سبيل إلى الخلاص

حال الشعب الفلسطيني ليس جيدا منذ سنوات طويلة، وقد عانى من قسوة الصراع والتشريد بصورة شديدة. كان هناك أمل بأن تتبدل الأحوال وتتطور نحو الأحسن بعد حرب عام 1967 وبروز الثورة الفلسطينية بكافة فصائلها. لكن مجريات الأمور أثبتت أن الثورة لم تكن ثورة وأن الشعب اقتيد من مأساة إلى مأساة ومن إحباط إلى إحباط. ظن الناس أن اتفاق أوسلو يشكل مخرجا وينبيء بفجر جديد، لكن الشعب ولج من ظلام إلى ظلمة أشد وأقسى حتى بات الناس يندبون الأيام السالفة. لقد أثبتت تجربة أوسلو أن الشعب قد اقتيد عمدا من مأزق إلى مأزق، وأن كل ما آمنوا به من نضالات التحرير لم يكن إلا أوهاما.

وضع اتفاق أوسلو الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده في مأزق خطير كان أهم ملامحه تقطيع أوصال الشعب معنويا ونفسيا ووضع الفلسطيني في مواجهة الآخر حرصا على الأمن الإسرائيلي أو، حسب ما يسميه بعضهم، دفاعا عن المصلحة الوطنية الكامنة في الاتفاق. يتجسد هذا المأزق الخطير في كل موقع يتواجد فيه الشعب لكنه يرمي بثقل أكثر خطورة على الضفة الغربية وغزة. ازدادت التوترات في هذين الموقعين منذ توقيع الاتفاق وازداد الفساد وتدهورت المعنويات وأخذ الشعور بالوحدة يتآكل.فما السبيل إلى الخلاص، إلى الحرية التي ينعتق معها الإنسان الفلسطيني والعربي معا من شقاء الماضي وهزائم الحاضر وتخلّف الفكر وسطوة عوامل الكبت والقهر وتيه النفس؟ السؤال ليس بسيطا ولا ينتظر إجابة سهلة خاصة أن المرء يقف مبهوتا أمام ثقل المهمة في القول ومذهولا أمام صولة جبروتها بالفعل. ولا أخفي القاريء مشاعري، فكلما حملت قلمي أكتب عن حال الأمة والخروج من المأساة أحسست أن القلم يأبى السخاء ويرتبك في صياغة الجمل والعبارات. وبالطبع يعود ذلك إلى عدم وضوح الأفكار وعظم المهمة وتعقيدات الأوضاع.

في سبيل الخلاص أرى أن هناك مسربين من المفروض العمل فيهما في آن واحد وهما المسرب الفلسطيني والمسرب العربي. لكل مسرب خصوصياته لكنه لا يمكن فصلهما وكل منهما يعزز الآخر. المسرب الفلسطيني خاص بالفلسطينيين وتجربتهم الذاتية، أما المسرب العربي فيتعلق بالوضع العربي بعموميته والذي يمكن أن يشكل خطوطا عريضة للخروج من المأزق الذي تعاني منه الأمة العربية ككل.

المسرب الفلسطيني

طُرح على الساحة الفلسطينية مسألة البديل بخاصة بعد اتفاق أوسلو. طرح المؤيدون للاتفاق أن الأوضاع الفلسطينية والعربية سيئة للغاية وأن الأعداء أقوياء ولا مفر من انحناء الرأس والقبول بالأمر الواقع والسير في ركب الحلول الأمريكية. وقد سبق أن شرحت هذا الأمر. وفي سبيل الرد على الخصوم تم توجيه سؤال حول البدائل التي بحوزتهم وحول ما يمكن أن يقدموه للشعب الفلسطيني.

