نحن والأمريكيون
عطلت الولايات المتحدة الأمريكية اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947 لكسب الوقت من أجل الضغط على المزيد من الدول للتصويت على قرار لتقسيم فلسطين. وتم لها ذلك في 29/11/1947 بعدما خنعت كوبا لإرادة المال الأمريكي. وأذن ذلك القرار بتحويل الفلسطيني إلى مشرد في الغربة، إلى رقم في طابور يستعطي بعض مواد الغذاء، إلى خيمة تخترقها مياه الشتاء من أعلى ومن أسفل، إلى مادة دسمة لقنابل الطائرات ونيران المدافع، إلى مصفّد في معتقلات إسرائيل وحكام العرب. وأمريكا ومعها الجوقة الغربية تصفق للدموع المنهارة من عيون أطفال فلسطين، وللدماء المنسكبة من أجساد رجال فلسطين، ولمعاناة الأرامل والثكالى من أمهاتنا اللواتي وقفن راسخات كالجبال الشم العظام.
وأمعنت أمريكا بعد ذلك في تقديم كل العون والدعم لإسرائيل، وقاومت كل توجهات التحرر العربية والإسلامية لتبقي على حكام يصعرون خد الأمة ويبتذلونها ويبددون طاقاتها.
أعطت أمريكا الدور لفرنسا لتدعم إسرائيل ولتؤهلها لالتهام المزيد من أرض العرب. وهكذا كان عام 1967. فانبرت الولايات المتحدة ومعها بريطانيا وفرنسا لمهمة تثبيت إسرائيل وإرغام العرب على الاعتراف بها، وصدر عن مجلس الأمن قرار 242 الذي لم يشر إلى فلسطين لا من قريب ولا من بعيد. حتى أن كلمة فلسطينيين لم ترد في نص القرار الذي اكتفى بالإشارة إلى حل مشكلة اللاجئين الذين من الممكن أن يكونوا " لاجئين يهود “. لقد أقرت الولايات المتحدة في 242 بعدم جواز احتلال الأرض بالقوة، لكنها لم تتلكأ لحظة واحدة عن تقديم المال والسلاح لإسرائيل والذي أصبح معناه الضمني أنه لا يجوز للعرب احتلال الأرض التي احتلتها إسرائيل بالقوة. والتفسير الأمريكي هذا قد ثبت عام 1973 عندما أنزلت أمريكا دباباتها في ميدان المعركة دعما لإسرائيل في مواجهة جيشنا المصري الباسل.
أما المقاومة الفلسطينية فلم تكن بالنسبة لأمريكا سوى مجموعة من القتلة والمجرمين الذين يمارسون الإرهاب. ولم تدخر جهدا في سبيل القضاء عليها أو احتوائها. ومع مقاومتها الشرسة لمقاتلينا الذين سطروا الملاحم والبطولات العظيمة أصرت على أنه لا يوجد شعب فلسطيني له حق في تقرير المصير. واكتفت فقط بالاعتراف بأن شعب فلسطين أو الفلسطينيين يعانون من مر الحياة ولا بد من حل بعض مشاكلهم الإنسانية. وفي ذات الوقت قادت حملة عالمية ضد ما أسمته بالإرهاب الفلسطيني حتى أصبحت الكوفية في بلاد الغرب رمزا للعنف والعدوان، والمقاتل الفلسطيني مصدرا للإجرام وسفك الدماء. وشجعت إسرائيل على ملاحقة الفدائيين فأصبحت المخيمات هدفا لقصف الطائرات الأمريكية المتوحش، وضربت مدن الأردن ولبنان وتم التنكيل بأبناء فلسطين حيثما حلوا وأينما وجدوا.
