البروفيسور عبد الستار قاسم لـ «الدستور» * على حماس وفتح الانسحاب من الحياة الادارية وحل السلطة والعودة للمقاومة

البروفيسور عبد الستار قاسم لـ «الدستور» * على حماس وفتح الانسحاب من الحياة الادارية وحل السلطة والعودة للمقاومة

جمال جمال

قال الاستاذ الدكتور عبد الستار قاسم ، الباحث والمحلل السياسي ، والدكتور في الفلسفة السياسية ، ومؤلف العديد من الكتب والابحاث والمقالات ، والمحاضر بجامعة النجاح الوطنية بنابلس ، ان أفق الوفاق الفلسطيني ضيق جدا ويكاد يكون مستحيلا تحت الظروف الحالية. ولسنا أمام أحزاب فلسطينية حديثة وإنما مع عقليات متحجرة لها ارتباطاتها المختلفة التي لا تتناسب مع المصالح الفلسطينية. وقال البروفيسور قاسم ، المقيم في نابلس المحاصرة ، في لقاء خاص ب( الدستور ) ان الساحة الفلسطينية لا تتجه نحو اللقاء أو المصالحة وإنما نحو إلغاء الأخر ، وهذا لن يتم ، على الأقل ، تحت الظروف القائمة". وفيما يلي نص اللقاء :

ما هو تقييمك للحوار الفلسطيني - الفلسطيني ، وهل دخل هذا الحوار في الأمور الجوهرية وعمق القضايا التي تواجه الفلسطينيين؟

  • الحوار الفلسطيني - الفلسطيني ليس طارئا ، وهو يمتد على مدى عشرات السنين ، منذ بداية السبعينيات. لكن هذا الحوار الذي نشهده اليوم بدأ عام 1996 ، عندما وجد ياسر عرفات أن مشروعه لإيجاد حل مع إسرائيل يصطدم بعمليات عسكرية فلسطينية داخل التجمعات السكانية اليهودية. ووجد أنه بين جهتين متصادمتين: المعارضة الفلسطينية وعلى رأسها (الإسلامية) التي ترفض الحوار مع إسرائيل والتطبيع والاعتراف ، وإسرائيل التي تضغط عليه مطالبة إياه بتطبيق الاتفاقيات التي وقع عليها ، والتي يأتي على رأسها ملاحقة المقاومين الفلسطينيين. ووجد أن اعتقاله للفلسطينيين يزيد من أزمته الداخلية ، وأن عدم اعتقالهم يرفع من حدة أزمته مع إسرائيل. لم يكن من المتوقع أن ينجح الحوار عام 1996 ، ولا في السنوات التي تلته.

فقيام حوار فلسطيني - فلسطيني يتطلب وساطات وترحالا إلى بلدان عربية يعبر عن عمق الأزمة داخل الدوائر السياسية الفلسطينية. كل الشعوب تتحاور داخليا ، وهذا متوقع حتى داخل البيت الواحد ، لكن عندما يحتاج أهل البيت إلى الجيران ، وإلى سلاح يحرس ويهاجم ، فإن ذلك يعني أن طلاقا قد حصل ، والمعاداة هي العنوان. ولهذا لم أكن أتوقع أن يتم تطبيق بنود اتفاق مكة ، وتوقعت استمرار الاقتتال الفلسطيني ، وما زلت أتوقعه. الاقتتال الفلسطيني - الفلسطيني مبني في الاتفاقيات مع إسرائيل ، ومطلوب من الفلسطيني مواجهة الفلسطيني ومحاربته واعتقاله إذا كان للاتفاقيات أن تُطبق من قبل إسرائيل. هناك نصوص واضحة في اتفاق أوسلو وفي اتفاق طابا ، تطالب السلطة الفلسطينية بملاحقة الفلسطينيين المقاومين والمشتبه بنشاطاتهم المعادية لإسرائيل. بالتأكيد من يقبل هذه النصوص ويوقع عليها لا بد أن يفتح النار على الآخرين الذين يقدر أنهم من المناوئين للاتفاقيات.

تدخلات اميركا واسرائيل

ولا تكف الولايات المتحدة وإسرائيل عن التدخل في الساحة الفلسطينية وبصورة مباشرة وعلنية. أعلن الرئيس بوش مرارا وتكرارا أنه يرسل أموالا للرئاسة الفلسطينية وللحرس الرئاسي من أجل القيام بمهامه ، وأعلنت إسرائيل مرارا أنها تزود الحرس الرئاسي بالسلاح. وهذا شيء نعرفه تماما ، وتصلنا الأخبار مباشرة من الذين يتلقون السلاح من الإسرائيليين. و بهذه الأموال وهذا السلاح لا مفر أمام جزء من الشعب الفلسطيني إلا أن يواجه جزءا آخر. الساحة الفلسطينية مليئة بالزعران والقبضايات الذين هم صنيعة السلطة الفلسطينية. هؤلاء يشترون السلاح من تجار يتعاملون مع المخابرات الإسرائيلية ، ويستعملونه لابتزاز الناس وتخريب الممتلكات ، والقتل أحيانا. الغالبية الساحقة من هؤلاء الزعران ينتمون لحركة فتح. أما حماس فتجد لها منفذا من خلال التجار لشراء السلاح اللازم ، و هؤلاء لا مصلحة لهم باستقرار الأوضاع ، لأن نصيبهم من الدنيا سيتقلص بصورة كبيرة جدا.