بدوري أرى أن أولى الخطوات نحو البديل هو إعفاء الفاشل من مهامه ومسؤولياته. عرفات فشل في تحقيق أي شيء من الآمال والأهداف الفلسطينية وتجاوز ما تم التعارف عليه داخل منظمةالتحرير على أنه الثوابت الفلسطينية وتجاوز بنود الميثاق الوطني الفلسطيني مرارا وتكرارا وأوصل الشعب الفلسطيني إلى أوضاع متردية اقتصاديا وإداريا، وإلى حد ما اجتماعيا وأخلاقيا. لقد فشل عرفات في الأردن وفي لبنان وفي الأراضي المحتلة عام 1967، وفشل في كثير من الجزئيات والأعمال اليومية. إنه المسؤول الأول عن كل ما واجه الشعب الفلسطيني من إخفاقات عبر عقود من الزمن. ولهذا كان عليه من النواحي المنطقية والسياسية والأخلاقية والوطنية أن يستقيل ويفسح المجال للتغييرات السياسية.

ربما يقول عرفات أنه قدم استقالته للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير عدة مرات إلا أن اللجنة كانت ترفض قبولها. من الناحية الشكلية هذا صحيح، إلا أنه ليس دقيقا من الناحية الجوهرية خاصة أن عرفات يمسك برقاب أعضاء اللجنة التنفيذية، كما شرحت سابقا، وهو يعرف تماما أنهم لا يقوون على قبول استقالته. ثم أن عرفات لم يقدم استقالته في أي مرة بناء على أسس وتبريرات منطقية لها علاقة بالمصلحة الوطنية، وإنما كان يقدمها بعد زعل أو “حرد”. أي أن الاستقالة كانت تتم بظروف لا تعني الجدية أو التدبير العلمي لمصالح الشعب الفلسطيني. وقد اعتاد هو أن يترك الاجتماعات بنوع من الزعل لأنه كان يعرف أن عددا من المجتمعين سيتبعونه لاسترضائه وتطييب خاطره. وفي الأحيان التي قدم فيها استقالته كان يسمع التعبيرات التي تجعل منه الأب الحاني الذي يتحمل الجميع وأن توجيه الانتقادات لسياساته ليس إلا من قبيل التداول الذي لايمس الثقة والحنكة السياسية التي يتمتع بها.

استقالة عرفات من شأنها أن ترسخ نهجا هاما على الساحة الفلسطينية وهو أن الحياة العامة ليست لعبة ولا يجوز الاستهتار بها وأن المسؤول ليس فوق المساءلة أو الحساب. ضاعت الكثير من القضايا الهامة والمصالح على المستويين العربي والفلسطيني لأن المسؤول الأول لا يُسأل ولا يُحاسب. هزمت الأمة مرارا وتكرارا وبقي المسؤول متربعا على العرش وكأن شيئا لم يحصل أو كأن المهزوم من عالم آخر. وبالطبع جند المسؤول دائما طوابير المبررين الذين ينسجون الأساطير حول قدراته الخارقة ويلفقون القصص حول تخاذل معاونيه وتصرفاتهم اللاأخلاقية. طبعا هم متخاذلون وأصحاب رذيلة إنما لأنهم صنيعته. إذا بادر الشعب الفلسطيني إلى محاسبة مسؤوليه فإنه من المتوقع أن يشعر هذا المسؤول بقوة ردع تمنعه من التلاعب بمصير الشعب.

لكن حتى يتم ذلك فإنه من المطلوب أن يكون هناك شعب حي يقفز من أجل محاسبة المسؤول الذي يفشل أو يعجز عن القيام بمهامه أو يتجاوز صلاحياته. فهل الشعب الفلسطيني حي وقادر في هذه اللحظة التاريخية على محاسبة مسؤوليه؟

بعد خروج الفاشل ومن ساعده في فشله من مواقعهم، أرى أهمية اتخاذ الخطوات التالية:

أولا: التملص التدريجي من اتفاق أوسلو بحيث يتم تجنب المشاكل الإضافية التي أتى بها على مشاكل وجود الاحتلال. تتمثل هذه المشاكل بمسألتين: مسألة العائدين الذين سمح لهم الاتفاق بالعودة إلى أرض الوطن، ومسألة الاعتياش التي أوجدتها السلطة الفلسطينية. بالنسبة للمسألة الأولى، هناك عشرات الآلاف من العائدين الذين يتهددهم انهيار الاتفاق بالترحيل. جاء هؤلاء إلى أرض الوطن للاستقرار والارتياح من حياة الرحيل والتهجير، ومن المحتمل أن يكونوا ضحايا انهيار فجائي للاتفاق فتأمر إسرائيل بإخراجهم على اعتبار أن وجودهم على الأرض ارتبط بالاتفاق وينتهي بانتهائه. يعقد هذا الأمر إمكانية اتخاذ قرار سياسي فجائي ويضع الشعب أمام البحث عن سبل لصد أزمة تهجيرية جديدة.

حتى يكون بالإمكان الإفلات من هذا المأزق التهجيري أرى أن يندمج العائدون في الحياة العادية وذلك بترك وظائفهم في السلطة وشق طريقهم المعاشي بمساعدتها وبعيدا عن أطرها الرسمية. لكن مشكلة أخرى تبرز هنا وهي متعلقة بالنظرة العربية للمنصب العام واستزلام المنصب. المناصب في فلسطين إجمالا إستزلامية، أي حسب الولاءات السياسية وليس الولاءات الوطنية، وهي مصدر وَجَهي هام. أي أنه لا بد من التخلي عن سياسة الاستزلام السياسي وإعادة تأهيل النظرة بحيث يصبح المرء على قناعة بأن أهميته ومكانته لا تنبع من المنصب، ويصبح المسؤول على قناعة بأن السياسة الحكيمة تنبع من وجود أناس أكفياء على رأسها وليس من وجود المنافقين حوله.

أما المشكلة الكبيرة الثانية التي أوجدها أوسلو فتتمثل بذلك الكم الهائل من الطاقم الإداري الذي أصبح يعتاش من الأموال العامة مع أن جزءا منه لا يقوم بأي عمل نافع للجمهور أو للوطن. هناك جزء من هذا الطاقم قد حقق ثروة هائلة على حساب الشعب في فترة وجيزة من الزمن، لكن هذا الجزء لا يهمنا لأن أفراده يهرّبون أموالهم إلى الخارج وهم جاهزون للهرب في أي لحظة. أما الجزء الذي يعتاش على الراتب فيتطلب منا جهودا سياسة واقتصادية تستوعبهم في حال وجود طاريء. علما أن سياسة الفساد التي ميزت أداء السلطة قد قلصت الخيارات أمامنا بشكل خطير. لقد بذرت السلطة الفلسطينية نسبة عالية من أموال الشعب الفلسطيني وبددتها، وكان رئيس السلطة أكبر المبددين. استعملت الأموال لشراء الذمم والمواقف السياسية وكذلك لإشباع الشهوات والرغبات الشخصية. حتى أن السلطة بسياستها الفاسدة قد خلقت أزمة ثقة يصعب أن يتجاوب الجمهور بسببها مع أي سياسة عامة جدية.

فيما إذا استطاعت السلطة أن تعيد الثقة وتثبت للناس أنها تراجعت عن سياسة الفساد والإفساد، فإن التملص من اتفاقية أوسلو يتطلب سياسة اقتصادية تقترب من الاقتصاد البدائي الذي يعتمد هدف تحقيق الاكتفاء الذاتي. سياسة كهذه تتطلب تخفيض الاستهلاك من خلال شن حرب على العقلية الاستهلاكية التي تطورت في البلاد، وتخفيض مستوى المعيشة والمتطلبات المادية المعيشية. وعليها أن تركز على الإنتاج بخاصة في ميداني الزراعة والحرف، وأن تنتهج سياسة مالية صارمة وحازمة بحيث يراقب كل درهم ويتم الإشراف على صرفه. وحتى نكون قادرين على انتهاج هذه السياسة لا بد من تغيير مصادر التمويل الحالية بحيث يصبح لدى الفلسطينيين حرية أوسع في تحديد الأولويات التي تصب في صالحهم. مصادر التمويل الحالية هي الدول الغربية والتي ترى في الضعف الفلسطيني والهيمنة الإسرائيلية ضمانة أكيدة في استمرار السيطرة الإسرائيلية وتبعية القرار الفلسطيني في مختلف المجالات.