لكن أمريكا لم تقطع علاقاتها بهذا الوجه البربري المتوحش مع كل الفلسطينيين. بل حاولت الإبقاء على بعض الخيوط القوية التي تشكل بدائل لابن الحمامجي وابن الطوبرجي وابن الكندرجي وابن الكبابجي الذين أصبحوا فدائيين يقودون الشعب نحو التحرر والتحرير. أبقت خيوطا مع المتنفذين تقليديا الذين كانوا دائما أصدقاء للسلطة القائمة في البلاد وذلك لكي يتحدثوا باسم الشعب الفلسطيني عندما يكون الوقت مناسبا. فنشطت قنصليتها في القدس ونشط مبعوثوها وجمعياتها في إقامة العلاقات مع عدد من الفلسطينيين مركزين في ذلك على أبناء العائلات المتنفذة تقليديا والتجار الأغنياء والمثقفين خاصة من العاملين في الجامعات. فنجحت مع بعضهم ليكونوا رصيدها التفاوضي في المستقبل.
أما على صعيد منظمة التحرير الفلسطينية فقد عملت الولايات المتحدة بالإضافة إلى الهجوم المباشر باتجاهين: اتجاه اختراق صفوفها وتجنيد عملاء لوكالة المخابرات المركزية، واتجاه تقوية نفوذ من أصبحوا يعرفون بعرب أمريكا داخل صفوفها. نجحت من خلال الاتجاه الأول بالتعرف على فكر وتخطيط المنظمة مما أفسد عليها عملياتها وخلق لديها جوا من الإحباط، ونجحت من خلال الاتجاه الثاني في قطف ثمار الإحباط لتوجيه السياسة الفلسطينية نحو القبول بالطروحات الأمريكية.ولم تكن بعض القيادات الفلسطينية بريئة من تمكين أمريكا في مساعيها.
أثمرت جهود الولايات المتحدة في النصف الثاني من السبعينات الذي شهد غزلا متحفظا بين المنظمة والولايات المتحدة أبدت من خلاله المنظمة استعدادها للاعتراف بإسرائيل مقابل حق تقرير المصير. وخلال هذه الفترة شهدت المنظمة أيضا ثورة المكاتب. ازدادت أعداد مكاتب المنظمة لدى الدول المختلفة وظهرت فئة جديدة في الثورة الفلسطينية من الموظفين أصحاب الياقات البيضاء والبزات الرسمية. وكان من شأن هؤلاء أن يرفعوا من ثقل التوجهات السياسية لحل القضية الفلسطينية على حساب العمل المسلح والتنظيم السري.
وبما أن أصحاب المكاتب كانوا يحاولون مجاراة البعثات الديبلوماسية للدول فقد خلقوا انطباعا غير مقنع حول الثورة الفلسطينية. وكان لهذا الانطباع أن ألحق بالفلسطينيين خسائر كبيرة على المستوى الشعبي خاصة في البلاد العربية والإسلامية. ورويدا رويدا تحولت منظمة التحرير لدى هذه البلاد إلى هيئة رسمية أكثر مما هي حركة ثورية تتعامل مع الجماهير، وأخذ عدد من مناضلي الحركات الثورية في العالم يوجهون الانتقادات للفلسطينيين وقياداتهم.
سرى التهتك على الساحة الفلسطينية كما أسلفت سابقا. قالت لنا الولايات المتحدة أن الحل الأمريكي هو ثمن الخروج من بيروت بسلام. صدق فيليب حبيب وتشتت المقاتلون الذين كانوا يشكلون الدعامة النفسية للصمود. انتظرنا الضغط على إسرائيل لكنه لم يتأت. لكن الرئيس المصري قال لنا أن الولايات المتحدة صادقة النوايا وحتى يكون بإمكانها أن تضغط على إسرائيل فإنه لا بد من نبذ الإرهاب. نبذ عرفات الإرهاب وتجاوز كل ما آمن به شهداؤنا، لكن الدولة التي تحدث عنها كثيرا لم تأت. وتكثفت الجهود الديبلوماسية وتعمق الخلاف على الساحة الفلسطينية.
اهتزت الجبهة الداخلية وظهرت تحالفات وتحالفات مضادة واستعرت الشتائم والاتهامات والاتهامات المتبادلة. انقسمت النقابات وانشقت الاتحادات وكثر الفساد المالي واستشرت الفئوية. ولم يتوقف النزيف إلا مع اندلاع الانتفاضة.
