الفتاة بقيمة حقيقية لمهرها الذي ظنت أنه أمان مستقبلها. نحن نعلم هذا ومع ذلك نصر على تعقيد إجراءات الزواج وعلى بث الريبة والشك بين الزوجين قبل أن يتزوجا. ومع هذا نتحدث باستمرار عن ضرورة تطوير مجتمع مترابط، ولكثرة كلامنا يتوقف عقلنا عن استيعاب أبعاد عدم قدرة الشباب على الإقدام على الزواج.
نحن نضرع إلى الله العلي القدير أن يمدنا بجنده عندما يعتدي يهودي على الأرض أو يصادرها، لكننا على استعداد أن نخوض المعارك المتواصلة ضد جار طمع ببضعة أمتار من الأرض أو في مواجهة أخ نظن أنه يريد أن يرث أكثر من حقه. هناك العديد من الأخوة الذين يقاطعون بعضهم البعض لأسباب تتعلق بالميراث، لكنهم على استعداد أن يتعاملوا مع الذين سلبوا الوطن إذا سنحت لهم الفرصة ذلك. أما أخواتنا فلا مانع من أكل حقوقهن. عدد قليل منا يجلس وأخته للحديث حول كيفية تطبيق شرع الله فيما يخص الميراث. يأكل الواحد منا (أغلبنا) نصيب أخته ويحاول أن يذلل عيونها ببعض الإحسان. وعندما نأتي على ذكر الله سبحانه يرخي الواحد منا رموشه خشوعا وتعبيرا عن مخافة الله.
الإسلام ضعيف في نفوسنا ومخافة الله ليست من أولوياتنا. تنظر إلى المساجد بخاصة يوم الجمعة فتجد جموعا غفيرة من المصلين، ولو قدرت أن صلاتهم تنهاهم عن الفحشاء والمنكر والبغي لكنا هزمنا إسرائيل منذ أمد بعيد. لكن إسرائيل لم تنهزم، وهي تفتح إذاعتها بالقرآن الكريم والحديث الشريف، وفي رمضان تجد أبا جرير يصدح بالإيمان من على ذبذباتها. حتى أنها تنقل عبر الأثير وقائع صلاة الجمعة. إنها تعلم بهذا أن الدين السطحي الذي يهنم بالمنظر دون الجوهر لا يضر إسرائيل ولن يكون إلا تعلقا بالمجهول الذي لا ينفع.منذ أن كنت طفلا وأنا أسمع خطيب يوم الجمعة يدعو الله بأن يرمل نساء اليهود وأن ييتم أطفالهم ويشتت شملهم، ومنذ ذلك الحين وأنا أعلم أن نساءنا هن اللواتي رُملن وأطفالنا هم الذين يُتموا وشملنا هو الذي شُتت. لكن المشكلة أن الإمام لم يقتنع بعد أن دعاءه لم يستجب ولم يفكر جديا بتغيير أسلوبه وتطلعاته، وربما لم يخطر بباله أن الدعاء بهذه الطريقة قد لا يكون مجديا. ومنذ كنت صغيرا وأنا أعرف أن الناس يتوجهون إلى الله بالدعاء لكنني لم أجد شيئا من القطران مع هذا الدعاء.
أغلب ظني أن الدين عندما يتحول إلى شعائر مفرغة من محتواها العملي الذي يعطي مردودا اجتماعيا وعاما فإن الشك يلف مسألة الإيمان. الإيمان القائم على عقيدة راسخة لا بد أن يجد التعبير السلوكي العملي الذي يأتي بالخير على الجميع. أما عندما تكون المظاهر الدينية السائدة خالية من مردود عملي فإنها لن تكون سوى تعبير عن الخوف من المجهول وليس إيمانا بالله.