تغيير مصادر التمويل واتباع سياسة اقتصادية انتاجية وسياسة مالية صارمة يتطلب تغيير الطواقم الحالية المشرفة على الأوضاع الاقتصادية. يعيدنا هذا إلى مربع الاستزلام. هل لدى القيادة الفلسطينية وبالتحديد ياسر عرفات الاستعداد للتخلي عن هذه السياسة لصالح سياسة تخدم الشعب الفلسطيني؟ وهل لدى الشعب الفلسطيني القدرة على إفراز قيادة تعتمد الأساليب الحديثة في الإدارة أم أنه سيبقى ضمن دائرة التقاليد العربية في المشْيخة؟

ثانيا: جنبا إلى جنب الخطوة الأولى يجب العمل على إعادة بناء المجتمع الفلسطيني في كافة أماكن تواجده بخاصة في الوسط الشرقي من فلسطين وساحل غزة. الأخلاق في البلاد أصابها خلل كبير، وينتشر الفساد والتحايل والتكالب على المصالح الخاصة. المصلحة العامة هي آخر ما يثير الاهتمام. أي أن الوضع في فلسطين يشهد حالة جزر نفسية ومعنوية وأخلاقية، ومعها يزداد الإحباط والشعور باليأس وضرورة الاستسلام. بهذا الوضع وما يلازمه من انحطاط تربوي وتدهور في الترابط الاجتماعي ومشاعر الانتماء والحس بالمسؤولية لن يستطيع الشعب إنجاز شيء له قيمة.

تتطلب إعادة البناء أساسا التركيز على البناء الأخلاقي وشن الحرب على الفساد والفاسدين والمفسدين. نحن بحاجة إلى إعادة صياغة الأسس التربوية والتعامل الأخلاقي بحيث تتطور قيم العمل الجماعي والتعاون المتبادل وتغليب المصلحة العامة على الخاصة مع الوعي بأن المصلحة الخاصة لا تتحقق من خلال التطفل على المصلحة العامة. ولهذا هناك حاجة إلى برامج تربوية يتم تطبيقها على مختلف المستويات وبالأخص على أعلى مستويات المسؤولية. على المسؤولين وعلى رأسهم رئيس السلطة أن يلتزم بصورة حديدية بقيم جديدة حتى لا يبقى الناس يسمعون القول ويفعلون شيئا آخر. عندما يبدأ الوضع بالتحسن أخلاقيا يسهل تنفيذ مختلف البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

المجتمع الذي يقوم على أساس أخلاقي مجتمع متكاتف وصلب ويستطيع الصمود في مواجهة مصادر الألم التي يفرضها الاحتلال، ويستطيع أن يفرغ هذه المصادر من محتواها وتوجيه ألم مضاد يفرض نفسه على سياسة الاحتلال مما يضطره إلى التفكير مليّا بخطواته العدوانية. وفي هذا ما يؤكد أن مواجهتنا للاحتلال ليست مجرد مواجهة إعلامية أو استجدائية، وإنما مواجهة إرادات وليّ ذراع. عندها نستطيع كسب ثقة الجماهير العربية والإسلامية مما يضع الأنظمة في مواقف لا تستطيع أن تتجاوزها.

سياستنا الأخلاقية الهادفة إلى صنع تحول جذري على مختلف الصعد تربك العدو وتحشد طاقات الأصدقاء. وهذا من شأنه أن يخرج الفلسطينيين من قوقعة القطرية والانفراد الذي كان عاملا مدمرا للقضية الفلسطينية برمتها.