أقرت الولايات المتحدة بأن الانتفاضة سلمية وهي تعبر عن مدى الظلم الواقع على شعب فلسطين، لكنها لم تعمل حسب ما يتطلبه هذا الإقرار. أرسلت إلى إسرائيل قنابل الغاز حديثة الصنع والتي رأينا تاريخ صنعها على القوالب الفارغة، وأمدتها بنصائح حول قمع التمرد الشعبي والمظاهرات وبما يلزم ذلك من تقنيات. واستمرت الولايات المتحدة بدعم إسرائيل اقتصاديا مما مكنها من بناء المزيد من المستوطنات وتوسيع بعضها ومصادرة الأراضي، وواصلت دعمها بالسلاح والعتاد. وإزاء هدم البيوت وقتل المواطنين واعتقال وجرح الآلاف لم تجد أمريكا إلا أن تبدي بعض الألم والحزن.
ولم تبخل أمريكا على إسرائيل بالنصائح لضرب الانتفاضة والقضاء عليها، وقالت لها مرارا أن القمع الشديد يؤدي إلى نتائج عكسية، وأنه من الضروري اتباع أساليب أكثر تطورا لها وقع نفسي يؤدي إلى تخفيف حدة الانتفاضة.
باختصار أمريكا لا تريد إقامة دولة فلسطينية ولا تؤيد ان ترى هوية فلسطينية تسير بالشعب نحو الاستقلال. هي فقط تريد أن تنسحب إسرائيل من بعض الأراضي العربية المحتلة /67 شريطة ألا تكون هذه الأراضي تحت السيادة العربية وإنما تحت إدارة عربية بإشراف أمني إسرائيلي. العرب ليسوا مستعدين للقبول بهذا الطرح بدون موافقة الفلسطينيين. فحكام العرب لا يريدون أن يتهموا بالخيانة كما حصل بعد عام 1948، وإنما يريدون أن توجه التهمة للفلسطينيين. ولهذا يصرون على أن يوقع الفلسطينيون على ما يعطى لهم من قبل أمريكا وإسرائيل. ولكن كيف؟ إنه من خلال الاستدراج الأمريكي لمنظمة التحرير. بدأ الأمر بتنازل بسيط، ثم أخذت التنازلات تكبر. مع كل تنازل، كانت المنظمة تفقد جزءا من أرضيتها إما من خلال انشقاقات أو انسحابات أو تصفيات، الخ. المناضلون أخذوا بالانسحاب أو قتلوا أو عزلوا من مواقعهم، وحل محلهم من لا يملكون تاريخا نضاليا. فاستشرى الفساد في المنظمة حتى غدت أسوأ من المؤسسات العربية من حيث سرقة الأموال وتبديدها والفساد الإداري والأخلاقي. وهذا ما سهل على العناصر غير المناضلة توسيع نفوذها فيها. والآن أصبحت العناصر ذات النفوذ التقليدي هي الأقوى في داخلها. وفي الغالب كانت هذه القيادات الجديدة من مؤيدي الولايات المتحدة الأمريكية وقد عرفت داخل البلاد وخارجها بعلاقاتها الحميمة مع القناصل وبإصرارها على دفع الفلسطينيين نحو الولايات المتحدة والتعاون معها في سبيل إيجاد حل للقضية. هذا علما أن هذه القيادات لم تؤمن أبدا بالنضال الفلسطيني ولم تشارك فيه وهي امتداد لقيادة الحاج أمين الحسيني.
أمريكا ستستمر في ابتراز منظمة التحرير حتى تنهار مضمونا وتبقى شكلا .وعندما تصبح شكلا تكون قد سقطت تماما بأيدي العائلات التي سلمت فلسطين بدون توقيع عام 1948 والتي ستسلمها بتوقيع هذة المرة وبموافقة جهات لها تاريخ وطني. وهذا بالضبط ما قصده بيكر وزير الخارجية الأمريكي عندما قال أن بلاده تفضل التعامل مع العائلات العريقة. فهو يعلم أن العائلية لعبت دورا أساسيا في قيام دولة إسرائيل من خلال حرصها المفرط على مصالحها الاقتصادية ومواقعها الاجتماعية. وقد برّ الغرب وإسرائيل بهذه العائلات وعملوا على إبقائها في الصدارة. وهذا ما تفعله أمريكا الآن من حيث استنزاف منظمة التحرير من خلال مفاوضات عقيمة تدور حول مسائل تافهة. إنها تراهن على الزمن الذي يدحر الشعب الفلسطيني نحو المزيد من اليأس والإحباط مما يجعله فريسة سهلة لتآمر القوى الداخلية التي تؤيد السياسة الأمريكية.