نحن نقول لأطفالنا في كثير من الأحيان أنهم لا يعرفون ولا يقدرون ونطالبهم ألا يحاولون. وهذا قول يستمر معنا في مختلف مراحل الحياة. حياتنا مليئة بتعبيرات “ما بتعرف، ما بتقدر، ما بتفهم، ما بتفكر، لا تعمل، لا تقوم، ولا ولا ولا.” حياة مليئة بالمثبطات ومحاولات قهر الإرادة وتحويل الإنسان إلى أداة. هناك تربية فوقية استبدادية تفترض أن الفهم والمعرفة حكر على السيد الذي يدرك ويعقل وعلى من دونه أن يكونوا مجرد عاهات تدين له بالطاعة. ولذا تزدحم حياتنا بالأوامر والنواهي التي تحاصر الفرد وتشل تفكيره وتحرمه من التفكير الحر والقدرة على اتخاذ القرار وتسلبه حقه في بلورة شخصيته وتطوير ثقته بنفسه. وتبعا لذلك اتسع مفهوما العيب والحرام في المدى مع الزمن. العيب والحرام يحاصران المرء منا بحيث يحولانه إلى إنسان آلي تحركه عادات الناس وتوقعاتهم منه. من الصعب أن يتحرك الواحد منا دون أن يضع أمامه مسألة ماذا سيقول الناس. عليه أن ينظر دائما أمامه وخلفه وناحية اليمين وناحية الشمال وفقه وتحته ليتأكد أنه لا يخالف القواعد. وبسبب أن الناس لا يشغلون أوقاتهم بالإنتاج ويقضون الكثير من الوقت في مراقبة بعضهم البعض وممارسة المغيبة فإن المرء منا يعرف أنه مراقب وعليه أن يكون حذرا. إنه يعي أنه ليس مراقبا فقط من دوائر المخابرات وإنما مراقب من جارته التي تطل من الشباك كلما دخل بيته وخرج منه، ومراقب من مسؤول العمل ليتأكد أنه تافه وقادر على النفاق والدجل، ومراقب من زوجته التي تريد أن تتأكد أنه لا يلوي رقبته ذات اليمين وذات الشمال، ومراقب من صديقه الذي يريد أن يتأكد أنه لا يقضي الكثير من الوقت قي العمل المفيد، الخ.
لا أريد أن أطيل الحديث هنا فنحن نعرف مأساتنا. كل واحد منا يستطيع أن يتحدث طويلا عن سيئات كثيرة وممارسات مشينة تودي بنا إلى الهزيمة. للهزيمة أصول ومقومات ونحن نعرف أن التزامنا بهذا الخصوص على درجة عالية. فقط أريد أن أُجمل هنا بالقول أنه ينقصنا الإيمان والعقيدة في قلوبنا ضعيفة جدا. نحن قمعيون في علاقاتنا مع بعضنا البعض وفوقيون في ممارساتنا. الخرافة ما زالت تعشعش في نفوسنا ولم يغز التفكير العلمي عقولنا بعد. المرأة لدى عدد كبير منا ما زالت عارا والرجل شيطانا وعلاقة الشك يجب أن تكون عنوان صناعة البيوت. عقلية التآمر ما زالت مستشرية، والاستهانة بالآخرين وقدراتهم ما زالت تكبل الرغبات في تحقيق العمل الجماعي والتعاون المتبادل. نحن نتحدث عما يسمى بالديمقراطية لكننا بعيدين جدا عنها، ونتحدث عن الحرية لكننا لا نصر عليها. من يريد الحرية لا بد أن يقاتل من أجلها، لكن المقاتل يبقى أمام الناس كمن “يريد أن يقيم الدين في مالطا” أو “كمن يحمل السلم بالعرض.” نحن لا نريد الحرية، وإن أعطيت لنا ضمن هذه الممارسات التي تميز سلوكنا فإنني أخشى أننا لن نطيقها ولن نقدر على استعمالها.
بالطبع الصفات والسلوكيات التي أشرت إليها أعلاه ليست مطلقة ولا يمكن تعميمها على الجميع، لكنها ما زالت سمات بارزة تلاحقنا.
وفي النهاية لا بد من القول أنه لو أصر الرأس على التغيير ونقل الأمة نحو الحرية والتحرير لما أصر الناس على البقاء على ما هم فيه من بلاء. عندما يرى الناس أن المسؤول ليس بالحقيقة مسؤولا وأنه يقودهم من إحباط إلى إحباط فإن قوة الدفع لديهم تختفي لصالح التراجع والإنكفاء.