لكن هذا التوجه لا يروق للقيادة الفلسطينية ولا يمكن أن يكون مقبولا. فقيادة منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية فيما بعد عملت على عزل الفلسطينيين ضمن عقلية قطرية وعملت على انتزاعهم من أنفسهم وخلخلت ثقتهم بقدراتهم عبر إحباطات متواصلة تم التخطيط لها بعناية. فتحت هذه القيادة الأبواب أمام الاختراقات الأمنية المعادية لصفوف الشعب الفلسطيني وكرست سياسة الاستزلام واستخدمت الأموال بطرق جلبت العار على تاريخ فلسطين وشعبها، ولا أظنها تقبل الآن بطروحات تعيدها سنوات إلى الوراء.

إذاٍ ما هو الحل؟ الحل يكمن في إعادة التنظيم على المستوى العربي حتى يكون بالإمكان تجاوز عيوب الحاضر والانطلاق نحو المستقبل، أرى أنه من المهم التوجه نحو بناء تنظيمي جديد يقفز عن كل أخطاء الماضي ويتطلع نحو إنجازات بعيدة عن حرارة الخطابات وبريق الوعودات. وأرى أن هذا التنظيم يستحق نجاحا إذا ركز على الأمور التالية:

أولا: الإدراك بأن هموم العرب عامة وهموم الفلسطينيين خاصة لن تجد حلا ضمن إطار قطري أو نزعة إقليمية. أي يجب العودة إلى فكرة الوحدة العربية ليس من مجرد منطلق عاطفي وإنما من منطلق القناعة بأن الشعوب العربية شعب واحد وأن مصيره مرتبط بوحدته. لم يعد في هذا العالم مكان متميز للدول الصغيرة أو لشعوب صغيرة تحاول أن تضع لنفسها تاريخا وثقافة بمعزل عن جذورها التاريخية والدينية والحضارية وبمعزل عن مصالحها المشتركة ومقومات وجودها. فمصر على عظمتها لا تستطيع أن تشق طريقها في هذا العالم بمعزل عن العرب، فكيف بشعب فلسطين أو لبنان أو ليبيا أو تونس أو الإمارات العربية؟

العرب مسؤولون جميعا عن مواجهة همومهم، وانفراد كل دولة عربية أو شعب عربي بهمومه الخاصة يجعله فريسة سهلة للآخرين. ولعل العرب أخذوا عبرة من الهزائم المتكررة التي لحقت بهم من قبل دول كبرى وصغرى. حتى أرتيريا فشل العرب في مواجهتها عند احتلال الجزر العربية في البحر الأحمر.

تمسكنا في الوحدة العربية لا يكون على حساب البعد الإسلامي أو نفيا له. وإنما ينظر إلى الوحدة العربية كهدف يمكن حصره على المدى المنظور والسيطرة على مقومات تحقيقه، لكن دون التأثير على إمكانية تحقيق الوحدة الإسلامية. فالعرب هم قلب العالم الإسلامي، والعالم الإسلامي درع يقي المسلمين في كل مكان. قوة العرب هي قوة للمسلمين، وقوة المسلمين حصن لكل مسلم في كل موقع.

ثانيا: الإدراك أن الوحدة العربية لا تنجح إلا بالإسلام. الإسلام هو المقوم الحضاري والفكري الأساسي لهذه الأمة. لقد عُرف العرب بالإسلام وعُرف الإسلام بصورة رئيسة بهم. لقد حمل العرب الرسالة ونشروها في مختلف أرجاء الأرض، وأقاموا بها الحضارة، وشقوا طريقهم نحو العلم والتقدم بها. والإسلام لا يشكل قاعدة الانطلاق للمتدينين فقط وإنما لغيرهم الذين صبغ سلوكهم وتميزت ثقافتهم بالإسلام. إنه منبع حضاري للجميع بمن فيهم المسيحيين وغيرهم. الثقافة الإسلامية تجمع العرب وغير العرب على أرض العرب كما تجمع المسلمين وغير المسلمين.