مصالح أمريكا لا تتلكأ أمريكا في إثبات تحالفها الاستراتيجي مع اسرائيل وانحيازها المطلق لصالحها المرة تلو الاخرى، ولايسع العرب إلا الصراخ بصوت مكتوم مع الإعلان بصوت مرتفع عن آمالهم في بدء مرحلة أمركية جديدة في تعاملها مع القضية الفلسطنية وقضية الشرق الأوسط. فعلى الرغم من الغضب الذي أظهره بعض مسؤولي الولايات المتحدة إزاء ردود فعل اسرائيل تجاه بعض الأمور الشكلية في محاولات البحث عن “سلام” في المنطقة، إلا أن هذا الغضب كان على ما يبدو كان وما يزال مرحليا أو مسرحيا أو موضعيا. فمثلا في الوقت الذي كان فيه الرئيس بوش يتحدث عن السلام كان يدفع وبحرص شديد نحو تهجير الفلاشا من إثيوبيا إلى إسرائيل، وما كادت عملية نقل هؤلاء تنتهي حتى ظهرت علينا أمريكا مرة أخرى بخبر دعم إسرائيل بطائرات إضافية من النوع المطارد وذلك، حسب التفسير الأمريكي ،لدعم الاستقرار في المنطقة. ظهرت علينا أمريكا بهذا النبأ في الوقت الذي أعلن فيه الرئيس الأمريكي عن رغبته في رؤية الشرق الأوسط خاليا من السلاح الاستراتيجي. غضب العرب إعلاميا على هذه الأفعال لكنهم استمروا في نهجهم. وفي عهد ما يسمى بالسلام قامت أمريكا بتوجيه دعمها العسكري والاقتصادي لإسرائيل، وقام الرئيس كلينتون بتزويد إسرائيل بالطائرات المتقدمة تقنيا في الوقت الذي نقلت فيه وسائل الإعلام أن الرئيس قد ضاق ذرعا بالسياسة الإسرائيلية التي تجمد عملية السلام. لكن العرب والفلسطينيين لم يتحدثوا عن مغزى هذا التسليح وكأنهم يقرون بأن السلام لا يتحقق إلا عندما تكون إسرائيل قوية.
لست معنيا في كيل الشتائم للولايات المتحدة ولا السباب. فأمريكا، كغيرها من الدول تتصرف حسب أسس ومبادىء راسخة تنبثق من تقديرها لمصالحها العليا. إنها لا تتصرف بطريقة ارتجالية أو عشوائية أو مزاجية، وهي لا تتصرف أيضا حسب إملاءات مجموعة الضغط الصهيونية. لا شك هناك بأن للصهاينة نفوذ كبير في الولايات المتحدة، لكنهم ليسوا الجهة الوحيدة التي تتمتع بنفوذ كبير، بل هناك مجموعات وشركات ومصالح فئوية كثيرة تمارس نفوذها من أجل تسيير السياسة الأمريكية الداخلية أو الخارجية لصالحها. والسياسة الأمريكية في النهاية هي محصلة تفاعل مختلف المصالح بما في ذلك مصالح الفئة الحاكمة، والتي تقر ضمنا أن المصالح الفردية أو مصالح الجماعات لا تتحقق من خلال تدمير الولايات المتحدة بل من خلال تكريس مصالحها والمحافظة عليها.