برنامجان لا يلتقيان

ألا ترى أفقا للوفاق الفلسطيني ؟

  • الأفق ضيق جدا ، ويكاد يكون مستحيلا تحت الظروف الحالية. نحن في الساحة الفلسطينية لسنا أمام أحزاب حديثة وإنما مع عقليات متحجرة لها ارتباطاتها المختلفة التي لا تتناسب مع المصالح الفلسطينية ، ولا شك بأن عددا من القيادات الفلسطينية يتعاون مع جهات معادية للشعب الفلسطيني وللآمة العربية ، وهي تنفذ سياسة العدو. هذه القيادات حققت للاحتلال ما عجز الاحتلال عن تحقيقه من حيث تخريب النسيجين الاجتماعي والأخلاقي للشعب الفلسطيني ، ونشر الفساد في كل ركن وزاوية. هناك برنامجان رئيسيان على الساحة الفلسطينية لا يلتقيان ، بالأخص عندما تكون العقلية القيادية منغلقة. هناك برنامج مرتبط بالاتفاقيات مع إسرائيل ، ومعه ترتبط العديد من المصالح الخاصة والأموال ، وبرنامج آخر ما زال يتمسك بالمطالب التقليدي للشعب الفلسطيني : العودة وحق تقرير المصير. حتى يحصل الوفاق ، لا بد ان يتم إلغاء أحدهما. أي أن الساحة الفلسطينية لا تجري نحو اللقاء أو المصالحة وإنما نحو الإلغاء ، وهذا لن يتم ، على الأقل ، تحت الظروف القائمة.

العقلية الفصائلية واشتراطات الغرب

هناك من تفاءل باتفاق مكة وقال بأن الهدوء سيسود الساحة الفلسطينية. أنا لم أكن من المتفائلين إطلاقا وكنت واضحا عندما قلت إن الاقتتال سيستمر. إنني أفهم العقلية الفصائلية الموجودة ، وأعي تماما أن هناك لاعبين آخرين على طاولة التفاوض الفلسطيني ، وهم الإسرائيليون والأمريكيون الممثلون في الرباعية الدولية. لنا تجربة واضحة تماما مع الغرب ، وهو لم يقبل عرفات إلا بعد أن وافق على الرضوخ التام ، وهو لن يقبل حماس إلا على ذات النمط. لم يكن من المتوقع أن تقبل الرباعية اتفاق مكة ، وكان المتوقع المزيد من الحصار المالي والمزيد من الضغط على عملاء إسرائيل الفلسطينيين لإشعال نار الحرب الداخلية.

فلسطين في ذمة المعادلة الاقليمية

ماذا ترى في المستقبل؟

  • كما نحن الآن ، الفلسطينيون ليسوا أهلا للقضية الفلسطينية ، وهم يتلهون بمشاكلهم ونزواتهم باسم القضية الفلسطينية. لم نعد أمناء على القضية ولا أتوقع أننا سنعود أمناء في القريب. لقد قزمنا أنفسنا كثيرا ، وجرنا الأوروبيون إلى مؤسساتهم غير الحكومية ، واشتروا العديد من المثقفين والمفكرين. لقد حولنا القضية الفلسطينية إلى رغيف خبز ، وأجرم الذي وضع لقمة خبز الشعب بيد أعدائه ، ولا خير في أناس قبلوا هذه المعادلة. أرى أن القضية الفلسطينية قد خرجت الآن من أيدي الفلسطينيين ، وهي الآن في ذمة المعادلة الإقليمية. القضية الفلسطينية لن تحسمها أيد تمتد للدول الغربية للحصول على أموال ، وهي الآن معلقة في ميزان القوى في المنطقة ، وربما تكون الأشهر القادمة حاسمة في تاريخ الصراع. علينا أن نرى إلى ماذا ستؤول الأمور في الجبهة الشمالية ، وفي المشادة الأمريكية - الإيرانية ، وعند المقاومة العراقية.

لا دولة غربي النهر

وماذا عن إسرائيل ؟

  • الأمن له الأولوية لدى إسرائيل. إذا وافق الفلسطينيون موافقة خالصة صادقة على حراسة مملكة إسرائيل وملاحقة المناضلين وزجهم في السجون ، فإن إسرائيل ستخفف الضغوط وستسمح بتدفق الأموال ، وستخفف من إجراءاتها الأمنية. أي أنها ستقدم تسهيلات للحياة اليومية ، لكنها لن توافق أبدا على مطالب استراتيجية مثل عودة اللاجئين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة. ستسمح إسرائيل كإجراء يومي بإقامة كيان فلسطيني نحن سنسميه دولة ، لكنها لن توافق أبدا على دولة عربية غربي النهر(نهر الاردن). ستبقي إسرائيل على ضغوطها كسياسة مستمرة من أجل كسر الإرادة الفلسطينية تماما.

هل هناك من علاج مؤقت ؟

  • نعم. أن تنسحب حماس وفتح من الحياة الإدارية للشعب الفلسطيني. أن توافق الحركتان على حل الحكومة الفلسطينية ، وحل الأجهزة الأمنية ، عدا جهاز الشرطة ، وتشكيل مجلس إداري من مختصين وخبراء لإدارة شؤون الناس. وعلى الحركتين أن تلبيا طلبات هذا المجلس إذا دعت الحاجة. على الذي يريد تحرير فلسطين أن يسعى إلى العمل السري ، وعلى الذي لا يريد ، أن يلقي السلاح ، إنما على العمل المقاوم ألا يتدخل بتاتا بالشؤون الإدارية للشعب.