لكن ما هو الإسلام الذي يشكل قاعدة الانطلاق؟ بدون العودة إلى أفكار مختلف الفئات الإسلامية أرى أن الإسلام يعني التالي:

ا- تنشيط حركة البحث والنقاش والحوار حول ما هو إسلامي وما هو غير إسلامي بهدف تنقية المفاهيم الإسلامية من التوجهات غير الإسلامية التي تمارس باسم الدين. فالتعقل والتفكر والنظر والتدبر أجزاء أساسية من الإسلام والتخلي عن ذلك يعني التخلي عن ركن إسلامي حيوي لبقاء الأمة وتطورها وتقدمها. بمعنى أن الإجابات الإسلامية على مختلف القضايا يجب أن تبقى مفتوحة أمام الاجتهادات.

ب- التركبز على القرآن الكريم كأساس لاستنباط مختلف الأحكام واعتباره مهيمنا على كل مصادر التشريع الأخرى بما فيها ما ورثناه من السنة. وهذا يعني إخضاع السنة وغيرها للفحص القرآني للتأكد من أصالتها. هذا لا يعني التخلي عن السنة وإنما اعتبار القرآن مرجعية لها خاصة إذا اختلفنا حول أصالة بعض نصوصها. و إذا اعتمدنا القرآن الكريم كمرجعية فإن الفرَق الإسلامية لا بد أن تختفي ولا بد أن يعود التاريخ الذي فرّق المسلمين إلى موقعه الصحيح وهو الموقع التاريخي الخالي من البعد العقائدي. العودة إلى القرآن تعني العودة إلى عبادة الله بدل عبادة أحداث تاريخية أو تقديسها. وفي هذا أشير إلى أن القرآن يضع أمامنا مراتب لا بد من مراعاة تسلسلها وهي:

1- العقيدة وهي مادة الإيمان. هذه ثابتة عبر الزمان والمكان وصلابتها تقاس تبعا لصلابة العمل ومواصلته.

2- الحق والباطل وهما مادة الفكر. إنهما متحركان حسب تطور الإنسان العلمي وتطور قدرته على فهم قوانين الطبيعة أو قوانين الخلق التي تشمل الإنسان نفسه.

3- الحلال والحرام وهما مادة الفقه. إنهما متحركان أيضا تبعا لتطور فهم التشريع الإسلامي وهما محكومان بالحق والباطل أو مادة الفكر ذلك لأن الحرام والحلال لا يخالفان القوانين الإلهية، وفهم الإنسان بهذه القوانين مرتبط بتطوره المعرفي عبر الزمن.

ج- التقوى الإسلامية تتكون من مراتب وهي

1- الشعائر الدينية والتي تشكل مادة ذكر الله التي تحيي في النفوس الاستعداد لتلبية نداء الله والعمل على التعمير والإعمار.

2- التقوى الاجتماعية التي تعني ترجمة التعاليم السماوية إلى فضائل يمتد أثرها إلى محيط المسلم ومجتمعه.

3- التقوى البنائية التي تعني المساهمة في العمل المنظم الذي من شأنه إقامة الأمة والسير بها نحو التقدم على أسس علمية.

هذه مراتب لا تنفصل وكل واحدة منها تقود إلى الأخرى.

د- عدم استعداء العروبة واعتبارها على أنها روابط قوم لها وظائف اجتماعية تعزز من قوانا الداخلية. فكما العائلة تضم أفرادها، تضم العروبة أفرادها دون تعصب أو عنصرية، ودون تحيز ضد غير العرب على الأرض العربية.

ه- عدم التحيز ضد غير المسلمين، والتأكيد على أن المسيحيين خاصة جزء لا يتجزأ من الوطن والشعب. هم للمسلمين والمسلمين لهم دون تشنج أو حتى تفكير بالتمييز. نمطهم الديني خاص بهم، وهم شركاء في النمط الثقافي العام.