بمعنى أن الولايات المتحدة الأمريكية ليست مجرد لعبة في يد الحركة الصهيونية، وهي ليست مراهقة من ناحية التفكير السياسي أو التخطيط الاقتصادي. لدى الولايات المتحدة علماء وخبراء في كل المجالات، وهم دائما يدرسون ويبحثون من أجل تحقيق المزيد من التقدم. وهذا ينطبق على المجالات الاجتماعية والسياسية كما ينطبق على المجالات العلمية الأخرى. أمريكا تعرف ما تريد وتعرف مصالحها التي تحددها تطلعاتها وآمالها وغير ذلك. وكغيرها من الدول، من اليسير عليها، سواء على مستوى الساسة الحكام أو الخبراء، أن يبحثوا في مسألة تعديل سياساتهم في أي مجال من المجالات إذا شعرت أن مصالحها أصبحت في خطر أو أن خطرا ما يتهددها.وإذا طبقنا هذا على المنطقة العربية، فإنه لم يعد هناك مجال للتشكيك في أن مصالح الولايات المتحدة في المنطقة آمنة وغير خاضعة للتهديد. من الناحية العملية، لا يوجد تناقض بين دعم أمريكا لإسرائيل وبين علاقاتها الطيبة مع الغالبية العظمى من الأنظمة العربية وعلى رأسها أنظمة النفط. أمريكا تستغل الثروات العربية وتسيطر على الإرادة السياسية للعرب في ذات الوقت الذي لا تتردد فيه في تقديم كل أنواع الدعم في إسرائيل. وهذا الوضع سيستمر ما دام الوضع في العالم العربي على حاله، ولن يتغير إلا إذا شعرت الولايات المتحدة أن دعمها لإسرائيل يتناقض مع نفوذها أو مع سياستها في الوطن العربي.
ببساطة الوطن العربي لا يستطيع أن يهز شعرة واحدة في جسد الولايات المتحدة، وهي تتصرف بمنتهى الاستهزاء والاستخفاف بكل العرب والمسلمين. إنها تنتهك كل ما له حرمة في الوطن العربي، وتدوس على كرامة الأمة بكل سهولة وبدون أدنى تردد، ولسان حالها يقول:” هل هناك من يعترض؟"
هذه حقيقة لم تكن غائبة عن قطاعات عريضة في الوطن العربي، ولم تغب عن أذهان عدد من المثقفين. وقد أخذت الكتابات حولها مساحات واسعة على مدى سنين طويلة. لكنه في النهاية وُصف هؤلاء بالمتشنجين وضيقي الأفق والمنغلقين، وبعضهم وصفوا بالإرهابيين. هؤلاء، حسب منتقديهم، غير منفتحين على العالم ويسيئون للعرب لأنهم لا يؤمنون بالحوار، وأغبياء لأنهم يتمسكون بمواقف غير مرنة وخالية من العقلانية والحكمة.
ونتيجة للهزائم المتكررة التي مني بها العرب، أصبحت هناك مراجعات على الساحة العربية أفضت إلى ضرورة خوض معارك سياسية جديدة تتسم بالانفتاح على الغرب وخاصة الولايات المتحدة وبدء الحوار معه والقيام بجهود مكثفة من أجل شرح القضايا العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية. وتتسم أيضا، حسب رواد هذه السياسة، بالتفكير الحكيم والتعقل والتروي ونبذ الإرهاب والتمسك بالشرعية الدولية ممثلة بالأمم المتحدة.
وقد أوضح هذا الفريق أن سر تحيز العالم الغربي لإسرائيل يكمن في الدعاية الصهيونية التي تصور العرب بطريقة مثيرة للاشمئزاز. وإذا شاء العرب كسب الرأي العام الغربي فإن عليهم أن يقوموا بحملات متواصلة من الدعاية والتوعية في الأوساط الغربية عل وعسى أن تقتنع شعوبها بأن العرب مسالمين كغيرهم من الأمم وأنهم أصحاب قضايا عادلة شوهتها الدعاية الصهيونية. وفعلا تم الاستماع إلى هذه المقولة وأخذ العرب يهتمون بالوصول إلى رجل الشارع الغربي لتغيير تفكيره التقليدي بخصوص العربي وتقاليده وأفعاله.