ثالثا: الحرية هي أساس الإبداع. أعظم مشكلة يواجهها العربي هي القمع والقهر والاستبداد. لقد حرم العربي من الحرية على مدى قرون وكبلته الأنظمة السياسية والاجتماعية وحاصره مفهوما العيب والحرام الواسعان جدا في مداهما. ومن شدة القهر الذي لاقاه العربي هناك شك في أنه يستطيع ممارسة الحرية. لقد هُزم من الداخل وأُفقد الثقة بنفسه إلى درجة أنه تحول إلى أبله لا يقوى على التصرف والتفكير السليم.

فإذا كان العربي يناضل من أجل الحرية فالأوْلى أن يحرر نفسه أولا. فمن كان مهزوما في داخله لا يقوى على هزيمة أعداء خارج ذاته. ولهذا يجب أن يتمتع العربي بحرية التعبير والمشاركة والتنقل حتى يقوى على حشد أسباب الانطلاق نحو التقدم ومواجهة المتربصين به وبأمته.

رابعا: الإدراك بأن الرجل والمرأة يكونان مجتمعا واحدا وأن كل منهما لباس للآخر. الحرية هي حرية الإنسان وهي تشمل كلا من الرجل والمرأة على حد سواء، ولا يوجد في الإسلام ما يقيد حرية أي منهما. يتطلب الإسلام الالتزام بالفضيلة والتي هي الانعتاق من العبودية للشرور والآثام والشهوانية، ولا يتطلب قمع المرأة وتحجيمها بحجج واهية نابعة من تقاليد وعادات متخلفة.

خامسا: الإدراك بأن الانفتاح على الأمم ليس عارا ولا حراما. الانفتاح يعني أولا المعرفة ويعني ثانيا الفائدة المتبادلة. فقد يستفيد العرب والمسلمون من تجارب الأمم الأخرى وقد ينقلون تجاربهم إليها، وفي هذا ما يسارع من التقدم الإنساني.

سادسا: الإدراك بأن كل التنظيرات لا قيمة لها بدون أخلاق. القول يجب أن يكون متبوعا بالعمل الملتزم. صحيح أن الإسلام يحوي في داخله الفضائل والدعوة المتواصلة إلى تطبيقها، لكن مشكلة العرب بصورة عامة هي التطبيق الأخلاقي. لا يفترض الناس أن عليهم تطبيق ما يتحدثون به على أرض الواقع. هذه هي مشكلتنا الحقيقية كعرب في هذا الزمن، ولا تكمن المشكلة في أننا جربنا مختلف الأفكار وفشلنا ولم يبق أمامنا غير الإسلام. بهذه الأخلاق القائمة حاليا والقائمة على المزاجية والتفكير السحري والغيبي والقبلية لن تنجح الفكرة الإسلامية أيضا. فلا يكفي شعار الإسلام الذي ترفعه عدد من الأحزاب والفئات. وإن نجح بعض الإسلاميين في استلام الحكم الآن فذلك بسبب سوء الأنظمة العربية وما أفرزته من هزائم وإحباطات. أي أن النجاح السياسي يتطلب مراجعة لمختلف القيم الأخلاقية لتتناسب مع المتطلب الإسلامي الوارد في القرآن.

إن ما أعنيه بهذا التطبيق هو الالتزام في الحياة اليومية والعامة بالأسس الأولية للأخلاق مثل الالتزام بالموعد والابتعاد عن الوساطة بالتوظيف ونبذ الإنفعال وتطوير التسامح وتفهم الآخرين وسلاسة العلاقات الاجتماعية، الخ. ومن كانت تنقصه الأخلاق الأولية لن يقوى على تطوير الفكر الحر والتفكير العلمي، ولن يكون في النهاية خلاقا مبدعا.

سابعا: الإدراك بأن الاعتماد على الذات هو أساس البناء الأخلاقي والانطلاق في طريق التقدم والإنجاز. الاعتماد على الغير يورث الكسل والتواكل ويضعف الثقة بالنفس والوعي بما يمكن أن يحققه الإنسان. وقد استنتج الإنسان عبر مراحل التطور التاريخي أن جلد المرء لا يحكه إلا ظفره، وأولى بالعرب أن يتوجهوا نحو علاج دائهم بأيديهم. نحن الآن أمة كسولة متقاعسة عن الواجب وتؤجل الأعمال حتى تتراكم فلا تقوى على حملها. وفي النهاية تجد نفسها في حضن الأمم المتحدة أو الولايات المتحدة باحثة عن حلول لهمومها، بالضبط كما وجد الفلسطينيون أنفسهم معتمدين على غيرهم وبخاصة إسرائيل في لقمة الخبز، ويعملون حراسا في بعض الأحيان على أمنها.

الاعتماد على الغير يورث التبعية ويسلب المؤمن من قدرته على المبادرة والاستقلال في اتخاذ القرار. الذي يعتمد على غيره لا يملك نفسه ولا يقرر لنفسه، إنما هو عبارة عن أداة بيد الغير لا إرادة له ولا حول ولا قوة.

خلاصة القول

أدرك تماما أن المشروع الذي أوجزه هنا صعب المنال ويتطلب جهودا كبيرة وسهرا طويلا والتزاما حديديا. لكنني أدرك أن المأساة التي نعيشها ضخمة وثقيلة، ووطأة الظلم هائلة والهزائم التي تلحق بنا لا تكاد تحصى، ومثل هذا الوضع لا ينتظر حلولا سهلة. حجم التحدي مرعب، ولا يقابله إلا تحد يفوقه كما ونوعا. ولا أظن أن أحدا خارج الأمة سيتطوع للمهمة.

الخروج من المأزق ووضع القدم على الطريق نحو الحرية عملية شاقة تحتاج إلى نَفَس طويل ومعاناة وتضحيات. يخطيء من يظن أن المسألة خاضعة لقرار سياسي أو لمجرد إعلان أو تصريح. الطريق طويل جدا، واجتيازه يتطلب ثمنا باهظا. أبناء الأمة هم الذين سيدفعون الثمن خاصة أن أنظمة العرب قاسية ومجرمة ولا تأخذها بالناس رحمة. لكننا بالإمكان أن نقلل من هذا الثمن بالعمل معا والإصرار على إنجاز المهمة، وكلما تلكأنا ارتفع حجم الثمن الذي ستدفعه الأجيال القادمة.

إذا كانت المهمة شاقة والتضحيات المطلوبة ضخمة، وجاء أحدهم يقول أننا لا نقوى على عمل شيء جوهري، فإنني أملك ما أقوله له. أقول له أن يستسلم تماما وأن يقبل بالهزيمة وما تفرضه عليه القوى المعادية. فالاستسلام يوفر النفوس والجهود والمعاناة. بالضبط كما حصل مع قادة فلسطين. كان من الأجدى أن يستسلم القادة عام 1917 وأن ينصحوا شعبهم بالاستسلام. ففي عام 1917 صدر تصريح بلفور الذي وعد اليهود بوطن قومي في فلسطين على ألا يخل ذلك بالحقوق المدنية للجماعات غبر اليهودية المقيمة في فلسطين. رفض قادة فلسطين التصريح والطروحات السلمية المختلفة عبر الزمن مما كلف الشعب الفلسطيني التشريد والتشتيت لعشرات آلاف النفوس وهدم البيوت والاعتقال والتعذيب. وانتهى هؤلاء القادة في نهاية الأمر إلى القبول بما هو أقل من تصريح بلفور وذلك بتوقيع اتفاق أوسلو عام 1993.

الاستسلام طريق سهل لمن أراد أن يكون مطية للآخرين وأداة بيد الأعداء. إنه لا يكلف جهودا ولا يتطلب سهرا، ويتطلب فقط قرارا بالانحناء والتخلي عن كل ما هو أخلاقي أو يمت بصلة بالعزة والكرامة والتقدم. وإذا كان للمرء أن يسقط في منتصف الطريق، فالأفضل له أن يسقط في أوله.