لكن هذا التفكير ثبت عدم فعاليته مع الأيام. الغرب لم يتغير حسب ما نريد، ولا نحن تغيرنا بالطريقة التي تخالف آراء الغرب عنا. بقينا في نظر الغرب أمة من المتخلفين المنهزمين الذين يملكون الكثير من المال لإغداقها على متع الحياة، وبقي الغرب في نظرنا ذلك الأخطبوط المتحيز لإسرائيل والذي لا يقبل حبنا له وتقربنا منه.
قدمنا للغرب مختلف أنواع التنازلات، وقدمنا له التسهيلات، وسلمناه الثروات، وحاربنا حروبه وسحقنا معه العراق، لكنه لا يتزحزح قيد أنملة عن مواقفه، وما زال يطالبنا بالمزيد.
لقد أساءت تجربتنا هذه إلى فكرة الحوار ومحاولة الاتصال مع الأعداء. الحوار بحد ذاته ضروري وهام، لكنه في الحقيقة يفقد معناه إن جرى بدون الأسس التي تشكل مقومات الحوار. نحن لم نقم بأعمال الدعاية في أمريكا والغرب عموما في ظروف اعتيادية، ولم يكن حوارنا معهم اعتياديا. بل نبع الحوار من شعور بالعجز وعدم المقدرة، وكذلك كانت دعايتنا. رسمنا لدى الغرب فكرة الأمة المهزومة، وحاولنا تحسين وضعنا من خلال هذه الصورة القبيحة. الاحترام المتبادل لم يكن موجودا أصلا ولا الرغبة في الفهم المتبادل. وبالتالي كانت النتيجة فشل الحوار وفشل كل محاولاتنا الطيبة لدى الولايات المتحدة من أجل الضغط على إسرائيل لتوفير بعض ماء الوجه الذي ينهمر من جبين الأمة العربية.ولم تكن الإساءة إلى فكرة الحوار فقط، بل كانت أيضا إساءة مهينة للأمة العربية ككل. لقد استنزف أصحاب هذا الاتجاه الطاقات المعنوية للأمة مما أدى إلى الترهل والخنوع والابتعاد عن القضايا الجوهرية لصالح البحبوحة المادية والقضايا الخاصة. لم يعد العربي مطالبا بالاستعداد النفسي أو المادي لمواجهة أعدائه، بل وُعد بأن كل قضاياه سيتم حلها بطرق سهلة وبسيطة وعبقرية. فإذا بالمشاكل تتعقد والفرد يفقد نفسه في زحام الإحباطات والانتكاسات المستمرة للآمال، ويأبى أن يثأر لنفسه أو يحرك ساكنا من أجل كرامته. ضربت بيروت والشعب العربي يغط في نوم عميق، واستمر نومه مرورا بضرب طرابلس الغرب وبغداد وما بين كل محطة وأخرى من آلام وأحزان.
ولم تتلكأ القيادة الفلسطينية كثيرا عن الاتجاه العقلاني في الأمة العربية. لحقت هذه القيادة بالركب وسبقت كل الأمة في تقديم التنازلات ونالت في النهاية إحدى أمنياتها في أن جلست مع موظف في وزارة الخارجية الأمريكية في تونس. ووعدت الشعب أن الدولة على مرمى حجر فإذا بالمرمى بعيد جدا. وعاد الشعب يلعق جراحه وينال الإحباط من طاقاته وتماسكه المعنوي.
وبعد هذا لا بد من القول بأن الاتجاه العقلاني بحاجة إلى الكثير من العقلانية. هناك حقائق أغفلها هذا الاتجاه وما زال يغفلها في مواصلة محاولاته القديمة-الجديدة وهي:
1- إسرائيل جزء لا يتجزأ من العالم الغربي وهي جزء من النظام الذي تعمل الولايات المتحدة على إقامته بالتعاون مع الدول الغربية. انبثقت إسرائيل عن العقلية الغربية، واستمدت مقومات حياتها واستمرارها من الغرب والولايات المتحدة. إنها من الغرب وللغرب ولا تنفصل عن الغرب. إنها التعبير الحقيقي عن الإرادة الغربية في الشرق الأوسط، وهي رأس حربة الثقافة الغربية في المنطقة.
إسرائيل ليست بحاجة إلى الكثير من الدعاية للحصول على انحياز الغرب لأن الغرب منحاز أصلا لها ولقيامها ولزيادة قوتها وجبروتها. ولا يمكن لدعاية مضادة أن تلغي مفعول ما هو متأصل ومتجذر خاصة إذا كانت هذه الدعاية صادرة عن أناس غير مرغوب فيهم ولا ينظر إليهم باحترام.
ولهذا لا تجد أمريكا حرجا في أن تعلن أنها ضد احتلال الأرض بالقوة وتزود إسرائيل في نفس الوقت بالسلاح. ولا تجد حرجا في سحق العراق وتعلن في نفس الوقت أنها لن تمارس الضغوط على إسرائيل، ولا تجد حرجا في التعبير عن رغبتها في تجريد الشرق الأوسط من السلاح الاستراتيجي وتبعث في نفس الوقت بطائرات إضافية لإسرائيل لتعزيز الاستقرار في المنطقة.
2- أعمال الدعاية العربية لا يمكن أن تصمد أمام سلوك العديد من العرب في الغرب خاصة سلوك الذين يملكون المال من دول النفط وغير دول النفط. أنظمة الحكم العربية ما زالت غير قادرة وغير راغبة في ترتيب أوضاعها الداخلية والأخلاقية بشكل متناسب مع طموحاتها الكلامية. وبالتالي يضيع الكلام الجميل في خضم الأعمال القبيحة.
3- أمريكا حريصة على مصالحها كباقي دول العالم، والعرب يحرصون على صداقتهم لأمريكا حتى في أحلك الظروف التي تخلقها لهم إسرائيل. فما الذي يدفع أمريكا إلى تغيير سياستها؟
4- الشرعية الدولية هي شرعية خلق إسرائيل وطرد شعب فلسطين وتدمير مصانع العراق وقتل أطفال لبنان. هذه هي الشرعية السائدة ولا يوجد لها بديل ولا يوجد أمل في أن يتخلى عنها الذين أقاموها. الشرعية الدولية هي شرعية القوة التي يمكن أن تظهر في أي مكان وأي زمان. صاحب القوة والنفوذ يفرض ما يشاء إلى أن يواجه تحديا حقيقيا يفضي إلى شرعية جديدة. فكيف نطلب من الذين شردوا شعبنا أن يتراجعوا عما فعلوا؟ لا غبار على الطلب. علينا أن نطلب، إن شاء ذلك أصحاب العقلانية، لكننا لن نحصل في النهاية على شيء سوى المزيد من الإهانات.
ما دام الأمر كذلك فإنه بإمكاننا أن نسير بإحدى طريقين:
1- أن نكمل مشوار العقل والحكمة ونستمر في عملية التنازل إلى أن نصل إلى النقطة التي يرتضيها عدونا ونسميها في النهاية سلاما. من الواضح أن أعداءنا يطلبون شيئا جديدا مع كل مرحلة سياسية جديدة ومع كل تنازل جديد نقدمه. باختصار، هم يريدون استسلاما مطلقا، ومن ثم لهم أن يقرروا أي المساعدات الإنسانية يقدمون لنا وكيف يقدمونها.
2-أن نعود إلى أنفسنا فنبني ونراكم أسباب القوة. من المفروض أن نبني أنفسنا بطريقة نفرض فيها احترامنا على الصديق والعدو. عندها تسمع منا الولايات المتحدة والدول الغربية والرأي العام الغربي. وقد يقول قائل أن هذا طريق طويل يتطلب الكثير من الجهد والوقت، ومن الأفضل أن نسير في طريق قصير عسى أن يعطي ثمارا. صحيح أن هذا طريق طويل لكن البديل هو الاستسلام للقوى لمعادية وانهيار الأمة. ولنا أن نختار بين الطريق الشاق الذي يضع الأمة في الصدارة وبين الطريق السهل الذي يضعها تحت الأقدام.